
حكومة بلا فرملة.. كيف تمر قرارات رفع الدعم تحت عين البرلمان؟
تستمرُ الحكومة في سياساتها لرفع الدعم، التي كان آخرها الإعلان عن خطة لزيادة أسعار الوقود، مبررةً ذلك بأنه أحد مسارات عملية الإصلاح الاقتصادي، فيما يفشل مجلس النواب في فرملة القرارات رغم وجود اعتراضات بين أعضائه على ما تعتبره الحكومة سياسات إصلاحية، ويستمر في تمرير برامج الحكومة وموازنانتها واتفاقيات القروض التي لم يرفض أيًا منها.
كان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي كشف في مؤتمر صحفي عن خطة لرفع الدعم عن المنتجات البترولية حتى نهاية العام الحالي؛ يأتي ذلك بعد أشهر من آخر قرار للجنة التسعير التلقائي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، برفع أسعار المواد البترولية بكافة أنواعها للمرة الثالثة خلال عام 2024، بنسبة وصلت إلى 17%، ضمن شروط الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وقال مدبولي حينها إنه لن تكون هناك أي زيادات أخرى خلال 6 أشهر، بهدف خفض التضخم ومراعاة الفئات محدودة الدخل.
الآن، تستعد لجنة التسعير التلقائي لعقد اجتماع الشهر المقبل للنظر في أسعار المواد البترولية، على الرغم من تحديد وزارة المالية متوسط سعر برميل النفط في موازنة 2024-2025 عند 82 دولارًا للبرميل، مقارنة بـ81 دولارًا في موازنة العام المالي الماضي، في حين تُتداول أسعار النفط حاليًا دون مستويات الـ70 دولارًا للبرميل.
مساءلة بلا ردود
بلغ عدد مرات رفع أسعار الوقود 18 مرة منذ تطبيق آلية التسعير التلقائي في 5 يوليو/تموز 2019 حتى 18 أكتوبر 2024، وعلى مدار هذه السنوات تصاعدت أصوات من مجلس النواب تنتقد سياسات الحكومة، أغلبها من المعارضة، وبعضها من مستقبل وطن حزب الأغلبية، ولجأ نوابٌ لعدد من الأدوات الرقابية التي يمتلكونها ومن بينها البيانات العاجلة وطلبات الإحاطة والمناقشة العامة والأسئلة.
الحكومة تنفذ توصيات رفع الدعم وتتجاهل البيئة العادلة وضبط الإنفاق العام
في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، تقدم أمين سر لجنة الخطة والموازنة ورئيس حزب العدل عبد المنعم إمام بطلب إحاطة، ينتقد سياسات التسعير التي لا تطابق المعايير التي أعلنتها الحكومة، فضلًا عن تأثيرها على المواطنين.
في الفترة نفسها ربط النائب محمود قاسم عضو المجلس عن حزب الأغلبية، في طلب إحاطة، بين غلاء الأسعار ورفع أسعار الوقود، وطالَب حينها باستدعاء وزير التموين على المصيلحي.
محاولات النواب المحدودة لممارسة الدور الرقابي كانت تصطدم بتجاهل حكومي وإصرار على السياسات ذاتها، ففي مارس/آذار 2024، وعقب الزيادة رقم 16 لأسعار المواد البترولية، تقدم قاسم بطلب إحاطة بشأن ارتفاع الأسعار غير أنه قوبل بالتجاهل نفسه.
وفي المرة الثانية لزيادة أسعار الوقود خلال عام 2024، تقدمت عضوة المجلس عن حزب الإصلاح والتنمية، راوية مختار، بسؤال برلماني، مستنكرة فيه قرار الحكومة بزيادة أسعار المواد البترولية.
أما الزيادة الأخيرة رقم 18، في أكتوبر الماضي، فشهدت عدة تحركات من أعضاء مجلس النواب، لكنها ظلت في إطار البيانات ولم تظهر أدوات برلمانية جديدة؛ فتقدم رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إيهاب منصور، ببيان عاجل، قال فيه "إن استمرار الحكومة فى زيادة أسعار المحروقات يزيد معاناة المواطنين، فلم يفق المواطن بعد من الارتفاعات التي حدثت في أسعار السلع والكهرباء والمياه وغيرها"، متسائلًا "من يأخذ القرارات ومن يدرسها؟".
وأصدر حزب العدل بيانًا اعتبر القرار يمثل تناقضًا واضحًا مع التصريحات الرسمية السابقة التي أكدت على عدم المساس بأسعار الوقود طالما ظلت مستقرة عالميًا، ولا يأخذ في الاعتبار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، حيث لا يزال المواطنون يعانون من ضغوط تضخمية ممتدة استنزفت دخولهم ومدخراتهم.
نواب الأغلبية عززوا السياسيات الحكومية والعديد من القرارات لم تعرض على المجلس
واتهم البيان الحكومة بتنفيذ توصيات المؤسسات المالية الدولية فيما يخص إزالة الدعم، لكنها تتجاهل تقليص الدور الحكومي في الاقتصاد، وتعزيز بيئة تنافسية عادلة لنمو القطاع الخاص، وضبط الإنفاق العام، وتحقيق العدالة الضريبية دون منح امتيازات غير مبررة للكيانات الاقتصادية التابعة للدولة.
معارضة بلا تأثير
مع استمرار الحكومة في مسارها، وأمام خطة الرفع النهائي للدعم، يجد نواب المعارضة أنفسهم محاصرين في دائرة من الفشل وعدم القدرة على اتخاذ مواقف برلمانية تدفع لتعديل السياسات الحكومية المالية والاقتصادية.
