IMDB
لقطة من فيلم الإرهاب والكباب، من إخراج شريف عرفة، وبطولة عادل إمام، من إنتاج 1992

إرهاب التسعينيات على الشاشة.. غاب الصعيدي وحضر أبناء العاصمة

منشور الثلاثاء 1 أبريل 2025

عالجت الدراما والسينما تجليات ظاهرة الإرهاب في التسعينيات بالتركيز على نشأته في القاهرة، لكنَّ المثيرَ للتأمل هو غياب الصعيد عن هذه الصورة، رغم أن أكثر الجماعات تطرفًا زاد تواجدها في الصعيد، كما أن جنوب مصر لم يكن يومًا بعيدًا عن التحولات السياسية والاجتماعية التي شكلت ظاهرة إرهاب التسعينيات، نتيجة للعديد من العوامل، على رأسها سياسات الرئيس الراحل محمد أنور السادات في سبعينيات القرن الماضي.

سعى السادات إلى توسيع قاعدته الشعبية من خلال التقرب من الجماعات الإسلامية في محاولة للقضاء على اليساريين والشيوعيين. هذا التقارب سمح للجماعات المتطرفة بالتحرك بحرية، مما أسهم في تعزيز نفوذها وتطرفها بالأخص خلال الثمانينيات.

لقطة من تغطية الجزيرة لحادث الأقصر الإرهابي 1997 في معبد الكرنك، وجانب من زيارة الرئيس الراحل حسني مبارك لموقع الحادث، 30 يوليو 2017

وفي التسعينيات، بلغ الإرهاب ذروته بهجمات واسعة من الجماعات الجهادية التي انطلقت من القرى المجاورة إلى المدن، من بينها عمليات عدة وقعت في الصعيد مما ترك بالغ الأثر على سكانه.

معاناة لم تُروَ

بدأت علاقتي بإرهاب التسعينيات في مدينة ملوي مع ولادتي. وُلدت في ظروف معقدة، في ظل فرض حظر التجول على المدينة بسبب العمليات الإرهابية التي استهدفت رجال الشرطة والمسيحيين والمنشآت، مما اضطر أبي وأمي وأقاربي إلى المرور من شوارع جانبية متعددة حتى وصلوا إلى عيادة الطبيب حيث وُلدت.

وأنا طفل، كنت أرى العديد من التكثيفات الأمنية في الشوارع، وفي إحدى المرات، أثناء ذهابي إلى المدرسة برفقة أبي، أطلق رجال الشرطة النار على شخص يُحتمل أنه إرهابي، مما أثار الذعر في الشارع. عدنا أدراجنا يومها، ولم أذهب إلى المدرسة.

معظم الأفلام ركّزت على تصوير التطرف كظاهرة تنبع من الفقر أو القمع الأمني في المدن الكبرى

أتذكر أيضًا أكثر من مرة فُرض فيها حظر التجول بملوي عقب العديد من الحوادث، منها هجمات الجماعات الإرهابية على محلات الذهب في شارع الصاغة، حيث كانوا يقتلون أصحاب المحلات ويسرقونها. كما تم اغتيال مدير مدرسة الزراعة في ملوي لأن ابنه كان ضابط شرطة. ولم يكن هذا مقصورًا على مدينتي وحدها، فقد تعرضت المدن الأخرى لحوادث عنيفة، على رأسها استهداف مديرية أمن أسيوط بهجوم إرهابي أسفر عن سقوط العديد من الضحايا. 

هذه الوقائع العنيفة قابلها تحدٍّ مجتمعي واضح للجماعات المتطرفة، مثلما فعل الفنان عادل إمام عندما قرَّر عرض مسرحيته الواد سيد الشغال في أسيوط ضمن معركة كسبِ الأرض وكسر نفوذ هذه الجماعات ومحاولاتها الإيهام بالسيطرة. 

أين الصعيد؟

رغم هذا الوجود للجماعات الإرهابية في الصعيد، وما شهده من مطاردات وقصص مثيرة تصلح للمعالجة الدرامية، فإن معظم الأفلام التي ناقشت الإرهاب مثل الإرهابي 1994 ودم الغزال 2005 ركّزت على تصوير التطرف كظاهرة تنبع من الفقر أو القمع الأمني في المدن الكبرى، لكنها نادرًا ما تطرقت للصعيد إلا بوصفه بيئة محافظة تقليدية، وليس بيئة عايشت الإرهاب وعانت منه. كما أن أفلامًا مثل طيور الظلام 1995 أشارت إلى الصعيد ملاذًا للهروب أو نقطة انطلاق، لكنه لم يكن محورًا حقيقيًا في القصة.

