تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
ثمة أثمانٌ باهظةٌ نتحملها من جراء التوسع في تصدير الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة

التكلفة المرتفعة للأسعار المنخفضة| صادرات الصناعة المصرية

منشور الأحد 4 كانون الثاني/يناير 2026

في الفترةِ من 2021 إلى 2024 تضاعفتْ صادرات مصر من الأسمنت نحو أربعة أضعاف، لدرجة أننا أصبحنا نحتل المرتبة الثانية في قائمة كبار المصدرين لبعض الأنواع مثل البورتلاندي الأبيض. ترك ذلك أثرًَا مباشرًا في زيادة كبيرة بأسعار السوق المحلية في ظل توجيه غالبية الإنتاج إلى الخارج لمشروعات تتعلق بإعادة الإعمار في ليبيا وسوريا وغزة، وزيادة الطلب على المنتج المصري في أسواق مثل الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل وبعض بلدان إفريقيا جنوب الصحراء مثل كينيا. 

إضافة إلى الأثر الاقتصادي، ثمة أثمانٌ باهظةٌ نتحملها من جراء التوسع في تصدير الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة على رأسها الأثر البيئي الضخم والاستهلاك الكثيف للموارد الشحيحة، بالتوازي مع ضعف إيراداتها الدولارية.

لكن طموحات المصدّرين تلاقت مع الميل القوي نحو نقل الصناعات الملوثة من أوروبا إلى جنوب البحر المتوسط Offshoring، ما خلق بيئةً دوليةً مشجعةً لتكثيف صادرات مثل الأسمنت والأسمدة أيضًا، التي شهدت طفرة إنتاجية مماثلة في الفترة الأخيرة.

موارد دولارية محدودة

 يكشف تقرير حديث لرويترز أن الصادرات المصرية المجمعة من الأسمنت والأسمدة والكيماويات تضاعفت بين عامي 2022 و2024، محققة نموًا هائلًا بلغ 350% منذ عام 2019، وذلك بفضل الدعم الحكومي المتزايد، وعلى رأسه تثبيت ودعم أسعار الغاز الطبيعي، الذي استهدف تحفيز التوسع الصناعي السريع.

يربط التقرير بين الصعود في الإنتاج المصري وتراجع إنتاج السلع ذاتها في أوروبا، مما يسلط الضوء على اتجاه متنام لإعادة توطين قطاعات المداخن Smokestack Sectors، بعيدًا عن المواقع التي تتسم بارتفاع تكاليف الطاقة والقيود على الأنشطة الملوثة، إلى بلدان تتسم بمعايير إبلاغ متراخية نسبيًا، وفقًا لتعبير التقرير، مقارنة بأجزاء من أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا.

يرصد التقرير كذلك مؤشرات تعكس طفرة تصدير الأسمنت التي أشرنا إليها في التقديم، مثل زيادتها في 2024 ثلاثة أضعاف عن عام 2022 واحتلال مصر المرتبة 11 عالميًا من حيث حجم الإنتاج، كما يشير لتقدم مصر في صناعة أخرى كثيفة الاستهلاك للطاقة، وهي الأسمدة النيتروجينية، التي بتنا نحتل فيها المرتبة السادسة ضمن كبار المنتجين عالميًا.

المفارقة أننا إذا قسنا إسهام الأسمنت والأسمدة في صادراتنا، أي بالقيمة الدولارية وليس بالوزن وحجم الإنتاج، سنجد أنهما مجتمعتين تساهمان بـ أقل من 4% من إجمالي صادراتنا، وتجلبان أقل من 3 مليارات دولار، وهو رقم متواضع إذا ما قارناه بمصاريف خدمة الدين الأجنبي التي قاربت على 40 مليار دولار هذا العام.

هذه الصادرات تمثل أيضًا رقمًا محدودًا بين أبرز ما يتدفق علينا من النقد الأجنبي، مثل تحويلات المصريين بالخارج التي من المتوقع أن تصل هي الأخرى لنحو 40 مليار دولار هذا العام. 

