Pixapay- برخصة المشاع الإبداعي

أحزاب سياسية لتربية الدواجن

منشور السبت 25 مارس 2023 - آخر تحديث الأحد 26 مارس 2023

حين تمرض الحياة السياسية، لتوعّك الأحزاب أو تردي أحوالها، فعلاجها ليس الإلغاء أو النقل إلى وظيفة أخرى، وإنما خلق المناخ الصحي الذي يساعدها على التعافي والنمو والتمكن، باعتبارها أمرًا لا بد منه لأي نظام سياسي ديمقراطي، لأنها الركيزة الأساسية للتعددية السياسية، وأحد الأبواب المهمة لطرح بدائل في مختلف المجالات العامة.

كان في مصر، قبل سنوات قليلة، علاج غريب يطرحه إعلاميون مقربون من السلطة السياسية، سواء من عند أنفسهم، أو أنهم ينطقون بلسانها، أو يقترحون عليها. ووصل الأمر بأحدهم أن يأخذ زفيرًا عميقًا يتبعه بشهيق أعمق ثم يدعو الأحزاب السياسية إلى أن تنخرط في مشروعات التنمية حتى لو قامت بتربية الدواجن، أنفع من ممارسة السياسة، أو الاكتفاء بنقد السلطة، والتبرم والاحتجاج، حتى لو كان هذا في صمت طويل.

هذا تفكير مريض لن يزيد أحزابنا إلا سقمًا، أو هو تفكير مغرض يفسح الباب أمام تسلطية الحكم، أو عودة "الحزب الواحد الأوحد" مثلما نرى الآن. وصاحب هذا التفكير كان يعرف جيدًا ما يقول، بل كان مكلفا بتهيئة الرأي العام إلى مزيد من الكفر بضعف الأحزاب وتهالكها، وهو عيبٌ هي مسؤولة عن جانب منه، ونظام حكم ما قبل ثورة يناير مسؤول عن الجانب الآخر، والنظام الحالي الذي مسؤول أكثر وأكثر، بل أكبر وأعرض، لكن من الخطأ والخطل أن تستسلم لذلك الوضع المزري.

وعمومًا فصاحب هذا التفكير يتوهم أن السلطة الحالية هي الطرف الذي يجب أن يدير مؤسسات الدولة إلى الأبد، وأن أحزاب المعارضة يجب أن تظل مجرد ظل باهت لأهل الحكم، وبالتالي ليس من حقها أن تفكر في إعداد تصورات علمية دقيقة لإدارة المؤسسات العامة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتجهيز كوادر كفئة في كل تلك المسارات والمجالات، بحيث تكون جاهزة للحكم إن فازت في الانتخابات.

إن بعض الأحزاب قد انخرطت فيما يسمى "الحوار الوطني"، وقد تفكر لاحقًا، وربما يحدث هذا الآن، في اختيار شخص تخوض به الانتخابات الرئاسية المقبلة. لكن السلطة الحاكمة إن سمحت لها بذلك فهي تريد من مرشحها أن يكون مجرد ديكور أو كومبارس، أما لو عملت هذه الأحزاب على خوض معركة حقيقية، بالمناداة أولًا بضمانات إجراء تلك الانتخابات في حرية ونزاهة وشفافية وتكافؤ فرص، فإن السلطة ستدعوها من جديد إلى تربية الدواجن.

وحتى لو لم تقدم الأحزاب المنخرطة في الحوار على هذه الخطوة، وعملت على طرح بدائل، فإن هذا قد ترفضه السلطة أيضًا، مع أنه يثري الحياة السياسية ويفتح نافذة عريضة أمام السلطة نفسها للاستفادة من جهد منافسيها أو ترشيد قرارها، طالما أن الهدف الأساسي هو خدمة الصالح العام، والتفاني في بلوغ الصواب، ثم الإخلاص في تطبيقه، وإمعان النظر في انعكاسه على حال الناس ومآلهم.

الحزب الذي يترك السياسة ويربي دجاجًا لن يضم في عضويته سوى كتاكيت تجري إلى الخنان المظلمة بمجرد أن تسمع صياح الديك الكبير

أما ما يروق للسلطة جزئيًا فهو التصور الذي يتبناه موسى مصطفى موسى، مثلًا، حين قال قبل عامين "أعمل على تشكيل معارضة وطنية تقف مع الرئيس السيسي. . وتعمل على التصدي لكل ما يحدث من إرهاب، وتعمل على إيجاد حلول إيجابية لأي مشاكل بالدولة".