النائب أحمد فرغلي عضو لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب يفسِّر ذلك بانخفاض عدد نواب المعارضة داخل البرلمان، ويقول لـ المنصة إن العدد الكبير للنواب المؤيدين ساهم في تمرير العديد من القرارات، التي لم تُعرض من الأساس على المجلس خلال مناقشة برنامج الحكومة في ولايتها الجديدة.
وأكمل "تقدمت بالعديد من طلبات الإحاطة وبيانات عاجلة خلال السنوات الماضية، بشأن قرارات الحكومة برفع أسعار المحروقات، وطالبنا بحضور الوزراء المعنيين، ولكن لم يحضر أحدٌ إلى المجلس، وفي حال الحضور، وسماع توصيات النواب، لم تكن الحكومة تنفذها".
ونوه إلى أن رفع الدعم بشكل كامل عن الوقود سيسهم في ربطه بالأسعار العالمية، بالتالي سيكون قوت الشعب مرهونًا بالتغييرات الدولية، وكل ذلك يأتي في ظل أزمة اقتصادية طاحنة يمر بها الشعب المصري.
وتوجه النائبة مها عبد الناصر، عضوة مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، انتقادات للبرلمان نفسه، مؤكدة على "ضعف الضغط البرلماني على الحكومة".
لم تعلن الحكومة حتى الآن عن سياساتها مع صندوق النقد الدولي
تقول مها عبد الناصر لـ المنصة إن الحكومة تتبع نهج "عدم الإنصات لآراء أعضاء المجلس، وتتخذ مسار التفاوض مع الصندوق والحصول على المزيد من القروض عبر تأييد جارف من نواب الأغلبية".
تتوقف النائبة عند تمرير القروض والاتفاقيات المالية على الرغم من وجود أصوات معارضة لهذه البرامج، وتنوه إلى "عدم إعلان الحكومة حتى الآن بشفافية ووضوح عن سياساتها مع صندوق النقد، كما أنها لم تعلن عن نهاية البرنامج الذي اتفقت مع الصندوق عليه، رغم أن كل ما يحدث من قرارات لرفع الأسعار هي توابع لهذه البرامج والقروض".
لا تعول مها على البرلمان في التصدي للسياسات الحكومية إلا في حال "فتح المجال العام ومنح الفرص للأحزاب المعارضة المشاركة بقوة لتمثيل الشعب المصري، وإنصات الحكومة للأصوات المعارضة، وحضور الاجتماعات، والالتزام بتنفيذ التوصيات التي تصدر من لجان المجلس، وتطبيق نُظم انتخابية يكون من شأنها تمثيل أكبر عدد من المعارضة داخل البرلمان، كالأخذ بنظام القائمة النسبية".
"النتيجة الحالية للسياسات المستمرة للحكومة هي أن غالبية الشعب المصري باتت تحت خط الفقر، خصوصًا الطبقة المتوسطة التي وجدت نفسها في مستوى غير معتاد لهم" تقول النائبة، وتتساءل "متى يتوقف المواطنون عن دفع ثمن القروض التي لم تكن هناك موافقة عليها؟ إلى متى يتحمل المواطنون دفع ثمن قروض غير معروف موعد عوائدها؟".
وبحسب آخر البيانات الرسمية بلغ معدل الفقر في مصر 29.7% وتشير بيانات البنك الدولي إلى ارتفاعه لـ32.5%.
دفاع الموالاة
رغم انعكاس زيادة أسعار الوقود على التضخم بشكل عام، ترى عضوة لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، ميرفت ألكسان، أن "البرلمان لم يفشل في مواجهة قرارات الحكومة برفع أسعار الوقود"، معتبرةً أن القرارات "رشيدة وتأتي في إطار خطة الدولة المصرية لضبط أداء الموازنة".
"كما أن الحكومة تعلن عن حزم اجتماعية عقب هذه القرارات، مما يمكن المواطنين من مواجهة آثارها وتداعياتها" تقول عضوة المجلس عن حزب حماة الوطن.
تدافع النائبة عن "القرارات التي تتخذها الحكومة عبر رفع أسعار الوقود وفواتير الكهرباء"، ولا ترى أنها تأتي "تنفيذًا لمطالب صندوق النقد الدولي، لكنها في الأساس أحد مسارات عملية الإصلاح الاقتصادي.. فرفع الدعم عن بعض السلع يعود إلى وجود عجز كبير في الموازنة العامة للدولة، والفجوة بين الإيردات والمصروفات كبيرة، بالتالي هناك ضرورة لإعادة التعامل مع الدعم المقدم على السلع، حتى تستطيع الحكومة ضبط الموازنة".
لا تقدم ميرفت ألكسان حلولًا لسد العجز سوى تأييد سياسات رفع الدعم واستقطاع العجز من جيوب المصريين، مُكتفية بدور الحكومة في تقديم حزم اجتماعية عقب هذه القرارات تعتقد أنها "تمكن المواطنين من مواجهة آثارها وتداعياتها".
كان وزير المالية، أحمد كجوك، أعلن زيادة قيمة معاش تكافل وكرامة 300 جنيه لكل مستفيد خلال شهر رمضان، بجانب تطبيق زيادة دائمة بنسبة 25% بداية من شهر أبريل/نيسان المقبل، وزيادة الحد الأدنى للأجور للعاملين بالدولة، سواء داخل الموازنة أو خارجها إلى 7 آلاف جنيه.
رغم هذه القرارات التي قد تكون "مسكنات بسيطة مؤقتة" يبقى تغيير السياسات مرهونًا بمناخ سياسي عام لم ينفتح بعد، حسب النائبة مها عبد الناصر، وتظل فرامل البرلمان غائبة عن العمل بفعل الأغلبية والتجاهل الحكومي.