تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
بناء كنيسة قد يثير أزمة

لماذا قد يتحول جارك اللطيف فجأةً إلى عنصري متطرف؟

منشور الثلاثاء 3 آذار/مارس 2026

في ديسمبر/كانون الأول 2023، شهدت قرية العزيب في مركز سمالوط شمال محافظة المنيا اعتداءات طائفية على أقباط القرية. كان السبب الجوهري هو الشروع الفعلي في أعمال حفر الأساسات لبناء كنيسة جديدة استوفت مسارها القانوني وحصلت على ترخيص رسمي وفقًا لقانون تنظيم بناء وترميم الكنائس.

لكنَّ قطاعًا من أهالي القرية رفض التسليم بشرعية الوجود الكنسي في الحيز الجغرافي للقرية، معتبرين أن الحصول على الموافقة الرسمية لا يلغي الحاجة إلى ما يُعرف عرفيًا بـ"الموافقة المجتمعية". وتطور هذا الرفض إلى عنف مادي مباشر تمثل في الاعتداء على الممتلكات وإضرام النيران، فارضين بذلك معادلة الأمن مقابل التنازل عن الحق. 

هذه الوقائع ليست الأولى من نوعها التي تنزلق إلى مستنقع الطائفية، وربما لن تكون الأخيرة في السياق المصري. لكن ما يستدعي التوقف والدراسة هنا ليس "الحدث" في حد ذاته، بل الاستجابة الجمعية تجاهه. تكمن الخطورة الحقيقية في الآلية النفسية والاجتماعية التي تحول خلافًا قانونيًا أو عائليًا إلى قضية صراع وجودي، مما يفتح الباب واسعًا أمام موجات من الكراهية التي تهدد السلامة المجتمعية.

عند النظر بتمعن إلى تفاعلات الفضاء الرقمي، تحديدًا التعليقات التي تجوب السوشيال ميديا فور ذيوع نبأ أي واقعة، نجد أنفسنا أمام حالة يُمكن تسميتها بالانفصال الشعوري الحاد/Acute Emotional Detachment. فالمراقب لهذه المنصات يلحظ بوضوح ذلك الانقلاب الدراماتيكي في السلوك؛ حيث يتبدل مشهد الود والمجاملات اليومية إلى الكراهية والتحفز للصراع في لحظات.

لا ينتج هذا التحول الفوري من الجار اللطيف إلى العنف العُنصري عن أدلة دامغة حول الواقعة، بل هو استجابة فورية غريزية في اللحظات الأولى للحدث، وقبل حتى استجلاء الحقائق أو التأكد من الملابسات، التي قد تكون جنائية بحتة أو قانونية إجرائية. لا يعود الحدث -في هذه الاستجابة القبلية- واقعةً منعزلةً قابلةً للتحقيق، بل يتم تأويله فورًا بوصفه حلقة في سلسلة استهداف وجودي لجماعته.

التاريخ يخبرنا بكل شيء

تمثال للمسيح والعذراء في حرم كنيسة الأنبا أنطونيوس بمدينة المستقبل بالإسماعيلية

تُظهر مُعظم التحليلات والتي ركزت على البُعد "التاريخسياسي" أن جذورَ الفتنة الطائفية في مصر متعددةُ الأوجه، وأنها تراكمت تاريخيًا نتيجة تداخل عوامل اجتماعية وسياسية وثقافية:

أولًا، تلعب الشائعات والادعاءات المضلّلة -خاصة المتعلقة ببناء كنائس أو بجرائم أخلاقية- دورًا حاسمًا في إشعال العنف وانتقال النزاع من نزاعٍ منزليّ إلى صدام طائفي واسع النطاق.

ثانيًا، ثمة بعد مؤسساتي يربط بين سياسات الدولة وممارسات التمييز؛ يرى بعض المؤرخين والمُحللين أن سياسات التوظيف والإدارة العامة في عهود ما بعد ثورة يوليو كانت لها آثار تهميشية على المسيحيين، وأن استغلال الدولة أو أجهزة حزبيةٍ لمثل هذه الاختلالات استخدم أحيانًا لأهداف سياسية داخلية.

ثالثًا، هناك بعد تاريخي، يعود، حسب بعض القراءات، إلى تدخلاتٍ واستراتيجياتٍ في زمن الاستعمار والحملات الأجنبية ونشاطات البعثات التبشيرية، وتعاون المسيحيين المزعوم مع قوى الاستعمار، ما غَيّر من ديناميكيات الهوية والمنافسة الدينية وأضفى عناصر تشكك ومنافسة بين الجماعات الدينية، وهي قراءة يُفضلها المنتمون إلى التيارات الإسلامية المُتشددة.

