كيف يغيّر الإكراه على الأبوّة حياة الرجال
قبل ثلاث سنوات في محافظة سوهاج، نشب خلاف حاد بين محمد بخيت صاحب الـ 38 عامًا وزوجته، غادرت على إثره منزل الزوجية لشهور. وبينما كانت الأمور تتجه نحو الطلاق، تدخل وسطاء من العائلتين لتقريب وجهات النظر، وبالفعل عادت الزوجة للمنزل بعد صلح بدا وكأنه طي لصفحة الماضي، خاصة مع اتفاق واضح بين الزوجين على تأجيل فكرة الإنجاب مؤقتًا حتى تستقر أوضاعهما المعيشية.
لكن بمجرد استقرارها في البيت مجددًا حملت الزوجة. يقول محمد الذي يعمل مُدرسًا لـ المنصة "مراتي قالت لي حملت على الوسيلة، بس أنا كنت متأكد إنها قاصدة، عشان تربطني بعيل وتصعَّب الانفصال". رغم الصدمة تقبل الأمر واستكمل حياته "الطفلة ملهاش ذنب".
نقض العهد
ما فعلته زوجة محمد يتقاطع مع ما عرضه مسلسل كارثة طبيعية الذي استعرض هذه الأزمة في إطار من الكوميديا، ليظهر أن صدمة الرجل لا تتوقف عند فكرة الأبوة في حد ذاتها، بل في ثقل المسؤوليات التي أُلقيت على عاتقه فجأة. فتحت الدراما الباب أمام تساؤلات شائكة عن مفهوم الشراكة داخل مؤسسة الزواج؛ فيكون الإنجاب هنا اختبارًا لمدى احترام حدود الفردية وبناء الثقة، حين تصبح رغبة طرف واحد كافية لإلغاء خطط الآخر وفرض واقع جديد لا يملك منه فكاكًا.
وتوضح فريال أحمد، المعالجة النفسية المتخصصة في علم النفس الإكلينيكي، أن مفاهيم الشراكة والاتفاق والثقة في قرار الإنجاب، ليست راسخة بالقدر الكافي في مختلف الطبقات الاجتماعية في مصر، وهو ما يجعل مثل هذه الاتفاقات هشة أمام الضغط الاجتماعي الذي يرى في الإنجاب رزقًا لا ينبغي معارضته.
ضغط المجتمع
لأسباب مثل الخوف من الطلاق، أو استخدام العنف وهو أمر متكرر، تتحايل نساء بالزعم أن الحمل وقع مصادفة. في هذه المساحة الرمادية، تأتي الكذبة لتجنّب الأسوأ.
لم تستمع بسنت السيد(*) 35 عامًا، لنصيحة قريباتها "وقفي البرشام وقوليله حملت عليه"، انطلاقًا من قناعتها أن مسؤولية العناية بطفل ليست بالأمر الهين، ولا يمكن أن تحمّلها لزوجها دون موافقته "كمان أنا ما أقبلش إن حد يجبرني أخلف تاني وأنا مش مستعدة" تقول لـ المنصة.
تؤكد بسنت، وهي موظفة حكومية من الدقهلية، أنها لم تكن الأولى التي تتلقى هذه النصيحة بين نساء قريتها، "من صغري بسمع في قعدات الستات نصايح: بطلي الحبوب وقوليله حملت عليها، شدي اللولب والدكتور يقوله وقع لوحده".
تزوجت بسنت قبل 11 سنة "عندي بنتين وجوزي مكتفي بيهم ومش عايز خلفة تاني، وبينصحوني أحمل تاني عشان أجيب الولد". تسخر بسنت من الفكرة التي تصفها بـ"المرعبة"، وتعلق أنها لم تعرف ردود فعل هؤلاء الأزواج "بس في الغالب بيشربوها".
ما يعزز قدرة النساء على التحكم في هذه المسألة، أن عبء استخدام وسائل منع الحمل يقع على عاتقهن؛ إذ لا يستخدم الواقي الذكري إلا 8% من الرجال، ويخضع 2% منهم لعمليات قطع القناة الدافقة.
