صفحة اتحاد قبائل سيناء، فيسبوك
لافتة دعم للسيسي عام 2022 يظهر فيها إبراهيم العرجاني

اتحاد للقبائل العربية.. الاستثمار في النجاح الخطر

منشور الاثنين 13 مايو 2024

 "قال لك الحقوا دي ميليشيا.. ميليشيا إيه! ده اِعتبره فصيل من فصائل القوات المسلحة بيشتغل معاها، والشعب لما يبقى خلف قواته المسلحة يبقى ميليشيا؟"

مصطفى بكري ردًا على الانتقادات الموجهة لتدشين اتحاد القبائل العربية. 


يدافع عضو مجلس النواب والكاتب الصحفي مصطفى بكري عن اتحاد القبائل العربية، الذي أُعلن تأسيسه في مطلع مايو/أيار الجاري، وسط مخاوف من تحوله إلى ميليشيا عسكرية على غرار تجربة قوات الدعم السريع في السودان.

ففي مشهد لا يخلو من الرسائل السريالية التي تخلط بين مكونات غير منسجمة في طبيعتها، مثل فكرة الدولة الوطنية والقبيلة العشائرية، تم تدشين اتحاد القبائل في حفل بقرية العجرة جنوب مدينة رفح، أحد المعاقل السابقة لتنظيم ولاية سيناء، ليضاف إلى قوائم الاتحادات القبائلية التي تكاثرت في الآونة الأخيرة، بعد النجاح النسبي لاتحاد آخر عُرف باتحاد قبائل سيناء.

غابت أجهزة الأمن عن المشهد وجرت عملية التأمين عبر مسلحين من قبيلة الترابين

شهد الحفل حضور العديد من النواب ومشايخ قبائل مطروح والصعيد وسيناء، في غياب لافت لأجهزة الأمن، فتمت عملية تأمين الحفل على يد أشخاص مسلحين من قبيلة الترابين، وهو أمر غير مفهوم في دولة مثقلة بالحضور الطاغي لأجهزتها الأمنية، فكان الغياب الأمني الرسمي مقابل الحضور الأمني القبائلي أشبه بتسليم مهام متفق عليه ضمنيًا في صيغة تدشين الاتحاد.

أما قيادات الاتحاد، فأهمهم إبراهيم العرجاني، النجم الصاعد بسرعة في عالم النفوذ والمال والعبور إلى سيناء، الذي ينتمي إلى قبيلة الترابين، والذي اختير رئيسًا للاتحاد يعاونه نائبان؛ أحمد رسلان، الرئيس الأسبق للجنة الشؤون العربية في مجلس النواب، واللواء أحمد جهينة، الضابط السابق في جهاز أمن الدولة ومحافظ الغربية الأسبق. كما تم تعيين مصطفى بكري متحدثًا رسميًا.

شهدت مراسم الحفل نفسه مرور موكب سيارات أشبه بالمواكب الرسمية التي تبالغ في استعراض القوة والنفوذ، وتصدّر المشهد عَلَم يضم النسر، شعار الجمهورية، يجاوره شعار الاتحاد، في تقسيم أضفى مزيدًا من السريالية على المشهد الخيالي.

تاريخ لخصخصة العنف

بعد نجاحه في التعاون مع القوات المسلحة في حربها ضد داعش، يظهر اتحاد قبائل سيناء راعيًا رسميًا لمبادرة تجميع اتحاد أكبر للقبائل العربية، ومع ذلك تكمن الخطورة في محاولة تكرار هذا النوع من النجاح والتوسع فيه.

بعد فترة من التردد بين الدولة والقبائل، اضطر الطرفان إلى التعاون للقضاء على الخطر المتصاعد للجهادية السلفية، ولمواجهة العمليات الإرهابية التي نفذها تنظيم ولاية سيناء، التي بدأت في 2015 تستهدف المجتمع المحلي في سيناء بعدما كان نشاطها قاصرًا على رموز الدولة داخل شبه الجزيرة المصرية.

 ورغم تحفظ الأجهزة الأمنية والعسكرية على تشكيل تلك المجموعات في بداية الأمر، والرغبة في قصر التعاون على جمع المعلومات الاستخباراتية، فإن تصاعد الأحداث الدراماتيكية أدى إلى تغيير التوجهات.

مع تصاعد الصراع بين تنظيم ولاية سيناء والمجتمع المحلي في سيناء، شدد التنظيم، الذي أعلن ولاءه لداعش، القيود على الأنشطة التجارية والاقتصادية للقبائل، كما نفذ عمليات إعدام لعدد من أبناء الترابين وشيوخها بدعوى التعاون مع قوات الأمن.