أخيرًا، يُقدم آخرون الأبعاد القانونية والإدارية المتعلقة بحقوق الملكية وإجراءات ترخيص دور العبادة: النزاعات حول الأراضي والمباني ومأزق التشريعات الخاصة بترخيص الكنائس كانت ولا تزال عامل تفجير متكرر للنزاعات المحلية.

في رأيي؛ مع أهمية هذا العرض "التاريخسياسي" في تفكيك جذور الفتنة الطائفية ومسارات تشكّلها عبر الزمن، فإنه يظلُّ قاصرًا عن الإحاطة الكاملة بالظاهرة. ولا تُقدم تفسيرًا للسؤال الأهم "لماذا قد يتحول جارك اللطيف فجأة إلى عُنصري متطرف؟".

بالعودة إلى أحداث الزاوية الحمراء عام 1981، التي راح ضحيتها 81 قبطيًا، والكشح بصعيد مصر 1999- 2000، التي قُتل فيها 20 شخصًا، بينهم 19 مسيحيًا، لم يكن القاتل غريبًا، بل كان "الجيران".

سلطة الأغلبية

يرتبط هذا السلوك بفقدان الهوية الفردية/Deindividuation حيث ينغمس الفرد في أعراف الجماعة مُتَخَليًا عن مسؤوليته الفردية عن أفعاله، ويرى سلوكه نتيجةً لمعايير الجماعة وتوقعاتها. يؤدي فقدان الهوية الفردية لأفراد الحشود إلى فقدان معايير السلوك العامة والتصرف بطريقة عنيفة وغير عقلانية.

يَمِيل الأفراد عادةً إلى تحديد أنفسهم على أساس عضويتهم في مجموعات مثل الجنس، الدين، الطبقة الاجتماعية، وغيرها. في العادة، هذا التحديد يدفع المجموعات إلى مقارنة أنفسهم مع المجموعات الأخرى من الفئة نفسها، وتؤدي إلى المحسوبية الجماعية والتحيز والنمطية، حيث يفضل الناس بشكل طبيعي أولئك الذين ينتمون إلى مجموعتهم الخاصة.

عند انخراط الفرد ضمن جماعة قد يتخلى عن تفكيره النقدي ويوافق على رأي لا يؤمن به داخليًا

في فيلم 12 رجلًا غاضبًا/12Angry Men للمخرج سيدني لوميت (1957)، نجد هيئة محلفين مكوّنة من 12 رجلًا يُطلب منهم اتخاذ قرار بالإجماع حول إدانة أو براءة مراهق من أصول لاتينية متهم بقتل والده. الأدلة الظاهرية كلها تدينه، وكل الحاضرين يدخلون غرفة المداولة وهم مقتنعون بذنبه، باستثناء رجل واحد (يلعب دوره هنري فوندا)، يطلب ببساطة من الآخرين "أن يتناقشوا" قبل أن يصدروا حكمًا بالإعدام يودي بحياة إنسان.

يكشف الفيلم عن عُنصر مُهم في الديناميكيات الاجتماعية "سلطة الأغلبية وتكاسل الفرد عن التفكير"، منذ اللحظة الأولى، يتجه 11 عضوًا مباشرة إلى التصويت بالإدانة دون نقاش، ليس لأن الجميع مقتنع، لكن لميل الأفراد، ضمن الجماعة، إلى التبعية العقلية و"الاستسلام للجو العام"، وهو ما يُعرف في علم النفس بـ"تفكير الجماعة". عند انخراط الفرد ضمن جماعة، قد يتخلى عن تفكيره النقدي ويوافق على رأي لا يؤمن به داخليًا.

وهذا يؤدي بدوره إلى ما يُسميه عالم النفس الاجتماعي ألبرت باندورا فك الارتباط الأخلاقي، أي إيقاف الضمير. من أجل قضية نبيلة أو الدفاع الوهمي عن الجماعة ضد الآخر، عندما يشارك الناس في مجموعة، غالبًا ما يشعرون بمسؤولية شخصية أقل تجاه النتائج. فهم لا يتخذون القرارات بصورة فردية، بل تتخذها الجماعة، بالتالي تقع المسؤولية عليها مبررة السلوك المستهجن.

بالإضافة لفك الارتباط الأخلاقي، هناك إزاحة المسؤولية، بتعبير باندورا، حيث يتصرف الناس بطرقٍ يعارضونها عادةً إذا ما قبلت سلطة شرعية مسؤولية عواقب ذلك السلوك. هنا يُبرِّر الأفراد سلوكهم المستهجن على أنه إملاء من آخرين في موقع سلطة.