في دائرة العنف
في الفيلم الكلاسيكي الشهير الحفيد (1975)، تنصح الأم/كريمة مختار ابنتها/ميرفت أمين أن تترك حبوب منع الحمل دون علم زوجها/نور الشريف الذي اتفقت معه على تناولها لتأجيل الإنجاب. تستجيب الزوجة الشابة لـ"زن" أمها وتحمل، لينشب الخلاف.
يتصالح الزوجان في النهاية السعيدة للفيلم، لكن هذا التصالح السينمائي لا يعكس ما يحدث في الواقع، تقول بسنت "الست تخاف تقول إنها حملت عن قصد أحسن تتطلق أو يبقى مصيرها القتل".
هذا النمط من الإخفاء لا يحدث في فراغ، بل داخل علاقات يشوبها الخوف من الانفصال أو العنف أو فقدان الاستقرار، وتشير دراسات حديثة إلى ارتباط بين الحمل غير المقصود وزيادة احتمالات التعرّض للعنف الأسري.
ففي دراسة نشرتها مجلة Sexual & Reproductive Healthcare عام 2025، أبلغت النساء اللاتي حملن دون قصد عن معدلات أعلى من العنف العاطفي والجسدي مقارنة بمن كان حملهن بموافقة الزوج. كما كشفت دراسة منشورة في BMC Psychology عام 2024 أن نحو 40% من النساء اللواتي حملن دون تخطيط تعرضن لشكل أو أكثر من العنف الجسدي أو الجنسي أو العاطفي خلال الحمل، مقارنة بحوالي 19% فقط بين اللاتي حملن بشكل مقصود.
وفي مصر، أعلنت حملة "أوقفوا القهر" أن 30% من حالات العنف الأسري ضد المرأة ترتبط بالحمل غير المرغوب فيه، شملت أشكالًا من الإيذاء البدني والضغوط النفسية المرتبطة بإجبار النساء على الحمل أو الاستمرار فيه أو الإجهاض.
يقول الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي إن الحمل دون موافقة الزوج يهز الثقة ويهدد استقرار العلاقة، موضحًا أن ردود الفعل تختلف، فالشخصيات النرجسية أو التشككية، قد تنظر إلى الأمر باعتباره خيانة أو تهديدًا مباشرًا للكرامة والرجولة.
ولا تتوقف آثار قرار الحمل المفاجئ عند حدود الخلاف بين الزوجين، بل تمتد إلى ما هو أبعد من لحظة اتخاذ القرار لتطال شكل الأبوة والعلاقة التي ستتكوّن لاحقًا بين الرجل وأطفاله، والتي قد تبدأ مثقلة بمشاعر لم يُتح لها وقت كافٍ للتشكّل أو القبول.
"حسيت نفسي مغفل" يصف محمد شعوره عند علمه بحمل زوجته، التي اعترفت لاحقًا في جلسة ودودة بينهما أنها فعلتها قصدًا خوفًا من أن يتركها، ورغم حبه الشديد لصغيرته؛ لم ينسَ الثقل الذي شعر به عند علمه بالحمل، وعند ولادة الطفلة. "مكنتش مجهز نفسي، ولا حاسب حسبة عيل"، وهو لا يعني العبء المادي فقط، لكن أيضًا المسؤولية والعبء النفسي والجسدي المترتب على وجود رضيع في المنزل. "ممكن المسؤوليات تكون هي هي، بس لما بتبقى مقرر بتقدر تتحمل، وبتقبل التعب أكتر 100 مرة من لو الحاجة جات غصب عنك".
هذه المشاعر تعكس نمطًا ترصده الأبحاث الحديثة. دراسة منشورة على ScienceDirect ربطت اكتئاب الآباء بالحمل غير المخطط له خلال السنوات الثلاث الأولى بعد الولادة، في دلالة على تأثير عدم التخطيط على الصحة النفسية للرجل خلال سنوات الطفل الأولى.
