حين اقتحم الفقراء بيوت الدولة.. عن "المُحتلة" والسكن وثورة يناير
في ليلة جمعة من شهر فبراير/تشرين الثاني 2017، وبعد ست سنوات على ثورة يناير، أمسك محمود النجار الميكرفون في فرح ابنه في الحي الذي يُدعى المُحتلة، وأعلن "عليّا الطلاق، ليلتنا حلوة وهتكمل غصب عن أي حد. إحنا ما أذيناش حد، واللي هيأذينا هنأذيه".
كانت الكلمات موجهةً إلى الخارج، إلى العالم الذي يرفض الاعتراف بهم، والذي يحاصر فرحتهم بتحقيقات وتراخيص. الفرح هنا، في هذا الحي الذي نبت على أنقاض وعدٍ مُتعثّر، ليس احتفالًا عاديًا، إنه إعلان وجود وتحدٍ لواقع ظلّ لست سنوات يقول لهم "وجودكم مؤقت".
محمود واحدٌ من مئاتٍ اقتحموا عمارات مهجورة في مساكن النهضة أوائل 2011، ثم أصبح حلقة وصل أساسية بين سكان هذا الكيان العمراني الموازي وعالم الدولة الرسمي المحيط بهم.
في تلك الليلة بالذات، وقبل أن يلقي خطابه، أمضى محمود ساعات في قسم الشرطة القريب، يفاوض للإفراج عن "الدي جيه" الذي قُبض عليه لعدم حيازته ترخيصًا للعمل. ثم عاد، بوجهٍ يعتليه التعب والإصرار، ليُكمل فرح ابنه.
جغرافيا جديدة
"المحتلة" هو الاسم الذي أطلقه السكان على عشرات العمارات العملاقة من وحدات الإسكان الاجتماعي في مساكن النهضة، أقصى شمال شرق القاهرة، التي بُنيت في ثمانينيات القرن الماضي ثم تُركت خاوية أكثر من عقدين. هذه الكتل الخرسانية مثلت لغزًا عمرانيًا وأخلاقيًا: كيف تُنتج الدولة "إسكانًا اجتماعيًا"، ثم تتركه فارغًا لعقود؟ هذا السؤال بقي معلقًا حتى خلقت يناير واقعًا مغايرًا.
لم يكن اقتحام الوحدات اندفاعًا عشوائيًا بل قرار جماعي واعٍ ناقشته الأسر فيما بينها
عقب 28 يناير 2011، بينما الأنظار مشدودة إلى الميادين، حدث تحوّلٌ صامتٌ في جغرافيا المدينة المنسية؛ فمع الانكفاء الأمني والإداري غير مسبوق، وجدت أسر عديدة نفسها أمام خيار وجودي عملي، بعد أن طُرد كثيرون منهم من مساكن هشّة أو علقوا لسنوات في غرف مؤقتة تحولت إلى إقامة دائمة بلا أفق، في هذا السياق بدت عمارات "النهضة" الخاوية إجابة ملموسة على سؤال السكن.
لم يكن اقتحام هذه الوحدات اندفاعًا عشوائيًا، بل قرار جماعي واعٍ ناقشته الأسر فيما بينها: ألم تبنِ بالمال العام وتصنّفتها الدولة سكنًا "اجتماعيًّا" ثم تخلّت عمليًا عن مستحقيها؟ تحوّل الغضب الذي هزّ الميادين إلى فعل مادي مباشر، ليس شعارًا عن الكرامة أو خطابًا عن العدالة، لكنه باب يُفتح لأطفال بلا غرفة، سقف يحمي من المطر. حوّل الناس الفراغ الإداري من مفهوم بيروقراطي مجرّد إلى دورة مياه، وكهرباء، وعلاقات جيرة مرتبكة في الممرات.
هنا لا ينبغي الاكتفاء بتوصيف يناير باعتبارها حدثًا سياسيًّا، إنما يجب فهم المدينة كسياق متحرك تتقاطع فيه الفعل الشعبي والفراغ والسياسات العمرانية المتراكمة في محاولة لمعرفة معنى أن تكون المدينة متروكةً، وأن يحتل الفقراء وحدات الدولة التي بُنيت لهم ولم تُسكّن، بالتالي يمكن قراءة هذه اللحظة استجابةً جماعيةً لمجموعة تراكمات عمرانية واجتماعية وسياسية، كما وثقتها دراستي الميدانية.
