تصميم أحمد بلال، المنصة، 2026
معاناة مضاعفة يكابدها مرضى العظم الزجاجي في قطاع غزة في ظل انهيار النظام الصحي واستمرار العدوان والحصار الإسرائيلي

قابل للكسر.. من ينقذ مرضى العظم الزجاجي من صوت الانفجارات؟

لا مستشفيات ولا أدوية ولا حماية من الانفجارات والنزوح الإجباري

منشور الثلاثاء 13 كانون الثاني/يناير 2026

مع كل انفجار في غزة، يواجه محمد النجار سؤال حماية ابنه حامد ذي الـ14 عامًا؛ لا من شظايا القنبلة فقط بل حتى من دويّ صوتها والارتجاجات التي تتبعه وقد تهشّم عظام المراهق المصاب بمرض العظم الزجاجي، وتضاعف معاناته في الكارثة الإنسانية التي فرضها الاحتلال في غزة.

بعد شهر من ولادة حامد، اكتشف محمد الذي يسكن وعائلته في منطقة قيزان النجار جنوب شرق خانيونس إصابته بهذا المرض الجيني النادر المؤدي إلى هشاشة شديدة في العظام نتيجة نقص إنتاج الكولاجين في الجسم.

وبحسب الدكتور علاء عزمي، أخصائي العظام وتشوهات العمود الفقري بمستشفى القدس في منطقة تل الهوى غرب مدينة غزة، قد يصاب مرضى العظم الزجاجي بكسورٍ لأبسط الأسباب بل "وأحيانًا دون سبب واضح"، كما ذكر لـ المنصة، مضيفًا أن حدة المرض تتناقص كلما تقدَّم المصاب في العمر، حتى تقلّ الكسور عند وصوله إلى سن المراهقة.

لكنَّ وصول المصابين إلى سن الرشد بمعدلات كسور أقل يتطلب توفير أساليب وقائية ورعاية صحية مناسبة، لأن الحفاظ على قوة العظام واستقامتها خلال الطفولة مع أهميته الكبرى فهو بالغ الصعوبة، في ظل حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل لسنتين على القطاع، استهدفت فيها المستشفيات وأماكن النزوح "الآمنة" وحظرت دخول الأدوية، ليتحول القصف والهرب منه إلى معركة يومية مع الألم.

كوابيس النزوح

منذ بداية وعيه، يتذكر حامد أن أباه كان "طول الوقت ملتزم بكل تعليمات الدكتور، وعشت حياة شبه طبيعية، بس الحرب قلبت حياتي، صرنا ننزح من مكان لمكان، لأنه ما بقدر نضلّ بمكان ممكن يعرضني للخطر، خصوصًا لو اضطرّينا نهرب فجأة"، كما يقول حامد لـ المنصة.

يوضح الأب أكثر "النزوح هدّ حيلنا ماديًا وجسديًا، ابني وضعه صعب، وبخاف عليه من أي حركة مفاجئة، عظامه بتتكسر بسهولة، وما بقدر يتحرك بسرعة زي باقي الناس، ليصبح النزوح لنا ككابوس، فمع أي قرار من الجيش الإسرائيلي بإخلاء المكان كنا ننفذ الأمر، وأنا أخاف عليه كثيرًا، لذلك أحاول حمايته بأي طريقة".

طوال فترة الحرب عانى أيضًا والد حامد من صعوبة توفير الغذاء والطعام والأدوية الخاصة به، خاصة الفيتامينات التي تقوي العظام "كنت مرعوب يصير له كسر، لو انكسر بفخده، لازم رجله تتجبَّر (تتجبّس) من فوق لتحت، عشان ما يتكسَّر محل تاني، الجبيرة تقيلة، وعظامه ضعيفة، وكنت خايف عليه كل لحظة".

ورغم وقف الحرب نظريًا بتوقيع اتفاقية شرم الشيخ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي؛ لا تسمح سلطات الاحتلال بإدخال الاحتياجات الأساسية، وتسمح بالمواد الثانوية مثل المكسرات والمشروبات الغازية والشاي والقهوة، بينما تندر الأدوية واللحوم والبيض والفواكه في الأسواق، وتُباع إن وجدت بأضعاف ثمنها.

ويتذكر حامد أيامه قبل الحرب "كان فيه وفد ألماني بيزور القطاع، ووعدوني بهيكل حماية يساعدني على الحركة ويحمي عظامي، بس الحرب دمرت كل أحلامي أنا محروم من اللعب من وأنا صغير، واليوم محروم من الحياة كلها".

أجساد زجاجية تواجه الصوت والبارود

فصول أخرى من المعاناة تعيشها إيمان أبو صبحة؛ محفّظة القرآن التي تعايشت من المرض نفسه طوال 39 عامًا وإن على كرسي كهربائي متحرك. فرغم اعتمادها عليه "كانت حياتي مستقرة، بس الحرب رجّعتها لورا، ما فيه أكل مناسب ولا دوا. بيتي انقصف، والطرق كلها ركام. حتى الوصول للحمّام صار مشكلة كبيرة، أنا محبوسة البيت، حتى الكرسي انقصف لما اجتاحوا معسكر خانيونس".