وإذا استبعدنا تكلفة مدخلات الإنتاج المستوردة، وهي كبيرة كما سنوضح، لقياس صافي العملة الصعبة التي تدره صادرات هاتين الصناعتين، فإن هذا الرقم سيقل كثيرًا، وإن كانت البيانات غير متاحة لتحديده بدقة.

أثر بيئي لا محدود

بالعودة لرويترز، نقف على بيانات مهمة عن "نقاط عمياء" بيئية تخص هاتين الصناعتين، إذ تشير تقديرات التقرير إلى أن إنتاج طن واحد من الأسمنت يطلق نحو 0.8 إلى 0.9 طن من ثاني أكسيد الكربون، بينما يُطلق طن الأسمدة النيتروجينية 2.6 طن من الانبعاثات.

بناءً على ذلك فإن إنتاج مصر الضخم من السلع الصناعية يخلف آثارًا بيئية كبيرة، وكما يشير التقرير فإننا أطلقنا في عام 2023 نحو 279 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون من إنتاج الطاقة والعمليات الصناعية، وهو المعدل الأعلى بين دول شمال أفريقيا وفي الترتيب الـ25 عالميًا.

لكن الأهم من غازات الاحتباس الحراري هو التأثير المحلي المباشر والفوري على صحة المواطنين والبيئة المحلية. فوفقًا لقاعدة بيانات الأثر البيئي للصادرات والواردات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي (Exiobase3)، تكشف الأرقام عن أثر هائل تلحقه هذه الصناعات بمحيطنا الحيوي، إذ تتسبب صادرات الأسمنت من الشرق الأوسط (أغلبها من مصر) في معدلات تلوث مياه تفوق متوسط كل صادرات البلدان مرتفعة الدخل بنحو 500 ضعف لكل مليون يورو من الصادرات.

يعني هذا تدميرًا مباشرًا للنظم البيئية المحيطة بمراكز صناعة الأسمنت، والكثير منها موجود في قلب تجمعات سكنية كثيفة مثل حلوان وطرة والإسكندرية والسويس. تُولّد أيضًا صادرات الأسمدة سمومًا في المياه العذبة تزيد بمقدار 40 ضعفًا عما تنتجه صادرات دول الشمال.

القطاع الصناعي السمية البيئية للمياه العذبة (CTUe) لكل مليون يورو السمية البيئية الأرضية (kg 1,4-DCB eq.) لكل مليون يورو تدهور النظام البيئي (PAF m³·day) لكل مليون يورو سمية المياه (التحمض/الإثراء الغذائي) (PAF m³·day) لكل مليون يورو
الأسمنت 2358.103 122.579 1802.516 372334.19
المنسوجات 3584.702 138.411 1576.883 21483.76
متوسط صادرات الدول مرتفعة الدخل 229.502 15.564 92.861 742.629
 

المصدر: قاعدة بيانات EXIOBASE 3. متوسط الدول مرتفعة الدخل يعتمد على حساب المؤلف. يمكن الإطلاع على منهجية حساب متوسط تأثير صادرات الدول مرتفعة الدخل هنا: https://www.researchsquare.com/article/rs-6997348/v2

 

يشير تقرير رويترز إلى شركة هايدلبرج ماتيريالز الألمانية كدراسة حالة لهذا التحول العالمي، فالشركة التي تُعد أكبر منتج للأسمنت في ألمانيا أوقفت الإنتاج في مصنعها بمدينة هانوفر في عام 2024 بسبب ضعف المبيعات المحلية، لكنها في الوقت نفسه حدَّثت منشآتها للأسمنت في حلوان.

ورغم أن الشركة تؤكد خفض بصمتها الكربونية الإجمالية وتحديث مصنع حلوان بنظام لاستعادة الحرارة المهدرة، فإن التقرير ينوه بأن مثل هذه التحركات تفتح الباب لاتهامات بنقل العمليات عالية التلوث خارج منطقة اليورو -حيث المعايير أكثر صرامة- إلى مناطق قد تكون فيها معايير التلوث أكثر تساهلًا، بينها مصر، حيث تبرز التحولات الديناميكية في المشهد الصناعي خطرًا بيئيًا جديدًا نابعًا من الحجم المتزايد للإنتاج الصناعي، بالتزامن مع تخلص الكثير من البلدان الأخرى من تلك القطاعات.