الصورة الأخطر: الهُوية الدينية والاستقطاب

الاستقطاب والانتماء الديني، حين يتحولان من تجربة إيمانية فردية إلى مشروع جماعي قائم على التمايز والعداء، قد يكونان من أخطر صور ذوبان الهوية الفردية، وأكثرها قدرة على إنتاج العنف الرمزي والمادي تجاه الآخر. في المجتمعات التي تعاني من استقطاب ديني، يُطلب من الأفراد أن يُعرّفوا أنفسهم أولًا بانتمائهم الطائفي أو العقائدي، لا كذوات إنسانية مستقلة.

تصبح "أنا" الفرد مغمورةً داخل "نحن" الجماعة الدينية، وتُختزل الذات في وظيفة واحدة: أن تكون مُخلصًا للهوية الجمعية. هذا الذوبان يتم غالبًا تحت شعارات كبرى: الحق المُطلق، الدفاع عن الجماعة، الشهادة، الدفاع عن المقدّس.. إلخ. كما في 12 Angry Men، يُسحق صوت الضمير الفردي تمامًا حين يتصادم مع خطاب الأغلبية. في حالة الاستقطاب الديني، يُلغى الضمير الفردي لصالح نُصرة الدين.

 في مصر تُختزل الذات في مستويات الهوية الجمعية فتتحول "أنا" الفرد إلى "نحن" الجماعة

من هنا، فما يُفترض أن يكون جريمة جنائية تُعالج ضمن القانون، أو خلافًا اجتماعيًا يُحل بالتفاوض، يُعاد تأويله في سياق صراع طائفي أو ديني، ليُغذّي خطاب العداء والكراهية، ويُستخدم لتبرير الهيمنة أو الانتقام. يحدث هذا التأويل والتطوير عبر خطوات متتالية.

حينما تحدث جريمة قتل، أو اعتداء، أو حتى شجار، في بيئة مشحونة طائفيًا، فإن هوية الجاني والضحية تصبح هي محور النقاش على السوشيال ميديا، لا تفاصيل الحادث. فإذا كان الجاني من طائفة والضحية من أخرى، يُعاد سرد الحدث بوصفه اعتداءً طائفيًا، بغض النظر عن الدوافع الحقيقية، ويتم اعتباره اعتداءً على أبناء الطائفة أو محاولة إذلال للهوية.

هشاشة الهوية المدنية

تكشف الوقائع المتكررة في السياق المصري عن إشكالية أساسية، وهي ليست قائمةً في الحدث ذاته -سواء بناء كنيسة، أسلمة، تنصير أو أيًا كانت المسميات- بل في الطريقة التي يُستقبل ويُعاد تأويله بها اجتماعيًا. يبقى السؤال الجوهري إذًا ليس: ماذا حدث؟ بل: لماذا قد يتحول جارٌ لطيف، في لحظة، إلى حامل لخطاب عنصري متطرف؟ والإجابة المُباشرة هي هشاشة الهوية المدنية.

 في مصر تُختزل الذات في مستويات الهوية الجمعية (دينية، طائفية، انتماء اجتماعي)، فتتحول "أنا" الفرد إلى "نحن" الجماعة.

تحوّل "الجار اللطيف" إلى "عنصري متطرف" لا يتطلب بالضرورة تاريخًا من الكراهية، بل يكفي توافر بيئة مشحونة بالاستقطاب، تُفعّل آليات فقدان الهوية الفردية، وتفكير الجماعة، وفك الارتباط الأخلاقي. في مثل هذه البيئة، يصبح الفرد أكثر قابليةً لتبنّي خطاب الكراهية، ليس بدافع الشر، بل الخوف والانتماء والرغبة في الحماية.

في سياق هذه الظروف، ومثلما هو مُعتاد، من الجائز جدًا أن تضيع الحقيقة، وتَغيب العدالة. الخلافات والجرائم حين تُفكَّك ضمن خطاب عقلاني، تُسهم في إنتاج العدالة والحقيقة. لكن حين تُقرأ عبر عدسة الانتماء الديني، تتحوّل إلى وقود للصراع، وتَفقِد كل من المجتمعات والعدالة قدرتها في كثير من الأحيان على التفريق بين الجاني الحقيقي وبين الشبح الطائفي الذي يُصنع من حوله.

المخرج من هذا المأزق لا يكمن في مزيد من الاستقطاب، بل في إعادة الاعتبار للهوية الفردية، وبناء ثقافة مدنية قانونية تفصل بوضوح بين الفعل الفردي والهويات الجمعية، والتركيز على إحالة الجرائم والخلافات إلى سياقها القانوني والإنساني. فقط حينها يمكن استعادة الحقيقة، وحماية المجتمع من الانزلاق إلى عنف لا نهاية له.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.