تسبب المرض في إصابة إيمان بالتقزم الشديد، لذلك فهي بحاجة إلى مرحاض خاص وأدوات مساعدة. تضيف "مع كل طلب نزوح من قبل جيش الاحتلال، كنت أتعب نفسيًا وجسديًا، بحتاج مساعدة بكل إشي، وجسمي حساس جدًا، والأكل المعلّب بيضعفني، وما فيه مكان أعمل فيه رياضتي".

ناشدت إيمان الكثير من الجهات والمؤسسات لمساعدتها في استكمال علاجها خارج غزة، إذ حصلت من وزارة الصحة على تحويلة طبية منذ بداية الحرب بلا تاريخ انتهاء، ولكن أولوية السفر تتحدد حسب صعوبة الحالة لذلك فهي ما زالت تنتظر.

تقول "رجلي صارت تتآكل، وطلعت تقرحات، وبصير معي رجفة بكل جسمي، الفيتامينات شبه معدومة، وإذا لقيتها سعرها غالي جدًا، ولا يمكن توفيرها في ظل الحرب وانتشار البطالة، وحتى بعد انتهاء الحرب لم يتغير شيء".

أما الطفل أمجد شيخ العيد ذو الأعوام الثمانية، فلم يعد بإمكانه الجلوس أو ممارسة حياته بشكل طبيعي بسبب المرض نفسه. لكن نظرًا لسنّه؛ فإنه أكثر عرضة للتأثر من حامد وإيمان.

وفق أبيه أحمد؛ فإن عظام أمجد كانت تنكسر حتى من الاستهدافات القريبة خلال الحرب "أوقات ينكسر من صوت بس! والجبيرة تقيلة وتكسر أماكن ثانية، فصرنا نستخدم اللفافات الضاغطة والمسكنات، وهاي معاناة لحالها".

ويوضح لـ المنصة أن هذا لم يكن حالهم قبل الحرب "من أول يوم عرفنا إنه ابني مريض بالعظام الزجاجية، كنا نراقب كل حركة، ونوفر له أكل طيب ومكملات غذائية وأدوية". لكن بعد الحرب "كلها اختفت، وبعدها مختفية، وإذا توفر شيء منها بيكون بأضعاف أضعاف سعره".

أين العلاج؟

لا توجد أرقام محددة عن عدد مصابي العظم الزجاجي في غزة، لكن التقديرات الدولية تدور حول مصاب واحد أو اثنين بين كل 10 آلاف مولود إلى 100 ألف مولود.

ويوضح الدكتور علاء عزمي أن التعامل مع مرضى العظم الزجاجي يتطلب منظومة صحية متكاملة غير متاحة في ظل الوضع الكارثي الذي تعيشه المستشفيات في غزة نتيجة الحرب "هؤلاء المرضى يموتون بصمت، ولا تُذكر أسماؤهم في الأخبار. إنهم يموتون كل يوم أكثر من مرة، دون أن يلتفت إليهم أحد".

ويضيف أن المستشفيات التي ما تزال تعمل تفتقر إلى أبسط المقومات العلاجية، من أدوية ومواد تثبيت ووسائل تشخيص، فضلًا عن غياب الأجهزة التعويضية والعلاج الفيزيائي، وهي عناصر أساسية للتعامل مع هذا المرض "نحن لا نتحدث عن علاج متقدم، بل عن الحد الأدنى من الرعاية، لا توجد أدوية متخصصة، ولا مكملات غذائية، ولا أدوات حماية، وحتى الجبائر غير متوفرة أو تُستخدم بشكل بدائي قد يفاقم الكسر بدل علاجه".

ويشير إلى أن دويّ القصف والنزوح القسري يشكلان خطرًا مباشرًا على حياة المرضى، إذ يمكن أن يؤدي مجرد اهتزاز قوي أو حركة خاطئة إلى كسور متعددة، في وقت لا توجد فيه قدرة على التدخل الجراحي أو المتابعة الطبية، "مرضى العظم الزجاجي يحتاجون إلى بيئة هادئة ومستقرة، بينما يعيشون في أكثر بيئة عنفًا واضطرابًا في العالم".

في المساء، يعود حامد إلى فراشه المؤقت، يضع ساقه المجبّسة بحذر، وينتظر ليلًا آخر من القصف، لا يحلم بلعب كرة القدم، ولا بالدراجة، بل فقط بأن ينام دون أن ينكسر شيء في جسده. في غزة، لا يحتاج أصحاب الأجساد الزجاجية إلى معجزات، فقط إلى حياة لا تؤلمهم أكثر مما يجب.