وأقول "جزئيًا"، لأن السلطة الحاكمة تريد الشطر الأول من هذا الكلام فقط، أما المشاركة في تقديم الحلول، فلا تقبله، بل تعتبره تدخلًا في شأنها، وتقول لأصحابه: هل لديكم المعلومات الكافية حول المشكلات حتى يمكنكم أن تقترحوا حلولًا لها؟ مع أن السلطة هي التي تحجب هذه المعلومات عن غيرها، مخالفة بذلك الدستور والقانون.

وحتى لو ارتضت الأحزاب بتربية الدواجن أو العمل على استيراد اللحوم، فهل يتاح لها ما أتيح لحزب "حماة الوطن"* من استيراد لحوم من تشاد قبل أيام؟ لا أعتقد، وحتى لو تركت الفرصة لها، فهل هي تملك المال الذي تستورد به، وبعضها عاجز عن دفع إيجار المقر الرئيسي لها؟ وإن استطاع فلن يقدر على تأجير شقق لمقرات أخرى في المدن الكبرى، وهذا ضروري لكل حزب سياسي حقيقي.

إن جميع القواميس والمعاجم والموسوعات السياسية تتعامل مع الحزب السياسي على أنه تجمع أو تنظيم سياسي يسعى إلى بلوغ السلطة السياسية سواء بتشكيل الحكومة أو من خلال مرشح في الانتخابات الرئاسية. ولهذا فإن وظيفة الحزب أن يكون جاهزًا للحكم إن اختاره الناس، وهذه الجاهزية تتطلب منه أن تكون لديه تصورات دقيقة وشاملة لكافة قضايا ومسائل السياسات العامة، والعلاقات الخارجية والدولية.

من هنا فإن الحزب السياسي ليس مطلوبًا منه أن ينسى العمل بالسياسة، كما يطالب البعض، ويتفرغ للعمل الخيري والنفع العام، فهذا سيحوله إلى "جمعية أهلية"، وليس من المستساغ أن ينهمك الحزب تمامًا في إدارة مشروعات اقتصادية أو تنموية، فمثل هذا سيحوله بالتدريج إلى شركة. لكن من الضروري أن يكون للحزب تصور عن العمل الخيري والأهلى والمدني فإن وصل إلى الحكم يطبقه، كما يكون لديه تصور اقتصادي متكامل يعرضه على الناس قبيل الانتخابات فإن منحوه ثقتهم يكون عليه أن يطبقه، ويبنى شركات عامة عملاقة ناجحة.

وليس هناك ما يمنع أن تستفيد السلطة القائمة بالفعل من تصورات الأحزاب السياسية، كما أن نقد المعارضة لبرامج السلطة وقراراتها سيخلق أمامها تحديات تعظم استجابتها فتُجِّود برامجها وترشد قراراتها، وتحسن سياساتها، وتدرك أن هناك من يتابعها ويراقبها فلا تطغى، ولا تستبد، كما هو ماثل أمام عيوننا الآن.

لكل هذا يمكن أن نقول: الحزب السياسي ليس من اختصاصه بناء مزارع للدواجن وتربيتها، أو استيراد لحوم وتوزيعها، إنما عليه أن يضم في صفوفه خبراء في هذا المجال يضعون أنجع خطة لتعظيم إنتاجنا من اللحوم والدواجن، لا سيما في ظل أزمة الراهنة، فيطبقها حين يصل للحكم أو يشارك فيه أو يقدمها لأهل الحكم ليستفيدوا منها، أو من بعضها، إن أرادوا. أما الحزب الذي يترك السياسة ويربي دجاجًا فلن يضم في عضويته سوى كتاكيت تجري إلى الخنان المظلمة بمجرد أن تسمع صياح الديك الكبير.


(*) نشرت المنصة في نسخة سابقة من هذا المقال معلومة ورد فيها خطأً اسم حزب آخر،  وتم تصويبها بتاريخ 26 مارس 2023، وتعتذر المنصة عن هذا الخطأ.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.