لماذا "احتلال" وليس "تعدّيًا"؟
لا يمكن فهم ما حدث في مساكن النهضة بوصفه تعديًا جنائيًّا على أملاك الدولة إنما هو احتلال. "التعدي" توصيف قانوني ضيق يعزل الفعل عن سياقه الاجتماعي والسياسي، ويحوّله إلى انحراف فردي بدلًا من قراءته كظاهرة جماعية نتجت عن بنية إسكانية مختلة. أما استخدام مصطلح "الاحتلال" فهو ليس تبريرًا أخلاقيًا للفعل، ولا دعوة لتكراره في لحظة تاريخية مختلفة وتكلفتها أعلى، بل محاولة لضبط اللغة على واقع مادي محدد؛ وحدات بُنيت من المال العام، تُركت فارغة لعقود، وأسر مُستبعدة بنيويًا من منظومة التسكين.
لم يحتل الفقراء بيوتًا ليست لهم بل دخلوا بيوتًا صُنّفت رسميًا إسكانًا اجتماعيًّا ثم تُركت بلا سكان
السكن هنا بالإضافة إلى كونه مطلبًا اجتماعيًا مجردًا، هو موقع صراع على الملكية، وعلى الفراغ، وعلى الحق في السكن والمدينة. الدولة بنت هذه الوحدات، وصنّفتها إسكانًا "اجتماعيًّا"، ثم عطّلت استخدامها فعليًا، في الوقت نفسه الذي كانت فيه الفئات المفترضة لهذا السكن تُقصى إداريًا واقتصاديًا من منظومة الاستحقاق.
في البحث الميداني الذي أنجزتُه في إطار رسالة الماجستير في العمران المتكامل والتصميم المستدام من جامعة شتوتجارت، وثقت 21 حالة احتلال إسكان اجتماعي وقعت خلال فترة قصيرة بين عامي 2011 و2012، في عشر محافظات، معظمها في القاهرة الكبرى، وكلها بشكل حصري لوحدات بنتها الدولة وتُركت خالية لسنوات. هذا التركز الزمني والمكاني يحوّل الفعل من واقعة معزولة إلى ظاهرة اجتماعية مرتبطة بلحظة سياسية محددة وبسياسات إسكان مختلة.
لم يحتل الفقراء بيوتًا ليست لهم، بل دخلوا بيوتًا صُنّفت رسميًا إسكانًا اجتماعيًّا، ثم تُركت بلا سكان في مدينة تعاني أصلًا من أزمة سياسات سكن هيكلية. هذا التناقض هو ما يجعل توصيف الفعل تعدٍّ توصيفًا قاصرًا، ويحوّل الاحتلال إلى مساءلة مباشرة لسياسات الإسكان نفسها.
كيف صُنعت "المحتلّة"؟
ما حدث في مساكن النهضة حل اضطراري وواعٍ لأزمة سكن مزمنة انفجرت في لحظة سياسية استثنائية وليس اقتحامًا عشوائيًا أو فعلًا لحظيًا من فوضى اجتماعية مزعومة. أغلب من دخلوا هذه العمارات كانوا عمالةً هشةً بلا عقود ولا دخل ثابت؛ سائقو ميكروباص، عمال تشطيبات، باعة جائلون، ممرضات يعملن لحسابهن، وعمال مصانع العبور وسوقها، إلى جانب نسبة ملحوظة من أسر تعولها نساء بعد طلاق أو سجن أو وفاة. لم يكونوا ناشطين ولا حتى "بلطجية"، رغم دور العنف الملموس بالضرورة.
كثيرون منهم عاشوا بعقود استضافة غير مستقرة أو في بيوت أقارب أو معارف، وطُردوا جماعيًا بعد يناير مع أول اهتزاز اقتصادي وأمني.