التراتبية البيئية للعملات 

صناعة الأسمنت في مقدمة الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، حيث تمثل الطاقة نحو 30% إلى 50% من تكلفة الإنتاج، وعندما تصدر مصر الأسمنت، فهي عمليًا تصدّر غازها الطبيعي في صورة صلبة، مدعومًا بشكل مباشر من خلال دعم الطاقة للمصانع، وضمنيًا من خلال التكاليف البيئية التي لا يتحمل عبئها المستورد.

يزيد من حدة المشكلة تحول مصر في السنوات الأخيرة إلى مستورد صافٍ للغاز مما يزيد من تكلفة تثبيت السعر والدعم بطبيعة الحال، ويقلل بشكل حاد من صافي العملة الصعبة المولدة من تلك الصناعة. 

في هذا التقسيم الدولي للعمل، تختص دول المركز الرأسمالي بالصناعات التكنولوجية النظيفة والخدمات والتصميم، فضلًا عن الخدمات المالية،  بينما تختص دول الجنوب العالمي بينها مصر بالإنتاج الملوث كثيف الموارد ومنخفض القيمة.

لا يغيب هذا التناقض حتى عن مشروعات "الطاقة الخضراء"، التي تتدفق عليها الاستثمارات الأجنبية لإنشاء محطات هيدروجين أخضر وأمونيا (مكون رئيسي للأسمدة النيتروجينية) خضراء، إضافة إلى مشروعات مؤسسات التمويل الدولية لتحسين كفاءة استهلاك الطاقة في صناعة الأسمنت في مصر.

هذه المحاولات إلى جانب أنها محدودة الأثر في خفض انبعاثات الكربون، هي أيضًا تتجاهل بشكل شبه تام الانبعاثات المحلية من الغبار والجسيمات الدقيقة التي تطلقها تلك الصناعات بكثافة مسببة توابع صحية وبيئية جسيمة.

لا ينفصل هذا بأي حال من الأحوال عن الصعوبات التي تواجه الجنيه المصري في السنوات الأخيرة وتزايد أعباء الديون. فقد طورت دراسة حديثة أجراها الباحثان ماثيو صلاح من جامعة ليدز وجو أمينت من جامعة فيرمونت مفهوم التراتبية البيئية للعملات/ Ecological Currency Hierarchy، الذي يربط النظام النقدي الدولي بالتدهور البيئي.

تكشف الدراسة مدى قوة عملات "المركز"  في مقابل ضعف عملات "الأطراف"؛ ففي حين تمنح دول المركز حرية في السياسة المالية والقدرة على إدارة مواردها بشكل مستدام على حساب دول الأطراف، فإن غياب الاستقلالية النقدية لدول "الأطراف" يؤدي إلى إجبارها على الاستنزاف المادي لمواردها المحلية وتكثيف التصدير الملوث لجلب العملة الصعبة لخدمة أعباء الديون وبناء احتياطات من عملات "المركز" كسبيل وحيد للحفاظ على عملتها من المزيد من التدهور.

امتصاص موارد ضخمة لبناء تلك الاحتياطات وإعطاء أولوية لتوليد عملة صعبة بشكل سريع يمنعان تلك البلدان من تنويع اقتصاداتها والاستثمار الكافي في التخفيف من التدهور البيئي والتكيف معه.

تشير نتائج الدراسة كذلك إلى أن صادرات بلدان الأطراف تحمل 30 ضعف الموارد مقارنة بمثيلاتها في الدول ذات العملات المركزية. ويعد قطاع النسيج، وهو أيضًا قطاع تصديري آخذ في النمو، نموذجًا واضحًا لـ"التراتبية البيئية للعملات"، حيث تبيع المصانع المصرية وغيرها في الجنوب العالمي إنتاجها لعمالقة الموضة العالمية بثمن بخس، مما يمنعها من تحصيل أي قيمة مضافة حقيقية، إذ تشير التقديرات إلى أن حصة المصنع المنتج في الدول الأقل دخلًا تتراوح بين 12.5% و25% فقط من سعر البيع النهائي.

