تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
وزيرة الثقافة جيهان زكي

جيهان زكي.. "الملكية الفكرية" تلطخ ثوب "الثقافة"

منشور الخميس 19 شباط/فبراير 2026

خلال حوار نُشر في 2015، سُئلت جيهان زكي عن رؤيتها للدور المنوط بوزارة الثقافة، فأجابت "محو القبح". اليوم، وبعد نحو 11  عامًا، تجلس على رأس حقيبة الثقافة، إلا أن هناك ما يغطي على أسئلة خططها لمكافحة القبح أو النهوض بوزارتها، فوصولها للمقعد الوزاري ترافق مع اتهامات بـ"الفساد" والاعتداء على الملكية الفكرية ملأت السوشيال ميديا.

ما إن ظهر اسم أستاذة الحضارة المصرية القديمة، والباحثة بمركز البحوث العلمية بجامعة السوربون بفرنسا، وزيرةً للثقافة؛ انقسم رواد السوشيال ميديا ما بين مهنئين، ومنتقدين زعموا تورطها في وقائع فساد مالي خلال فترة عملها السابقة، إضافة إلى تعديها على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة سهير عبد الحميد بموجب حكم قضائي.

تمتلك جيهان زكي، المولودة في حي مصر الجديدة بالقاهرة عام 1966، خلفيةً أكاديميةً ومهنيةً ارتبطت بمؤسسات الدولة الثقافية والملفات الدولية المعنية بالتراث والآثار. فالباحثة الحاصلة على درجة البكالوريوس من كلية السياحة والفنادق عام 1987 كُلفت بتمثيل الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار لدى منظمة اليونسكو في باريس عام 2003، ثم تولت إدارة صندوق إنقاذ آثار النوبة عام 2010 بالشراكة مع اليونسكو.

وفي عام 2011، شغلت منصب مستشارة وزارة الثقافة للشؤون الخارجية والمنظمات الدولية، وبين عامي 2012 و2019 ترأست الأكاديمية المصرية للفنون في روما، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب منذ تأسيس الأكاديمية عام 1929. كما جرى تعيينها عضوًا بمجلس النواب عام 2021 ضمن لجنة العلاقات الخارجية، ومنحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون العام الماضي وسام "جوقة الشرف" برتبة فارس.

غير أن هذه السيرة لم تشغل كثيرًا المتابعين أمام الاتهامات التي طالتها فور إعلان تسميتها وزيرةً للثقافة.

اتهامات أكاديمية روما

قبل نحو عام ونصف العام، نشر موقع زاوية ثالثة تحقيقًا صحفيًا بعنوان "كيف تسلل الفساد إلى المتحف المصري الكبير؟"، أُعيد تداوله على نطاق واسع عقب تداول خبر تولي جيهان زكي منصبًا وزاريًّا، إذ ورد اسمها فيه 8 مرات.

تضمن التحقيق مزاعم بوجود مخالفات مالية وإدارية مرتبطة بفترة رئاستها الأكاديمية المصرية للفنون في روما، كما أشار إلى تورطها في مخالفات مالية خلال عملها لاحقًا في منصب قيادي بالمتحف المصري الكبير.

استند التحقيق إلى رواية متواترة غير موثقة على نحو كافٍ عن تولي جيهان زكي منصب الرئيس التنفيذي للمتحف المصري الكبير، بين مايو/أيار وأكتوبر/تشرين الأول 2024.

حسب التحقيق الصحفي، واجهت الوزيرة عددًا من الاتهامات المتعلقة بإدارة الأكاديمية خلال الفترة من 2012 إلى 2019، استنادًا إلى تقرير أعدته لجنة شكلتها وزيرة الثقافة السابقة إيناس عبد الدايم عام 2019، ترأسها أحمد صلاح الدين بهجت، رئيس قطاع مكتب وزير الثقافة آنذاك، وضمّت في عضويتها المستشار عصام محمد رفعت، قاضي مجلس الدولة، والمنتدب مستشارًا قانونيًا لوزيرة الثقافة في ذلك الوقت.

جيهان زكي تؤدي اليمين الدستورية وزيرةً للثقافة، 11 فبراير 2026

وأشار التحقيق إلى أن رفعت قدّم إفادات تتعلق بتقرير اللجنة وما تضمنه من ملاحظات على إدارة الأكاديمية في روما. غير أن المنصة تواصلت مع رفعت، ونفى أن يكون هو من كشف للإعلام مضمون التقرير أو تفاصيله.