لم تخلق لحظةُ يناير الحاجةَ إلى السكن، لكنها كسرت الحاجز الذي يمنع الناس من لمس ما يعرفونه منذ سنوات؛ عمارات إسكان اجتماعي مغلقة على بُعد أمتار، بينما يتكدسون في غرف مشتركة أو يطردون إلى الشارع. في ظل اختفاء الشرطة وانهيار السيطرة الإدارية على أطراف المدينة تحوّل الفراغ العمراني إلى خيار واقعي لا رمزي.
لم يجدوا بيوتًا جاهزةً للحياة، إنما هياكل مسروقة الأبواب والحمّامات، بلا كهرباء ولا مياه ولا صرف صحي، وأول ما فعلوه قبل أن يُثبتوا الملكية، ثبّتوا البقاء، جمعوا خمسين جنيهًا من كل شقة لتوصيل لمبة واحدة، ثم تعاونوا لتوصيل المياه والصرف والكهرباء بشكل بدائي. هذا التعاون مثّل أول أشكال الجماعة الاجتماعية التي تشكّلت هناك، قبل أي لغة عن الحقوق أو الثورة.
الأهم أن الناس لم تتعامل مع ما فعلوه بوصفه جريمةً. كانوا واعين أنهم يدخلون وحداتٍ مملوكةً للدولة لا ملكًا خاصًا، وبنبرة واحدة تقريبًا وصفوا فعلهم تصحيحًا لاختلال واضح.
من هنا، مثّل الاحتلال استجابةً للفقر وتحديًا صامتًا لمنطق دولة تنتج السكن كسلعة، ثم تعاقب من يستخدمه كحق في الوقت نفسه. هنا صار الغضب فراغًا صالحًا للسكن، وبات السكن فعلًا سياسيًا دون رفع شعار واحد.
السكن مخزنًا للقيمة
أنتجت سياسات الإسكان التي تراكمت عبر عقودٍ سكنًا في صورة سلعة إدارية، وهو ما خلق الفراغ الممتد في أجزاء من "النهضة"، والذي لم يكن مجرد خطأ تخطيطي أو خلل تنفيذي.
الفرق في جوهر ما حدث. السلعة الإدارية تُختزل إلى وحدةٍ قابلةٍ للترقيم والتوزيع، قيمتها تُقاس بمدى خضوعها للإجراءات وملفاتها، لا بقدرتها على احتضان الحياة اليومية. كانت الوحدة السكنية تُصنع ماديًا، لكنها تظل "غير صالحة للسكن" في عرف النظام، إلا إذا دخلت دورة مغلقة من العائد والتحكم والولاء. الوحدة كانت جاهزة للعيش، لكنها غير جاهزة للدخول في منطق الدولة.
التخطيط في هذا السياق تحوّل من أداة تنظيم إلى أداة "تعليق". حين يُفصل زمن البناء، الطويل أصلًا، عن زمن السكن وحاجته الملحة، يصبح المشروع جسدًا مكتملًا وناقصًا في آن، جدران قائمة وفراغ اجتماعي. يتحول إلى أداة لتأجيل الحياة، لا لتنظيمها. وكلما طالت مدة هذا التعليق الإداري، يتراكم الإهمال المادي ويتحول الفراغ من حالة مؤقتة إلى بنية دائمة. لم يكن الفراغ الفعلي؛ غياب السكان، هو المشكلة الوحيدة، بل كان "الفراغ الإداري" الآلية الحقيقية: قرار مقنع بغياب القرار، يبرر بإجراءات تقنية لكنه ينتج في جوهره علاقات قوة، ويعيد تعريف من يحق له السكن ومتى.
لم يكن الفعل موجهًا ضد الدولة بل "ضد الفراغ نفسه" ضد عنف وجود وحدات مغلقة بينما العائلات بلا سقف
هذا المنطق هو ما أنتج الانفصام داخل الحي نفسه؛ جنوب مستقر وتم تسكينه بالفعل، دخل دورة الحياة والخدمات، وشمال معلق بين البناء والتوزيع. تحول المحور الرئيسي من شارع موصل إلى "حد اجتماعي" يفصل بين فضاء مُستخدم وآخر متروك. الفراغ هنا لم يكن خللًا، بل أصبح أداة سياسية، وسيلة للضبط غير المباشر، وتأجيل الحق، وحيزًا مفتوحًا لإعادة التوزيع المشروط في المستقبل.
