تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
العالم المصري عباس الجمل الفائز بجائزة نابغة العرب 2025 فرع الهندسة والتكنولوجيا

رحلة نبوغ.. عباس الجمل مهندس التصوير الرقمي الحديث

منشور الاثنين 2 شباط/فبراير 2026

في زاوية صغيرة داخل شقة والديه بالقاهرة، جلس طفل في السنوات الأولى من عمره خلال خمسينيات القرن الماضي، على الأرض، محاطًا ببقايا مواتير قديمة وأجهزة لاسلكية متفرقة قديمة. كان الطفل فضوليًا لا يكف عن تفحص الدوائر الإلكترونية، ومحاولة فهم وظيفة كل سلك وزر.

هذا الطفل كبر ليصبح عباس الجمل، أحد أبرز علماء الإلكترونيات ونظرية المعلومات في العالم، ويحسب له الفضل في تغيير الطريقة التي نلتقط بها الصور ونتبادل البيانات حول العالم.

من القاهرة إلى كاليفورنيا

يقول الجمل لـ المنصة "بعد حصولي على درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف في الهندسة الكهربائية من جامعة القاهرة عام 1972، نلت منحة من نادي الروتاري للانتقال إلى الولايات المتحدة، حيث التحقت بجامعة ستانفورد لدراسة الماجستير، وكانت تجربة جديدة كليًا، واحتضنتني.

ورشة خاصة للاحتفاء بإسهامات البروفيسور عباس الجمل، 20 يونيو/حزيران 2025

"في تلك الفترة، أُتيحت لي فرصة العودة لتولي منصب أستاذ مساعد متفرغ في الهندسة الكهربائية بجامعة القاهرة بمصر لكنني اخترت البقاء في الولايات المتحدة لمتابعة شغفي بالإلكترونيات ونظم المعلومات، حيث كانت الفرص العلمية أكثر توفّرًا والتحديات أكثر إثارة"، يقول عباس.

نال الجمل درجة الدكتوراه في الهندسة الكهربائية تحت إشراف عالم نظرية المعلومات الشهير الراحل Thomas Cover، مكتسبًا أساسًا نظريًا متينًا أصبح لاحقًا قاعدة لكل إنجازاته البحثية والتطبيقية في مجالات الدوائر الإلكترونية ونظرية المعلومات.

يضيف "بعد حصولي على الدكتوراه، بدأت عملي أستاذًا مساعدًا في جامعة جنوب كاليفورنيا USC، حيث شرعت في العمل على الدوائر المتكاملة واسعة النطاق جدًا "VLSI"، وكان الناس يصممون الشرائح يدويًا بشكل غير قابل للتوسع ومليئ بالأخطاء في ذلك الوقت، فأردت أن أجد طريقة لجعل التصميم أكثر دقة وكفاءة".

اعتراف بالخطأ

يقول لـ المنصة "في عام 1983، دُعيت للعمل مستشارًا لدى شركة LSI Logic، حيث كان عليّ الاختيار بين الحصول على المال مقابل العمل أو الحصول على أسهم، ولم أكن أعرف معنى الأسهم آنذاك، لذلك فضّلت المال.

وشركة LSI Logic كانت تُصمّم أشباه الموصّلات والبرمجيات التي تُسرّع التخزين والشبكات في مراكز البيانات وشبكات الهاتف المحمول والحوسبة الشخصية، قبل أن تستحوذ عليها شركة Avago Technologies في عام 2014.

ويتخطى سهم Avago حاليًا 320 دولارًا، ولذا يبدو البروفيسور غير سعيد باختياره "هذا خطأ مكلف علمني درسًا قيمًا عن عالم الشركات الناشئة والتكنولوجيا، ولاحقًا أسست مجموعة البحث والتطوير لديهم في الشركة، وتحولت فيما بعد إلى قسم المنتجات الاستهلاكية، وحققت إيرادات كبيرة للشركة".

وتابع "ثم جاء دور شركة Actel، حيث ساهمت في تأسيس الشركة وكنت جزءًا من تطوير مصفوفات البوابات القابلة للبرمجة (FPGAs)، وهو نوع من الدوائر المتكاملة يمكن تخصيصه كهربائيًا بعد تصنيعه".

وتأسست شركة Actel عام 1985 وتخصصت في تصنيع شرائح "FPGAs" الإلكترونية، قبل أن تستحوذ عليها شركة Microsemi في 2010 ثم استحوذت على الأخيرة شركة Microchip ما جعلها جزءًا من هذه الشركات الأكبر في مجال أشباه الموصّلات.

ويضيف "قضيت عامًا ونصف هناك قبل العودة إلى ستانفورد، مع الاحتفاظ بدور كبير العلماء في الشركة، وهو ما مكنني من الجمع بين الجانبين الأكاديمي والتطبيقي".

ونشر العالم المصري أكثر من 230 ورقة علمية محكمة، وحاز على 35 براءة اختراع في مجالات شبكات المعلومات والدوائر الإلكترونية وأجهزة التصوير الرقمي، كما شارك في تأليف كتابه المرجعي Network Information Theory، الصادر عن Cambridge Press عام 2011، والذي يُعتبر مرجعًا عالميًا في هذا التخصص، مع يونج هان كيم الأستاذ المساعد للهندسة الكهربائية وهندسة الحاسوب بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو.

في إحدى مراحل عودته إلى ستانفورد، لم يكن الجمل يبحث عن مجال جديد بقدر ما كان يتبع سؤالًا بسيطًا بدا للبعض هامشيًا "لماذا تظل الكاميرا مجرد أداة لالتقاط الصورة، بينما تتم الحوسبة في مكان آخر؟".

