تصميم: أحمد بلال- المنصة
الرئيس السيسي

لا يزال عند الرئيس أمل

منشور الأربعاء 2 أبريل 2025

لدى الرئيس متسع من الوقت. فموسم المسلسلات الرمضاني لن يتجدد قبل عام. وقتٌ كافٍ ليتمكَّن موظفوه من عمل قفزة في مضمون وشكل الدراما المصرية لتبلغ النوع الذي يتمناه. حتى ولو كانت قفزة أكبر في جوهرها وتأثيرها من تلك السابقة، التي حدثت بين عامي 2016 و2018 مع السيطرة على أغلب الإنتاج التليفزيوني المصري، سواء عبر شركة سينرجي، أو المتحدة لاحقًا.

دُشِّنت القفزة القديمة عام 2020 بعرض مسلسل الاختيار باعتباره "الموديل" الأمثل لما تبحث عنه السلطة للزمن الجديد؛ إفراط في الدعائية، تجنُّب للدقة التاريخية، وإهمال الجودة الفنية. المهم الدعاية، ثم الدعاية، ثم الدعاية، وأن يعلم الجميع عبر المنتج الدرامي المقدم، الذي يقتحم كل البيوت المصرية، والأعلى استهلاكًا بما لا يقارن من أي وسيط آخر، أننا في زمن الاصطفاف.

أما من يريد الإبداع، أو التفكير، فمكانه ليس هنا.

ضبط الضابط للدراما المضبوطة

قبل سنوات، حكى لي كاتب مشارك في أحد المسلسلات الشهيرة، من تلك النوعية المكتوبة عن طريق لجان/ورش يتصدرها كاتب شهير أو كاتبة ممن تحولت أسماؤهم لماركة مسجلة، أنه كان يذهب أسبوعيًا للضابط المسؤول عن المسلسل في الأمن الوطني، يترك له الحلقة الجديدة ثم يعود حين يستدعونه، ليخبره الضابط بما يجب تغييره. في أغلب الأحيان، لم يكن يخبره سبب الرفض أو مبررات التعديلات، ولا يمنحه خطًا دراميًا/أمنيًا للاهتداء به، فيغامرون بالتنفيذ، ثم العودة للمكتب نفسه مجددًا.

إن تخيَّلنا هذا المشهد، وأضفنا إليه كل ما نعرفه من تحكُّم إنتاجي وأمني ورقابي وتوزيعي مفروض على المنتجات السمع-بصرية، سنندهش بالطبع من قرار تشكيل لجنة جديدة، تضاف للكثير من اللجان والجهات الرقابية، الأمنية وغيرها، المتحكمة في نوعية المنتج المسلسلاتي ومضمونه. وكأن تحكُّم السُلطة الكامل في الإنتاج التليفزيوني لم يعد يكفي. ومع تجاهل طرافة أن السلطة لا يعجبها ما صنعته يداها، يظل سؤال لماذا لم يعد التحكُّم السابق كافيًا؟! ما المستجدات التي تفرض الاحتياج للجنة جديدة؟! فيما هو أبعد من الدفاع عن "طهارة" أغلب منتجات الموسم الرمضاني.

لا تسير علاقة الأنظمة المستبدة والفاشلة والفاسدة بأجهزة السيطرة والقمع على الخط والوتيرة نفسهما طيلة الوقت. بل ترتبط عادة بدرجة حاجتها إليها، بناءً على اللحظة والعوامل المتغيرة. تحتاج هذه الأنظمة دائمًا لأجهزة الأمن، السرية والعلنية، والجيش، للارتكان عليها لضمان أمن السلطة واستمراريتها، وهو ما لا يتغير. لكن علاقتها بأجهزة السيطرة والسيادة الأخرى، ومن بينها جهاز الإعلام والدعاية، أكثر تعقيدًا من علاقتها بالأجهزة الأمنية، لافتقادها تحديدًا لعامل العسكرة والانضباط، ولأن الظروف المتغيرة تفرض علاقات وشروطًا جديدة.

على سبيل المثال، حين تتصوَّر السلطة السياسية أن وجودها مهدَّد، وفي الوقت نفسه تتصوَّر احتمالية تصديق قطاعات واسعة من المواطنين لخطابها ودعاياتها وأكاذيبها، تجدِّد وتوثِّق هذه العلاقة. فنلاحظ وقتها غزارة وجهدًا في المنتجات الإعلامية، الدعائية وغيرها، لحاجتها إليها.