لكن، حين يطول أمد الفراغ، تهتز شرعيته الأخلاقية أمام الحاجة الملحّة. يصبح وجودُ الوحدة بلا ساكن أكثر عنفًا من اقتحامها، حتى لو كان خارج الإطار الرسمي. لهذا، لم يكن "الاحتلال" اللاحق مجرد كسر للقانون، بل كان كشفًا عن منطق قانوني أنتج وحدات بلا حياة، ومنع استخدامها باسم حماية النظام، والإجراءات.
كان تصحيحًا عنيفًا، وليد المجتمع نفسه، لمسار مُعلق طويل. لقد قال المجتمع، بفعله المباشر، إن التخطيط حين ينفصل عن الحق في الحياة اليومية، ينتج فراغًا لا يملؤوه إلا الفعل الاجتماعي. الفراغ لم يكن صدفةً عمرانيةً، بل كان النتيجة الحتمية لمنطق يرى في السكن مخزنًا للقيمة والتحكم، قبل أن يراه بيتًا للحياة.
لحظة يناير: حين تعطّل المنطق
لحظة يناير 2011 لم تكن مجرد تغيير سياسي عابر؛ كانت اختراقًا عميقًا للواقع المادي اليومي. في أحياء مثل "النهضة"، تعطلت الآليات التي كانت تحكم الفضاء لسنوات، اختفى الأمن أولًا، ثم تضعضعت الإدارة، فتحولت المنطقة إلى حيز هش، مفتوح لإعادة التفسير.
تعطل، ولو مؤقتًا، منطقان مترابطان: "منطق السوق" الذي حوّل الوحدات إلى أصول تُتداول في ظل عقود هشة، و"منطق السيطرة" الذي كان يحمي هذا النظام عبر الأمن والرقابة. لم تنسحب الدولة كليًا، لكن أدواتها المباشرة فقدت فاعليتها، فظهرت ثغرة تاريخية. لم يرها الفقراء الذين اندفعوا لشغل الوحدات المتروكة على أنها "إسقاط للملكية"، بل "تعليق مؤقت" لها، فرصة محسوبة المخاطرة للحصول على مأوى آمن أخيرًا، ثم التفاوض على تقنينها، وسط وعي بأن النافذة قد لا تبقى مفتوحة طويلًا.
الفعل لم يكن فرديًا عشوائيًا. رغم اندفاعه في ظل فراغ أمني واضح، فإنه اتخذ شكلًا جماعيًا شبه منظم، توزعت العائلات والأسر، خصوصًا تلك القادمة من مساكن مكتظة أو مهددة، عبر الوحدات وفق أنماط جغرافية عفوية، مدفوعة بشبكات الجوار والقرابة. لم يكن الفعل موجهًا ضد الدولة كفكرة سياسية، بل وُجه "ضد الفراغ نفسه"، ضد عنف وجود وحدات مغلقة بينما العائلات بلا سقف. هذا ما جعله فعلًا "واضحًا ومباشرًا"، مكشوفًا، لأنه يحاجج بحاجة مادية لا يمكن إنكارها.
بهذا يكمن خطر الفعل، هو ليس احتجاجًا صوتيًا في الميدان يمكن تفريقه، بل تغيير مادي دائم يصعب عكسه. لقد هدد فكرة "الملكية المنظمة" من خلال الممارسة العملية، دون أن يرفع شعارًا واحدًا. حوّل سؤال "من يملك الشقة؟"، وهو سؤال قانوني مجرد إلى آخر ملموس وعاجل: "من يحتاجها؟". في تلك اللحظة، انتقلت الشرعية من نص القانون إلى ميزان القوة والحاجة على الأرض، معلنةً أن حق السكن، حين يُنظم ليُمنع، قد يفرض نفسه بمنطق آخر، منطق الحياة نفسها.
لماذا تُرك الفعلُ وحيدًا؟
بينما كانت الخطابات الكبرى تُلقى في الميادين، كان فعل آخر يجري في أحياء مثل "النهضة"، أناسٌ يحوّلون الفراغ الإداري إلى واقع سكني. هذا الفصل بين السياسي والمعيشي لم يكن صدفة، إنما نتج عن بنية صراع طويلة تركز على السلطة المركزية وتتجاهل المدينة كساحة صراع مادي يومي.