وأوضح أنه فوجئ باتصال صحفي كان يطرح عليه أسئلة استنادًا إلى معلومات مكتوبة بحوزته، من بينها مقتطفات أو قراءة من تقرير، مؤكدًا أنه لم يزوّد المتصل بتفاصيل من جانبه، بل اكتفى بتوضيح إطار عمل اللجنة ومسار التسليم الرسمي، والتنبيه على أنه غير مسؤول عن صياغات الطرف الآخر أو استنتاجاته.

تحفظ رفعت على الخوض في تفاصيل متداولة إعلاميًا حتى لا تُفهم على أنها إفصاح عن تقرير أو وثائق مرتبطة بعمل لجنة، موضحًا أن ما يمكن تأكيده هو أن اللجنة شُكلت بإجراءات قانونية، وأنجزت مهامها بالكامل، ثم سلّمت التقرير وجميع المستندات وقتها إلى الوزيرة إيناس عبد الدايم، وأن دور أعضائها انتهى عند هذه النقطة، مؤكدًا أنه لا يعلم ما اتُّخذ من إجراءات لاحقًا بعد التسليم.

ورغم إشارة رفعت إلى أن الأزمة ربما كانت في عدم تجانس جيهان زكي مع فريق الأكاديمية "ما أدى إلى وقوع أخطاء أو ارتباكات داخلية"، أكد أن ذلك لا يعني إعفاءها من المسؤولية، لأن "المبدأ المستقر في العمل العام هو مسؤولية الموظف العام وأن الخلل إن وقع لا يُختزل في اتهام أو إهمال بقدر ما يرتبط بالحاجة إلى قدر أكبر من التركيز والانضباط في الإجراءات داخل الأكاديمية".

وفيما يتعلق بمضمون ما رصده التقرير، أشار رفعت إلى وجود "إشكاليات إدارية ومالية" في الأكاديمية، من بينها مسألة عدم التأمين على بعض العمال، وما ترتب عليها من أعباء إضافية وغرامات.

ومن بين الاتهامات المتداولة إعلاميًا نقلًا عن تقرير اللجنة، ما يتعلق بملف "تكهين" متعلقات الأكاديمية في روما، إذ خلصت أوراق اللجنة، حسب ما نقله تحقيق زاوية ثالثة، إلى أن إجراءات التكهين لم تجرِ بالطريقة العلمية المعتادة التي يفترض أن تحقق عائدًا لصالح خزينة الأكاديمية.

يشير التحقيق إلى أن بعض الأصناف جرى التخلص منها عبر سداد رسوم لشركات مقابل رفعها ونقلها، بدلًا من بيعها بما يحقق دخلًا. وذكر التحقيق أمثلة من بينها تكهين معدات مرتبطة بمعرض للآثار، ثم تكهين تجهيزات أخرى في سنوات لاحقة مع تحمل الأكاديمية تكلفة التخلص منها.

وفي هذا السياق، قدّم رفعت تفسيره لما وصفه بإشكال إجرائي مرتبط بطبيعة العمل في الخارج، قائلًا إن التعامل مع الديكورات والمواد اللوجستية التي كانت تُستخدم في فعاليات متكررة يطرح مشكلة عملية، لأن هذه المواد تتحول بعد انتهاء الفعاليات إلى مخزون كبير لا يصلح لإعادة الاستخدام، بينما يؤدي الإبقاء عليها دون تصرف إلى أعباء مالية متزايدة بسبب تكلفة التخزين.

لا توجد معلومات مؤكدة عن تعيين جيهان زكي في منصب قيادي بالمتحف المصري الكبير

وأوضح أنه، وفقًا للقواعد المتبعة في إيطاليا، كان التخلص من جزء من هذه المواد يتم عبر التعاقد مع شركات محلية تتقاضى مقابلًا ماليًا لرفعها ونقلها، في حين كانت الأكاديمية تستأجر مخازن إضافية لتخزين ما يتبقى منها، وصل عددها، حسب قوله، إلى ثلاثة مخازن، يبلغ إيجار الواحد منها نحو 200 يورو.

وأضاف أن اللجنة، بعد عودتها إلى مصر، خاطبت الجهات المعنية للحصول على مسار رسمي للتعامل مع هذا المخزون، فكان التوجيه هو اتباع آلية "التكهين" بمذكرة رسمية، بما يتيح التصرف فيه بصورة قانونية، عبر بيع هذه المواد كخردة وفق الإجراءات المتبعة، ووقف نزيف تكلفة التخزين. وأكد أن الهدف من هذا المسار كان إنهاء أزمة المخازن وتقليل الأعباء، دون الخوض في تفاصيل تشغيلية تتجاوز نطاق عمل اللجنة.