على العكس، في اللحظة التي تتيقن فيها السلطة السياسية أن المواطنين أصبحوا يكرهونها، وعلى قناعة بأنها تخرب حياتهم وتعاديهم، وأن كل ما تقوله أكاذيب، فلا جدوى من المزيد من الإنفاق على دعاية لن تقنع أحدًا. الأهم في هذه اللحظة الارتكان على الأمن، وتوجيه الإنفاق إليه، فهو الفاعل الحامي للنظام.

إنها الحالة التي استشعرها مبارك قبل يناير 2011، حين وصل لقناعة أن المواطنين لا يكرهونه وفقط، بل باتوا يكرهون الدولة كدولة، فعبَّر بتلقائية عن إهماله للإعلام بتعبيره "خليهم يتسلوا". إنها الحالة المتكررة الآن، فيما عدا أن السيد الرئيس ما زال لديه أمل في كسب قطاعات من المواطنين خلال الزمن العاصف الآتي.

من السيولة.. للتحكم.. للتغييب

مرت السلطة المصرية الحالية بمرحلتين في علاقتها بالإعلام، قبل القرار الأخير التالي لحديث الرئيس. شغلت الأولى الفترة بين عامي 2013 و2016، وصولًا لـ 2018. كان عنوانها ترك السيولة التليفزيونية كما هي، مع بعض التحكم التدريجي، ونشر الرعب من الفوضى والإخوان والدواعش، لكن من دون سيطرة مباشرة فجة؛ فالعالم يراقبنا.

ولكن منذ سيطرة سينرجي ثم المتحدة على مجمل سوق الإنتاج والتوزيع، دخلنا إلى المرحلة التالية؛ السيطرة من أجل البروباجاندا المكثفة. لم تعد هناك قوى معارضة في الداخل، ولم يعد في الخارج عالم يراقبنا، فقد تم تستيف كل الأوراق معه. أما الانتقادات العابرة لملف حقوق الإنسان، فالعالم ينساها بعد ساعات من صدورها.

إنها سينما الهروب من الواقع لصالح التسلية بمعناها الأكثر تفاهةً وخواءً.. تتسلى وتقتنع في الوقت نفسه بأنك فاشل

في لحظة الانتقال من المرحلة الأولى؛ مرحلة السيولة، للمرحلة الثانية؛ التحكم المطلق والدعاية، المتزامنة مع ترشح الرئيس لفترة رئاسة ثانية، اختارت السلطة ساندرا نشأت لتحاوره. أملًا في قدر عال من الديناميكية التقنية، والأناقة في الشكل، ومنح صورة تتسم بالتواضع وشفافية الحكم.

لكن، حين تكرست المرحلة الثانية، لم تعد هناك حاجة للأناقة، فنرى الرئيس يتصل بأحد البرامج المذاعة على الهواء، للحديث مع السيناريست عبد الرحيم كمال والإثناء على الصبغة الصوفية/الدينية/المحافظة الحاضرة في مسلسلاته، والأمر بالمزيد. وربما كان تعيين الكاتب نفسه في منصب رئيس الرقابة على المصنفات الفنية، وقبل أسابيع من الإعلان عن اللجنة الجديدة، تدشينًا للمرحلة الجديدة.

ما الداعي للمرحلة الجديدة؟! ربما يكون الجديد مفروضًا من الخارج وأدركه النظام؛ أن مصر والمنطقة دخلا فعليًا في زمن جديد سيشهد تقلبات وانفجارات كبرى. زمن جديد بدأ في السابع أكتوبر 2023، ثم الإعلان عن مشروع تهجير الفلسطينيين.

تعي السلطة أن إسرائيل والولايات المتحدة وبعض حلفائهما في المنطقة، إن تمكنوا من تفريغ غزة، ستكون الضفة الغربية هي التالية، ثم فلسطينيي الـ48، لاستكمال عملية التطهير العرقي لكامل فلسطين. مصير الفلسطينيين لا يسبب الأرق لحكام مصر أو المنطقة، لكن بعضهم يدرك أن هذا المشروع سيجلب الكثير من الانفجارات والتقلبات والعنف على المنطقة كلها، ومصر في قلبها.

يرتبط بهذا العامل السابق جانب شخصي/سلطوي؛ أن الرئيس لا يزال عنده أمل، أمل درامي، أمل مسلسلاتي، أن هناك بعض المصريين، ولو قليلون، لا يزالون يصدِّقون السلطة، ويفضِّلونها. لكن، بدلًا من كسب هؤلاء وغيرهم عبر الانفتاح والديمقراطية، ولو بمجرد إعادة السيولة، يتجهون للتغييب الكامل.

