روعة أن تعيش مهزومًا في ظلامك الداخلي
2012
في قعدة حشيش لطيفة، يتبادل الأصدقاء السيجارة احترامًا لمبدأ العمل الجماعي الراسخ المتمثل في مقولة "مناولة مش مقاولة". تصل إليَّ السيجارة فألتقطها وأناولها لمن بعدي. يتكرر الأمر فيسألني أحدهم لماذا لا تدخن؟ أخبرهم أنني لا أفعل، فيسود الصمت قبل أن يقطعه صوت ضاحك:
"مبتشربش؟ أنت تعرف أنا بدفع كام عشان أوصل للدماغ اللى أنت عاملها رباني دي؟".
من هنا بدأتْ مأساتي.
2022
أحمد سمير مبتسم بلا مبرر، ينتقل في التجمعات من طاولة لأخرى كالفرقع لوز، سيخبرك أنه لا مشكلة ثم سيخرج بأبسط حل ممكن، يعيش اللحظة كأن لا وجود لماضٍ أو مستقبل.
كلها معلومات مهمة عني، لكن هناك معلومة أكثر أهمية.
هذا ما كنته قبل ستة أشهر.
2022
في فيلم فؤاد المهندس مطاردة غرامية، يردد الممثل "أنا مش قصير أوزعة.. أنا طويل وأهبل"، وأردد منذ ديسمبر/كانون الأول 2022 أنني رائع. أتآكل من الداخل، فراغ أسود ينمو بداخلي كل ليلة، لكنني مصرٌ على أنني ما زلتُ الشخص نفسه.
أجلس ساعات طويلة أمام اللابتوب لأكتب سطورًا مرتبكة، يتحول أي لقاء لي مع بشر إلى اختبار كفاءة في امتحان ما، لا أعرف إجابته. فكرتُ في الليل كم سيكون لطيفًا لو متُّ الآن، سينتهي كل شيء ببساطة.
اسألني عن حالي، وسأخبرك أنني رائع كعادتي.
أنا لا أخدعك، هذه إجابة معتمدة. تعريفي الذاتي لنفسي هو قدرتي على مساعدة الآخرين ودعمهم. هذه صفات وليست حالًا. الاعتراف بما أشعر به يعني أنني لم أعد موجودًا.
لشهور استمر هذا العبث، لكن ثق بي.. عندما تسمع من الأصدقاء عبارة "أنت محتاج مساعدة" أكثرَ مما تسمع "صباح الخير"؛ فهناك مشكلة.
2023
"أنا بخير".
هكذا بدأتُ حواري مع الطبيب النفسي. الإنكار مريح والله. جلستي مع الرجل الذي بدّل حياتي امتدت إلى 45 دقيقة، 44 دقيقة من الحوار اللطيف عن بابا وماما وطنط وتيتا، ثم الدقيقة 45+ التي غيّرت حياتي.
2023
مرت أشهر على الدقيقة 45+.
أنا الآن شخصٌ سعيد، هذا السكون بداخلي مريح.
أنام بذهن صافٍ، أصحو وأنا أعلم أني سأعود للنوم ثانية وقتما أريد. أتطلع للسقف بالساعات في راحة، أتنقل بين مباريات bein sports وأفلام Netflix وكتب Storytel مستمتعًا بهدوء.
حياتي بلا توقعات' القاهرة ستبقى مدينةً قذرة، فلسطين لن تتحرر، الصحافة لن تحظى بأي مساحات، الحريات ستظل محاصرة. يأس جميل رائق. إن أنجزتم أي شيء سيكون هذا رائعًا وسأفرح معكم، لكنني لا أبالي.
آرائي؟ أنا شخصيًا لا أهتم بآرائي.
باختصار: الحياة رائعة.
ما السبب؟ ألم أحدثك عن الدقيقة الأخيرة من لقائي مع الطبيب النفسي؟
كتب لي دواءً يناسبني، القصة كلها كانت كيمياء دماغي.
2023
تعديل النواقل العصبية كالدوبامين يساعد في علاج الاضطرابات النفسية كالاكتئاب والقلق، لكنْ هناك ملحوظتان.
الأولى: لا أفكر في الجنس، حينما كنت مراهقًا كان كل شيء يتمحور حوله. لماذا أخبرك بهذا؟ لأن الآن لا يوجد أي شيء له دلالة جنسية، مجرد ممارسة وينتهي الأمر، كأنك تأكل وتستمع بالطعام لكنك لا تجوع.
حسنًا، لا مشكلة. جميلٌ أن تتعرف على مشاعر الرجل السبعيني.
الثانية جاءت بعد انتظامي في الدواء وهي الأهم: لم أعد أكتب.
لا أؤلف روايتي القادمة، لا أحرر مقالات، ولا أنشر على فيسبوك.
في الزمن الغابر كنت أتقلب على فراشي وأستيقظ من النوم لأدون مقدمة مقال قصصي، أو أسجل ملحوظة عن شخصية في روايتي. وفي الصباح أفتح اللابتوب فور استيقاظي لأكتب، أعود للمنزل مبكرًا تاركًا سهرةً مع أصدقائي لأنهي نصًا فكرتُه ألحّت عليّ وسط الزحام.
الآن أكتبُ لكن بمجرد إغلاق اللابتوب أنسى أنني كنت أكتب. أنسي أنني كاتب من الأساس.
الفارق ضخم، الشرارة أُطفئت.
أحب الكتابة، هي حياتي. أريد أن أكتب. أسأل صديقي الطبيب النفسي طلال فيصل، بالنسبة لي طلال هو العلم. يؤكد لي شكوكي عن تأثير الدواء على انحدار إنتاجي الإبداعي. لطالما شعرتُ أن طلال "بيفتي"، لا يبدو كالعلم بالقدر الكافي، لماذا العلم شخص رفيع إلى هذا الحد؟
أسأل جوجل فيؤكد كلامه. شكلك فاهم يا دكتور طلال يا برنس.
سعادتي أم الكتابة؟
2023
اخترت سعادتي، أنا الأولوية، مبسوط بالعلاج.
يمكنني تأجيل موضوع الخلود الفني (ضحكة رقيعة)، كما يمكن تأجيل موضوع أن يكون للحياة هدف (ضحكة عبثية). أما قصة اكتساب حب من حولي فسأنساها بالكلية، فلا أطيق أي بني آدم حولي أساسًا (ضحكة بلهاء).
أما تغيير العالم للأفضل فـ(ضحكة طويلة صافية تنقطع فجأة وأنظر في عينيك).
سأستمر في الدواء.
2024
لم أعد أذكر لماذا أتناوله، استشرت طلال (أخبرتك أن طلال هو العلم، طلال يعرف كل شيء) وتوقفت بشكل تدريجي. فخور بالتجربة، سعيد أنني طلبت المساعدة.
رجعت أكتب؟ يا ابني أنا الآن أكتبُ بالفعل.
إنها النهاية السعيدة، ألف الف مبروك.
2025
تعال هنا، تعال لي هنا لو سمحت.
هل صدّقت أن هناك شيئًا اسمه نهاية سعيدة، هل صدقت أن هناك شيئًا اسمه نهاية من الأساس؟ عيب عليك والله. عدت للدواء ثانيةً بسبب القلق، وتوقفت ثانية بسبب الكتابة، الحياة دائرية، لا يوجد فوز بالضربة القاضية.
أدرك أنني أعاني القلق وأدرك أن الله معي، لا أعاند أي شيء.
هذه رحلتي وأنا أكتب، وسعيد.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.