قاد هذا السؤال إلى منعطف حاسم، حين جذبه أحد زملائه الباحثين إلى عالم مستشعرات الصور، وهناك بدأ الجمل يفكر في كسر القاعدة السائدة: "دمج الالتقاط والحوسبة باستخدام تقنية CMOS، العمود الفقري لصناعة المعالجات والذواكر الرقمية".

يقول الجمل لـ المنصة مستعيدًا تلك اللحظة "تساءلنا: لماذا تعمل عملية الالتقاط منفصلة عن الحوسبة؟ ولماذا لا يتم دمجهما؟".

العمل الذي بدأ سؤالًا أكاديميًا، أصبح لاحقًا الأساس الذي قامت عليه تكنولوجيا صناعة كاميرات الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر الحديثة، من خلال دمج التقاط الصور مع قدرات الحوسبة عبر شريحة CMOS image sensor التي تحوِّل الضوء إلى إشارات كهربائية للمعالجة الرقمية، وتستخدم في مجموعة واسعة من التطبيقات عالميًا، بدءًا من الهواتف الذكية والكاميرات الرقمية وصولًا إلى أنظمة المراقبة، والسيارات الذكية، والصناعة، والرعاية الصحية، ما يجعلها عنصرًا أساسيًا في التكنولوجيا اليومية.

ساهمت CMOS Image Sensor في جعل الكاميرات المدمجة في الهواتف الذكية أصغر حجمًا وأكثر كفاءة وأعلى جودة، ما أتاح للمواطن العادي فرصة التقاط صور وفيديوهات واضحة حتى في ظروف الإضاءة المنخفضة، مع ألوان أكثر حيوية وتفاصيل أدق، كما تحولت الكاميرا من مجرد جهاز تصوير احترافي قليل الاستخدام إلى أداة يومية متاحة للجميع لتوثيق لحظاتهم المختلفة.

إلى جانب تطوير تقنيات التصوير وعالم المستشعرات الذكية سعى الجمل إلى فهم تعقيدات الدماغ البشري، إذ شارك في أبحاث تهدف إلى تطوير مجاهر متناهية الصغر تراقب حركة إشارات الخلايا العصبية في الدماغ، في محاولة لفهم: متى تنشط؟ ولماذا؟ وكيف تستجيب للمحفزات؟

يعلّق الجمل على هذا المسار "لا يوجد تحدٍ أو لغز أكبر من فهم الدماغ البشري، وبالنظر إلى مدى أهميته للحياة، من المدهش أننا نعرف القليل جدًا عن كيفية عمله".

3 عقود من البحث

ويتحدث الجمل لـ المنصة عن أهم المحطات في مسيرته البحثية، وأهمها نشر كتابه Network Information Theory عام 2011 وهو ثمرة أكثر من 30 سنة من البحث. كما تضمنت مسيرته العلمية المساهمة في وإنجاز 230 بحثًا وكتابًا، ونيل 30 براءة اختراع.

في 10 ديسمبر/كانون الأول الماضي، أعلن محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الإمارات ورئيس مجلس الوزراء، فوز الجمل بجائزة نوابغ العرب 2025 فئة الهندسة والتكنولوجيا.

العالم المصري عباس الجمل أثناء إلقاء كلمته خلال حفل تسليم جوائز نوابغ العرب 2025، 16 يناير 2026

من الأهداف المعلنة للجائزة ربط العقول العربية الفذة والباحثين العرب بالحكومات والجامعات في المنطقة، لكن الجمل يقول لـ المنصة إن "من المبكر جدًا الحديث عن هذا الأمر، ولم يحدث أن تواصل معي أي شخص من مصر أو المنطقة بشأن أي تعاون، وهو أمر مفهوم".

وعن العقبات التي تحول دون استفادة الدول العربية بشكل فعّال من خبرات أبنائها العلماء في الخارج يقول "تواجه الدول العربية تحديات أكثر إلحاحًا، وفي الوقت نفسه، يركز العلماء في الخارج عمومًا على بناء مسيرتهم المهنية، ولديهم وقت محدود لتكريسه لأنشطة أخرى. علاوة على ذلك، ما لم يكن العالِم يعمل في مجال ذي صلة مباشرة بالعالم العربي، فمن غير الواضح كيف ستستفيد هذه الدول من مشاركته".

ويجيب عن السؤال الكبير: لماذا يحقق العلماء المصريون والعرب نجاحًا باهرًا في الخارج، بينما يكافحون لتحقيق تأثير مماثل داخل بلدانهم الأصلية؟

"في الواقع، لا توفر معظم دول العالم موارد كافية لدعم البحث العلمي، كما يتطلب النجاح في البحث بيئة مناسبة ودعمًا مؤسسيًا، بما في ذلك إرشاد قوي، وزملاء أكفاء، وطلاب دراسات عليا موهوبين، ومختبرات مجهزة تجهيزًا جيدًا، وبنية تحتية حاسوبية ملائمة".

رغم الجوائز العالمية، ومن بينها Shannon في العام 2012 وHamming في العام 2016 ونوابغ العرب 2025، يبقى محور اهتمامه هو التأثير الإيجابي على المجتمع والعلم والطلاب. هكذا تحوّلت رحلة عباس الجمل من لحظة طفولية في شقة صغيرة بالقاهرة إلى إرث عالمي في التكنولوجيا والابتكار والتعليم، يُحتفى به دوليًا ويستلهم منه الأجيال القادمة ويبقى أثر علمه وعمله إلى الأبد.