في المقابل، تستحوذ العلامات التجارية الكبرى على النسبة الأكبر من الأرباح والقيمة المضافة، التي تصل إلى 60% أو أكثر من السعر النهائي، وذلك من خلال التحكم في مراحل التصميم والعلامة التجارية والتسويق والبيع بالتجزئة.

إضافة لضعف العائد، فإن صناعة النسيج المصرية تضطر إلى تحمل التكلفة البيئية الجسيمة نيابةً عن الشركات العالمية، إذ تعد هذه الصناعة من الأكثر تلويثًا وتتسم بالاستهلاك المفرط للمياه واستخدام كميات هائلة من الأصباغ والكيماويات السامة، لنجد أن الأثر البيئي لصادرات النسيج من منطقة الشرق الأوسط يشكل نحو 20 ضعف الأثر البيئي لمتوسط صادرات بلدان الدخل الأعلى (انظر الجدول أعلاه). وبهذا، تضمن دول المركز نقل العمليات عالية التلوث خارج حدودها إلى مناطق ذات رقابة بيئية أكثر تساهلًا بدون التضحية بالأرباح ودون تحمل الأثر البيئي.

استنزاف نقدي وحفنة دولارات

التوسع الهائل في التصنيع التصديري في دول الجنوب، كما حدث في مصر بقطاعات الأسمنت والأسمدة والنسيج، لم ينجح تاريخيًا في حل أزمات العملة والميزان التجاري، كونُ عوائد هذا التصدير تظل متقزمة ومحدودة مقارنة بحجم مدفوعات الفوائد وخدمة الدين.

الأجدى بدلًا من اللهاث المدمر وراء جني موارد دولارية محدودة تقليلُ الاستنزاف الهائل من خلال التفاوض الجماعي حول الديون وإصلاح المنظومة النقدية العالمية التي تجبر الاقتصاد "الطرفي" على استنزاف موارده المادية وتكثيف تصديره الملوث لتوفير العملة الصعبة وخدمة الدائنين. 

وكما يؤكد تقرير لمؤسسة "مشروع بريتون وودز"، فإن أزمة الديون العالمية متجذرةٌ في "تراتبية العملات"، حيث تُترك الدول منخفضة الدخل تحت رحمة شروط صندوق النقد الدولي القاسية التي تقوض السيادة الاقتصادية، بالتالي وفي ضوء واقع تقزُّم عوائد الصادرات المصرية - والكثير من بلدان الجنوب العالمي - مقارنة بمدفوعات الفوائد وخدمة الدين كما أشرنا، تصبح إعادة تشكيل قواعد النظام النقدي العالمي ضرورية لمعالجة اختلالات التجارة الدولية.

إن جهود تشكيل نادي المقترضين على غرار نادي باريس للمقرضين التي تقودها مصر وزامبيا خطوة جيدة تهدف إلى تعزيز القوة التفاوضية للمدينين لتأمين شروط إعادة هيكلة عادلة، ومن ثم تخفيف قبضة الضغوط الخارجية ووكالات التصنيف الائتماني التي تدفع نحو رفع تكلفة الاقتراض للبلدان الأقل دخلًا وخفضها للبلدان الأعلى دخلًا، ممهدةً الطريق للاستنزاف العنيف لموارد البلدان الأقل دخلًا من خلال تجارة المناقلة Carry Trade التي تحقق أرباحًا خيالية من فروق سعر الفائدة.

ومع أن هذا النادي لا يمثل حلًا شاملًا، فإنه على الأقل خطوة أولى مؤسسية للتحرر من الحلقة المفرغة التي تتطلب استنزافًا مستمرًا للموارد لتعظيم ثروات الدائنين وتجار المناقلة حول العالم.