"فساد" في المتحف الكبير 

إلى جانب الاتهامات المرتبطة بملف الأكاديمية المصرية للفنون في روما، زعم البعض تورط جيهان زكي في اختلاس تمثال أثري.

وارتبطت هذه الروايات بما تردد عن تعيينها رئيسة تنفيذية للمتحف المصري الكبير، ثم تداول أخبار تحدثت عن إقالتها في اليوم التالي للافتتاح التجريبي للمتحف، الذي جرى في 17 أكتوبر 2024، عقب ما وصفه البعض باكتشاف "مخالفات وتلاعب في الحسابات".

غير أن هذه الاتهامات تكشف مفارقة جوهرية، إذ بُني جانب منها على افتراض تولي جيهان زكي منصبًا تنفيذيًا داخل المتحف، بينما تشير المعطيات المتاحة إلى أنها لم تشغل هذا المنصب من الأساس. كما تبدو الأخبار المتداولة عن تعيينها رئيسة تنفيذية للمتحف في مايو 2024 غير دقيقة بدورها.

وفي تصريح لـ المنصة، قال اللواء عاطف مفتاح، المشرف على مشروع المتحف المصري الكبير سابقًا، إن جيهان زكي لم تتولَ مطلقًا أي منصب تنفيذي داخل المتحف.

وأضاف، بصفته شاهدًا على الهيكل الإداري للمتحف وكواليس تسييره في ذلك الوقت، أن ما جرى تداوله في مايو 2024 بشأن تعيينها كان "تسريبًا مقصودًا بهدف الإضرار بها"، موضحًا أن ثلاثة أسماء كانت مطروحة للمنصب في ذلك التوقيت، وأن تسريب اسمها أدى إلى استبعادها من الترشيح، وأن أول رئيس تنفيذي للمتحف هو الدكتور أحمد غنيم، المُعين في أكتوبر 2024.

وأجرت المنصة بحثًا موسعًا عن أي قرار رسمي يثبت تولي جيهان زكي هذا المنصب ولم تعثر سوى على أخبار متناثرة تداولت نبأ التعيين نقلًا عن مصادر داخل وزارة السياحة والآثار، دون إرفاق أو نشر قرار رسمي. كما لم يتسنَ رصد أي خبر موثوق بشأن صدور قرار بإقالتها. 

ويعزز هذا الاتجاه ما ورد في البيان الرسمي الخاص بقرار رئيس مجلس الوزراء، الذي وصف أحمد غنيم بأنه "أول رئيس تنفيذي لهيئة المتحف المصري الكبير"، وهو ما يدعم فرضية عدم صدور قرار بتعيين جيهان زكي من الأساس.

حكم قضائي

جيهان زكي في أول أيامها وزيرة للثقافة، 11 فبراير 2026

بعيدًا عن اتهامات الفساد المالي، تبرز أزمة حقوق الملكية الفكرية بوصفها الاتهام الأشد وطأة الذي يلاحق جيهان زكي، بعدما صدر حكم قضائي في يوليو/تموز الماضي في نزاع بينها وبين الكاتبة الصحفية والباحثة في التاريخ سهير عبد الحميد.

إذ اتُّهمت جيهان زكي بالسطو الأدبي واقتباس أجزاء كاملة من كتاب سهير "سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية" الصادر في 2022، وتضمينها في كتاب "كوكو شانيل وقوت القلوب بين التكوين والتخوين" الصادر في 2024.

وتروي سهير عبد الحميد لـ المنصة أنها اكتشفت الأزمة عندما دُعيت لحضور ندوة حول كتاب جيهان زكي ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في 27 يناير/كانون الثاني 2024. وتشير إلى أنها قارنت بين العملين فاكتشفت، حسب روايتها، وجود أجزاء وصفحات كاملة من كتابها، وعناوين فصول وفقرات، فضلًا عن مادة أرشيفية جمعتها ببحث ميداني واستقصائي في ظل ندرة المراجع الموثقة عن الشخصية موضوع الكتاب.

اعتذرت سهير عبد الحميد عن عدم المشاركة في الندوة، وتقدمت في 3 فبراير/شباط 2024 بشكوى رسمية إلى رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب آنذاك أحمد بهي الدين، وسلمت صورة منها إلى وزيرة الثقافة آنذاك نيفين الكيلاني.

وأمام عدم الرد على الشكاوى لجأت إلى القضاء، وبالفعل أقرت محكمة القاهرة الاقتصادية في يوليو الماضي أن جيهان زكي تجاوزت حدود الاقتباس المسموح بها، وقضت بإلزامها بدفع تعويض مالي وسحب المصنف ومنع بيعه أو توزيعه.