وبالمثلِ في المسلسلات التي طالما اختارت الصعيد مكانًا مفضلًا وبيئةً مثاليةً للدراما، اختفى الإرهاب إلا في حالات قليلة من بينها شخصية الإرهابي شقيق وهبي السوالمي في الضوء الشارد، لكنه لم يكن شخصية محورية، وجرت المعالجة بشكل سطحي لا يعكس واقع الإرهاب في الصعيد، سواء من حيث نشأته وأثره على الأهالي، وانعكاساته المستمرة إلى الآن، كتسببه على سبيل المثال في غلق سينمات الصعيد وما أحدثه من فقر ثقافي وفني نعاني منه حتى اليوم.

لم نشاهد أفلامًا تروي قصص الذين كبروا في ظل الإرهاب أو من فقدوا ذويهم بسبب العنف

تهميش قصة الصعيد مع الإرهاب في التسعينيات يمكن أن نُرجعه إلى العديد من الأسباب، منها التركيز على القضايا الحضرية في السينما، حيث كانت المدن الكبرى مثل القاهرة مركز الأحداث السياسية والاجتماعية.

كما أن تمثيل الصعيد في الدراما والسينما غالبًا نمطي يُركز على العادات القبلية والثأر، مما أضعف من تسليط الضوء على قضايا معقدة مثل الإرهاب.

مأساة لم تُوثَّق

صُوِّر الصعيد في السينما المصرية إما بيئة للصراعات القبلية والثأر، أو مكانًا يعاني من الفقر والتخلف، لكنه لم يُقدَّم بشكل جاد مساحةً شهدت صعود الفكر المتطرف وعانت من عواقبه كما يشهد بهذا الواقعُ. كما أن التركيز الدائم على الإرهاب في القاهرة جعل الصورة ناقصة، وأظهره وكأنه ظاهرة وافدة على مصر، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا، إذ ازدادت أنشطة الجماعات الإرهابية في استقطاب أبناء الأقاليم عقب المصالحة التي صنعها السادات معهم، وبالتالي جرى زرع تلك الأفكار المتطرفة التي لم تجد من يواجهها.

استغلت الجماعات بُعد الصعيد عن القبضة الحديدية للشرطة، وبدأت التوسع وتجنيد أبنائه في صفوفهم مستغلين الفقر والبطالة وقلة التعليم، وزراعات القصب المنتشرة في قرى الصعيد التي اتخذها الإرهابيون مخبأ لهم، ما صعَّب تتبعهم.

لقطة من مسلسل الضوء الشارد، من بطولة ممدوح عبد العليم ويوسف شعبان، وإخراج مجدي أبو عميرة، إنتاج 1998، 5 أكتوبر 2020

لذلك فإن سرد قصص معاناة الصعيد مع إرهاب التسعينيات يمثل خطوةً حيويةً بالنسبة للذاكرة الجمعية لهذه المنطقة، التي عانت من غياب التنمية والتهميش، حيث تتيح هذه القصص لأهل الصعيد التعبير عن تجاربهم بعيدًا عن السرد التقليدي الذي غالبًا ما يشوِّه الواقع.

من خلال هذا السرد غير المركزي، يمكن تسليط الضوء على تأثيرات العنف على الأفراد، سواء من حيث الصدمة النفسية أو العزلة الاجتماعية، وتفكيك الصورة النمطية التي صورت الصعيد. كما يفتح المجال للتساؤل عن المسؤولية والمحاسبة، ويعزِّز من فهم التنوع داخل المجتمع الذي عانى من الفوضى والتهديدات.

تجربتي الشخصية

كمخرج مستقل صعيدي، أجد أن هذا الغياب السينمائي يعكس مركزية القاهرة في صناعة السينما، حيث تُروى القصص من منظور العاصمة، لا من منظور المناطق التي شهدت الأحداث فعليًا. لكن الأهم من ذلك هو أن معاناة الأهالي لم توثَّق سينمائيًا. لم نشاهد أفلامًا تروي قصص الأطفال الذين كبروا في ظل الإرهاب، أو الأسر التي فقدت ذويها بسبب العنف، أو المجتمعات التي عاشت في ظل الخوف الدائم.

من وجهة نظري، إعادة حكي هذه القصص ضروري ليس فقط لتوثيق الألم، لكن أيضًا لفهم كيف قاوم الناس تلك الظروف، وباعتبار أن السينما أحد الوسائط المهمة للتعبير الفني. أعمل حاليًا على مشروع سينمائي يتناول تلك الحقبة من منظور مغاير، ويستعرض بشكل إنساني المعاناة الجماعية حتى وإن انطلقت من منظور فردي، وبطلها هو طفل على أعتاب المراهقة يمر بكل تلك التغيرات الاجتماعية والسياسية وتأثيرها  على حياته وأسرته كما حدث معي ومع من حولي في التسعينيات في الصعيد.

سيكون هذا تحديًا لي ولغيري من المخرجين والكتّاب الصعايدة؛ أن نروي قصصنا بصدق، بعيدًا عن القوالب الجاهزة التي صنعتها السينما المصرية عنّا.