عندما اندلعت الموجة الثورية، تحول الصراع إلى سباق مع الزمن حول عناوين كبرى: الانتخابات، الدستور، العنف السياسي. في هذا الزخم، ظلت أفعال مثل احتلال السكن، رغم جذرها الاجتماعي العميق، خارج الإطار المفاهيمي السائد: في أفضل الأحوال هي مجرد مطلب معيشي، وليس مجالًا للصراع البنيوي.
حين اقتحم الناس بيوت الدولة لم تجد الثورة من يمثّل هذا الفعل سياسيًا
حتى المحاولات النادرة للتواصل، كحملة أحياء بالاسم فقط، تم وأدها سريعًا. ليفقد الحراك فرصة بناء جسر بين الحاجة الماسة على الأرض والتمثيل السياسي. عجزت التنظيمات عن الفهم فحسب، وعادى السياق أي محاولة لتنظيم هذا الفعل المادي العفوي.
هكذا، بينما كان الناس يعيدون تعريف "الشرعية" عمليًا من خلال شغل الفراغ، بقي الخطاب السياسي يدور في فلك مفاهيم مجردة. فحين اقتحم الناس بيوت الدولة، لم تجد الثورة من يمثّل هذا الفعل سياسيًا.
النتيجة كانت انقسامًا مأساويًا: ثورة في الشارع بلا أدوات لتمثيل الحاجات المادية، وفاعلون على الأرض بلا إطار تنظيمي يحمي مكتسباتهم. هذا الغياب لم يُضعف الفعل الاجتماعي في لحظته فحسب، إنما جعله أكثر عرضة للاستعادة لاحقًا. كان درسًا قاسيًا، التحرر السياسي يظل ناقصًا إذا لم يمسّ أسس الحياة المادية للناس.
خاتمة مفتوحة: السكن ثورة مؤجلة
ما حدث في "المحتلة" كان أعمق من الاحتجاج، كان لحظة كشف قاسية عن أزمة حقيقية: أزمة المدينة نفسها. لقد كشفت البيوت الفارغة عن تناقض جوهري، دولة تبني بيوتًا لتتركها فارغة، وشعب يبحث عن سقف في أرض الخرائط والأوراق. كان اقتحام الوحدات الفراغة في "المحتلة" وغيرها إجابة مادية على سؤال لم تُجب عليه السياسات: لمن تُبنى المدينة؟
اليوم، بعد 15 عامًا، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا، والصراع أكثر وضوحًا. لم تتغير البنية الأساسية التي أنتجت الفراغ؛ بل تعمقت. تحولت الدولة إلى مطور عقاري يرى في الأرض فرصةً للقيمة لا للحياة، ويُدار السكن كجزء من سوق المضاربة، حيث تُباع الوحدات على الورق قبل أن تُبنى، ويُعاد إنتاج الإقصاء بأدوات أكثر عنفًا. المدينة نفسها، بشوارعها ومساحاتها، أصبحت تمثيلًا ماديًا لهزيمة الحق في السكن، وانحيازًا صارخًا لمنطق يعامل الفقراء عبئًا، لا مواطنين.
ما لم يتغير هو جوهر الصراع، من يملك الحق في تشكيل الفضاء، ومن تُنتج المدينة لخدمته. ما تغير هو أن "الثورة المؤجلة"، ثورة الحق في السكن والمدينة العادلة، تفاقمت شروطها، وأصبحت أكثر إلحاحًا. إنها ثورة مؤجلة، لأنها فعل ضروري لم يكتمل، لأن حاجات الملايين المادية لا تنتظر إلى الأبد.
فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن ليس عما حدث، بل عما سنفعله بهذا الفهم. هل سنستمر في الاتجاه نفسه، حيث تُقاس المدينة بالمتر المربع وسعر البيع، أم سنبدأ في التفكير بطريقة أخرى، حيث تُقاس بقدرتها على احتضان الحياة الكريمة للجميع؟
(*) الأسماء المستخدمة مستعارة للحفاظ على أمان أصحابها