ربما يكون هذا الأمل السلطوي هشًّا، أو حتى وهمًا، لكن السلطة، ولمواجهة القادم، لا تقدِّم بديلًا إلا المزيد من الديكتاتورية، وفرْض النعاس الكامل على المواطنين، ألَّا يستيقظ أحد. ألَّا يشاهد أحد ولو هذه النوعية من المسلسلات الركيكة، التي أنتجتها الأجهزة. فرغم ركاكتها، تظل في النهاية نافذةً على جانب من الحياة الحقيقية. صحيح أنها نافذة عليها عشرات الستائر/الفلاتر، إلَّا أن المطلوب الآن إغلاقها، وألَّا تُفتح سوى على الوهم، وليس على الحياة الحقيقية.

مسلسلات التليفون الأبيض

بعد عقود "التليفون الأبيض" الدعائية، بات موسوليني يستدعى للسخرية منه في سينما "الواقعية الجديدة"

إيطاليا، زمن الثلاثينيات، وصولًا لبداية الأربعينيات: الفاشية والعنف يحكمان البلد، يدفعانه للحرب بعد أن خرباه. الجوع يصل لقطاعات واسعة من الإيطاليين، والخراب يحيط بهم. لكن في قاعات السينما يشاهد القادرون على دفع تذكرة الدخول أفلامًا نظيفة وأنيقة، بها نساء ورجال يتمتعون بالجمال والأناقة، بيوت ومكاتب جميلة، وفي كل منها تليفون أبيض نظيف ولامع، لا يوجد مثيله في أغلب بيوت الإيطاليين.

سُميت هذه الظاهرة السينمائية بـسينما التليفون الأبيض. كانت السينما التي تحتاجها الفاشية الإيطالية، سينما إنكار الواقع تمامًا، وخلق واقع افتراضي يعلَم المتفرجون أنه مختلف تمامًا عن واقعهم، وأنهم لن يعيشوه أبدًا. لكنها كانت سينما الضرورة التي تُكرِّس في نفوسهم رسالة أساسية، وبالتدريج؛ أن كل هذه الأناقة والجمال موجودان، وإن لم تتمتع أنت بهما في حياتك الحقيقية، فأنت المذنب، أنت الفاشل في خلْق واقع شخصي أفضل.

إنها سينما الهروب من الواقع لصالح التسلية بمعناها الأكثر تفاهةً وخواءً. أن تتسلى وتقتنع في الوقت نفسه بأنك فاشل. نسيان أن المجتمع يغلي وربما يصل للانفجار، أو للحرب، أو للفوضى، أو للثورة. وسينما التليفون الأبيض تطمئنك بأن كل شيء على ما يرام، وإن كانت هناك كارثة فهي كارثتك أنت، كارثة فشلك، انسها بمشاهدة سينما الطمأنة. وهي السينما نفسها التي استعارتها هوليود من إيطاليا في أزمنة متفرقة، بعد أن أسقطها في إيطاليا سينمائيون جدد أسسوا لأحد أهم التيارات في تاريخ السينما، كرد فعل على التليفون الأبيض من ضمن أشياء أخرى؛ الواقعية الجديدة.

هذا تحديدًا ما تريده السلطة المصرية، دراما رمضانية، وغير رمضانية، أنيقة، يغيب عنها بقايا الواقع الذي بدأ تغييبه بالتدريج منذ 2013. دراما بلا صراعات أو خيانات أو أزمات عميقة. بل مجتمع سعيد، لديه بعض الأزمات السطحية، التي تُحل لنصل إلى نهايات سعيدة مفتعلة.

المرير في "خلطة" حُلْم السلطة، جانبان؛ أولهما أنَّ لا أحد يصدق، أو سيصدق، هذا الواقع المزيف المُقدَّم على شاشة التليفزيون، بل وقد يدفع "المزيد من التنظيف" لمزيد من الاحتقان والغضب. وثانيهما أن السلطة ستجد كثيرًا من "الفنانين" المتحمسين لأن يقدموا لها ما تريده، سواء بالمشاركة في أي لجان، في كل اللجان، أو طاعتها والعمل بناء على المانيوال الذي ستصيغه.

ربما ما يطمئِن المتمردين، والغاضبين، ومَن لن يقبلوا العمل بناءً على هذه الشروط، وسينضمون بالتالي لصفوف البطالة، أن الباقي على رمضان المقبل أحد عشر شهرًا، ربما يحدث فيها الكثير. وأن وسائل المعرفة، والخروج من النعاس والتغييب، أصبحت أكثر بكثير، بما لا يقارن، بزمن فاشية الثلاثينيات الإيطالية، زمن التليفون الأبيض الملوث بالدم.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.