في المقابل، طرح محامو جيهان زكي، وفق مذكرة الطعن، رواية قانونية مغايرة، مفادها أن الحكم أخطأ في فهم القانون وتطبيقه، وأن قانون حماية الملكية الفكرية يجيز ضمن الاستثناءات إعداد دراسات تحليلية أو مقتطفات بقصد النقد أو المناقشة أو الإعلام، وأن كتاب جيهان زكي يندرج في هذا الإطار لا في إطار الاعتداء، استنادًا إلى المادة 171 من قانون حماية الملكية الفكرية.

وقبول الطعن أمام النقض لا يوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه تلقائيًا، حيث يظل الحكم واجب النفاذ بموجب المادة 251 من قانون المرافعات، وأن وقف التنفيذ استثناء لا يتم إلا بقرار من المحكمة.

وتنص المادة 171 من قانون حماية الملكية الفكرية لعام 2002 على أنه مع عدم الإخلال بالحقوق الأدبية للمؤلف، لا يجوز للمؤلف بعد نشر مصنفه أن يمنع الغير من أعمال معينة، من بينها إعداد دراسات تحليلية للمصنف أو مقتطفات منه بقصد النقد أو المناقشة أو الإعلام.

ووجّهت المنصة أسئلة إلى مكتب المحامي علاء عابد، وكيل جيهان زكي، بشأن مسار الطعن بالنقض والرد على الاتهامات المتداولة إعلاميًا، غير أننا لم نتلقَ ردًا حتى موعد النشر.

رأي فني

من جانبه، يقول الدكتور محمد حجازي، استشاري تشريعات التحول الرقمي والابتكار والملكية الفكرية والرئيس السابق للجنة التشريعات والقوانين بوزارة الاتصالات، إنه لا يستطيع إصدار رأي نهائي دون الاطلاع على الكتاب وطريقة الإحالات داخله، لكنه يرى أن وجود حكمين، ابتدائي واستئناف، انتهيا إلى ثبوت اعتداء يعد مؤشرًا قويًا، خاصة أن محكمة الاستئناف لم تأخذ بدفوع المؤلفة.

ويضيف حجازي لـ المنصة أن ذكر اسم مؤلفة الكتاب الأصلي مرتين داخل الكتاب لا يكفي وحده، لأن العبرة ليست بمجرد الإشارة إلى المصدر، بل بكيفية استخدام محتوى العمل الآخر.

ويوضح أن الاقتباس في السياقات العلمية والمنهجية يكون محدودًا ومحددًا، لا يمتد إلى أجزاء كبيرة من العمل، حتى لا يتحول إلى اعتداء على المصنف.

القانون لا يعتمد نسبًا رقمية ثابتة لإثبات الاعتداء، بل يركز على معيار "الجزء الجوهري"، أي ما إذا كان المنقول يمثل عناصر أساسية ومؤثرة من العمل الأصلي. لذلك يلزم تقييم فني يقارن بين الكتابين لتحديد طبيعة الاستخدام ومدى جوهريته، حسبما أوضح حجازي.

"وأخيرًا، هناك فرق بين الاستعانة بمعلومة أو إعادة صياغة فكرة مع الإشارة إلى المصدر، وبين النقل الحرفي، فالأولى قد تكون مقبولة إذا حافظت على بصمة الكاتب ووضوح الإحالة، بينما الثانية تثير شبهة الاعتداء بحسب جوهرية الجزء المنقول وسياقه"، يقول حجازي.

وفي ظل تصاعد الاتهامات والانتقادات، تواصل جيهان زكي مهام عملها بقرارات وجولات، بينما تنتظر الحكومة نتيجة حكم النقض في قضية الملكية الفكرية، التي أكد وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، في مؤتمر صحفي الأسبوع الماضي، أنه "لم يصدر بها حكم نهائي وبات"، مشيرًا إلى أنه "حال صدور حكم بات من محكمة النقض، سيجتمع مجلس الوزراء لاتخاذ القرار المناسب وفقًا للقانون، سواء باستمرار الوزيرة في منصبها أو باتخاذ الإجراءات اللازمة حال ثبوت الاتهامات أو عدم صحتها".

الآن، وبينما تبدأ جيهان مرحلة مهنية جديدة تصبح مطالبة، سياسيًا وإداريًا، بتقديم رواية رسمية متماسكة ومسار قانوني يوضح ما انتهى إليه كل ملف. وفي الوقت نفسه، يقع عليها عبء إدارة الملف الثقافي بكفاءة، وتبديد الشكوك التي صاحبت لحظة توزيرها.