تشير فريال أحمد إلى أن تأثير الحمل المفاجئ لا يمكن اختزاله في عَرَض نفسي واحد أو مجموعة أعراض ثابتة، بل يجب فهمه بوصفه حدثًا ضاغطًا وغير متوقع.
توضح لـ المنصة "تختلف الاستجابة من شخص لآخر حسب الاستعداد النفسي والوراثي، فالرجل الذي لديه قابلية جينية للاكتئاب قد يؤدي تعرضه للضغط المفاجئ إلى دخول نوبة اكتئابية، بينما قد يمر آخرون بالتجربة نفسها دون أعراض حادة.
صدمات تشكل الأبوة
وتوضح دراسة أخرى أن صدمة الآباء الأولى قد تتحول في بعض الحالات إلى روابط قوية مع الأطفال إذا توفّر الدعم، لكنها تظل تجربة نفسية معقدة، غالبًا ما تُهمل مقارنة بتجربة الأمومة.
يؤكد ذلك الدكتور جمال فرويز، قائلًا إن الرجال أيضًا يتعرضون لاكتئاب الحمل وما بعد الولادة، سواء نتيجة ثقل المسؤولية أو الخوف منها. ويشير إلى أن الشخصيات العصابية التوترية هي الأكثر عرضة لذلك.
ويضيف لـ المنصة "رجل واحد من كل سبعة يصاب بأعراض اكتئاب خلال فترة حمل زوجته، مصحوبة باضطرابات في النوم والطعام، وانشغال دائم بتكاليف الحمل والولادة والإنفاق على الطفل، وقد يستمر الاكتئاب حتى الشهور الأولى بعد الولادة تحت وطأة الضغوط المادية وتغير شكل الحياة وتأثير وجود الطفل على العلاقة الزوجية".
تشير دراسة منشورة في Guttmacher Institute وقواعد بيانات NIH/PubMed Central، إلى أن مقصودية الحمل لدى الأب تلعب دورًا حاسمًا في شكل الأبوة، فعدم رغبة الرجل في الحمل يرتبط بانخفاض مشاركته في رعاية الطفل، وضعف التفاعل اليومي والدعم العاطفي.
يقول المنسق العام لمبادرة العالم يحتاج إلى أب جو خياط لـ المنصة إن رد فعل الرجل تجاه الحمل غير المرغوب فيه يختلف باختلاف البيئة والثقافة؛ ففي بعض المجتمعات يُنظر إليه ككسر للثقة وتهديد للكرامة، بينما تسمح السياقات الأكثر نضجًا بفهم أوسع للدوافع، ما ينعكس لاحقًا على علاقة الأب بالطفل، التي قد تبدأ بالابتعاد لكنها غالبًا ما تتشكل مع مرور الوقت.
فيما تشدد فريال على أن الإنجاب قرار مشترك بالضرورة، ولا يملك أي من الطرفين الانفراد به؛ "المعيار الأول لأي قرار إنجاب يجب أن يكون موافقة الطرفين، باعتبار أن كليهما شريكان في المسؤولية والتبعات، وليس الحمل شأنًا فرديًا لطرف دون الآخر".
بين اتفاقات تُكسر وقرارات تُتخذ بدافع الخوف أو النجاة أو السيطرة، يولد أطفال داخل قصص لم يختاروها. يكبر بعضهم في بيوت تحاول التماسك، وآخرون وسط صمت أو انسحاب أو توتر مكتوم. لكن يبقى السؤال بعيدًا عن لوم هذا الطرف أو ذاك: كيف يتشكّل وعي طفل يشعر، حتى دون أن يُقال له، أنه لم يكن مُرحبًا به عندما جاء؟
يقول محمد إنه يحب طفلته، لكنه لا ينسى شعوره في اللحظة الأولى التي علم فيها بدخولها عالمه. يصمت قليلًا، قبل أن يضيف "مش بكرهها طبعًا، بس مكنتش جاهز أبقى أب".
(*) اسم مستعار بناء على طلب المصدر.