وخلال عام 2015، بدأت قبيلة الترابين مهاجمة مواقع التنظيم الإرهابي جنوب الشيخ زويد والعريش للانتقام من إعدام أحد أفراد القبيلة وأحد شيوخها، وبعد محاولات رعاها سالم أبو لافي وإبراهيم العرجاني، تم تشكيل اتحاد قبائل سيناء في 2016، وكان معظم أعضائه من قبيلة الترابين.

تطور الصراع في مايو/أيار 2017 عندما أعلنت قبيلة الترابين الحرب على جماعة ولاية سيناء في بيان صحفي، أعقبه صدور بيان آخر لقبيلة السواركة أعلنت فيه استعدادها للدخول في مواجهات مسلحة مع الجماعة في سيناء.

ومع انضمام القبائل للحرب على التنظيم، صار الاشتباك أكثر دمويةً، وكان أبرز نقاط التحول الهجوم الدامي التي شنته داعش على مسجد بلال في قرية الروضة في نوفمبر 2017، الذي أدى إلى مقتل 305 من المصلين.

أقرت الدولة ضمنًا للمجموعات المنضوية تحت اتحاد قبائل سيناء، المشاركة في العمليات القتالية لتعقب عناصر داعش في سيناء، واعترفت بمشروعية استخدام مجموعات مدنية للسلاح للقضاء على خصم مشترك، ووثقت صفحات السوشيال ميديا التابعة لاتحاد قبائل سيناء العمليات التي شارك فيها الاتحاد.

اعترفت الدولة بمشروعية العنف غير الرسمي طالما كانت أهدافه منسجمة مع أغراضها، وهو ما يمكن أن نطلق عليه خصخصة العنف، الذي حقق من خلاله اتحاد قبائل سيناء نجاحات قتالية واستخباراتية، سواء في اقتحام قرى جنوب رفح التي كانت تعد معقل داعش، أو في اختراق قيادات داعش والتفاوض معها لتسليم نفسها.

استثمار للنجاح الخطر

يبدو تدشين اتحاد آخر استثمارًا لفكرة نجاح اتحاد قبائل سيناء في مهامه، وتكريمًا ضمنيًا لرئيسه إبراهيم العرجاني، الذي انتقل من هامش سيناء لقلب المشهد الاقتصادي في القاهرة من خلال مجموعة العرجاني متعددة الأنشطة الاقتصادية.

تقويض الإرهاب في سيناء لا يجب أن يكون مدخلًا لتوسيع التجمعات القائمة على أساس عرقي وقبلي

قد يكون اتحاد القبائل العربية محاولة لتصعيد العرجاني إلى قلب المشهد السياسي بعد نجاح اتحاد قبائل سيناء في مشاركة الدولة الحرب على الإرهاب، التي اعتمدت في جزء منها على خصخصة العنف بمنح الدولة بعض اختصاصاتها لتنظيم آخر، يقوم بأعمال مسلحة من صميم سلطتها.

بتصعيد العرجاني، ترغب الدولة في تكرار التجارب الناجحة على مدى أوسع، بينما تغفل أن نجاح دمج عناصر محلية لتقويض الإرهاب يجب ألا يكون مدخلًا لتوسيع التجمعات القائمة على الانتماء العرقي والقبائلي في دولة حديثة. 

في تجارب شبيهة، أدى نجاح جماعة مسلحة في القيام بمهام الدولة إلى تمدد طموحاتها في أدوار تستند إلى القوة لا الكفاءة، أثقلت الدولة بالفواتير التي يجب أن تسددها لتلك الجماعات. وفي تجارب إقليمية أخرى، أصبحت الدولة نفسها رهينة هذه الجماعات، مشلولة أمامها. 

ظهر المشهد، بالعلم المقسم والقوات غير النظامية التي تحمي المؤتمر، كمشهد يهدف لتحقيق هدفين؛ الأول استعراض قوة فصيل مسلح خارج الإطار الشرعي والقانوني، والثاني إظهار الولاء للدولة، الذي تجلّى في الحديث عن مدينة السيسي في قلب معاقل داعش السابقة، لتطمين الأطراف التي تشاهد الاستعراض.

العلم الوطني رمز جامع للجماعة الوطنية، غير قابل لإعادة التداول والتحول لشعار لمجموعات عشائرية، كما لا يمكن اعتبار جماعة قبلية فصيلًا من فصائل القوات المسلحة، فالقوات المسلحة لا بد أن تجند منتسبيها على أساس وطني فقط، لا مكان فيه للقبلية والعشائرية والعرقية.