تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2025
يطرح ارتباك إخراج المشهد الانتخابي في 2025 أسئلة حول مشروعية مجلس النواب المقبل

أرقام رشوان وفهم نيفين.. محاولة تجميل البرلمان

منشور السبت 10 كانون الثاني/يناير 2026

رغم ما شابها من خروقاتٍ وانتهاكاتٍ دفعت رئيس الجمهورية للدعوة لضرورة أن تعكس الانتخابات الجارية موقف الشعب ورأيه، انتهت الانتخابات البرلمانية لإنتاج "مجلس نواب" بدأ أعضاؤه يتسابقون على مبناه لاستخراج كارنيهات عضويتهم، تاركين مصير هذا البرلمان لـ"التقدير السياسي" و"الظروف الطارئة" و"يد المحكمة الدستورية العليا"، وإن لم يكن كل هذا فـ"حكم التاريخ".

دون شك، من له مصلحة في بقاء البرلمان راح يشكل خط دفاع عنه؛ ألقي القبض على مؤيدي مرشحين مستقلين على المقاعد الفردية وبعض منتقدي الانتخابات على السوشيال ميديا، انبرت أقلام تدافع عنه تحت زعم أن كل الانتخابات في العالم يشوبها تقصير أو نقص أو خروج على القواعد.

لكن اللافت في رحلة الدفاع عن البرلمان خلال الأيام الأخيرة، ما نشره الأستاذ ضياء رشوان رئيس الهيئة المصرية العامة للاستعلامات في صفحته على فيسبوك، وما دافعت به النائبة نيفين إسكندر عضوة تنسيقية الأحزاب عن نتائج الانتخابات في مناظرتها مع الكاتب الصحفي مجدي الجلاد على قناة إم بي سي ضمن برنامج "الحكاية" الذي يقدمه الإعلامي عمرو أديب.

خداع الإحصاءات

بالأرقام التي أوردها، والتي أسندها لـ"دراسة إحصائية" أعدتها إحدى الوحدات البحثية المتخصصة بالهيئة العامة للاستعلامات، تحدث رشوان عما وصفه بـ"دلالات رقمية مهمة قد تعطي مؤشرات أولية حول أداء المجلس الجديد"، ويبين أنها جاءت على النحو التالي:

أولًا، حصلت 8 أحزاب معارضة على 53 مقعدًا، بما يقارب 10% من الأعضاء المنتخبين بالمجلس، نصف هذه الأحزاب المعارضة منتمية للحركة المدنية الديمقراطية بـ32 مقعدًا، يمثلون 60% من إجمالي مقاعد أحزاب المعارضة، وتوزعت على النحو التالي: 11 للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، ومثلها لحزب العدل، و9 مقاعد لحزب الإصلاح والتنمية، ومثلها لحزب الوفد، و6 مقاعد لحزب النور، و5 للتجمع، ومقعد واحد لحزب المحافظين، ومثله لحزب الوعي.

ثانيًا، يبلغ إجمالي المقاعد التي خسرتها أحزاب "القائمة الوطنية من أجل مصر" في الانتخابات الفردية لصالح المستقلين 82 مقعدًا، وفيما يبلغ عدد مقاعد المستقلين 105، بنسبة تزيد عن 18% من الأعضاء المنتخبين بالمجلس، فإن إجمالي مقاعد أحزاب المعارضة والمستقلين 158 مقعدًا يمثلون 28% من الأعضاء المنتخبين بالمجلس، بالتالي يكون مجلس النواب الجديد يضم 15 حزبًا سياسيًا، منهم 8 أحزاب من المعارضة و7 أحزاب من المؤيدة.

ما أورده رشوان هنا عن الدراسة الإحصائية يدخل في باب "الدعاية السياسية" أكثر منه في باب "العلم الاجتماعي" أو "الحقيقة"، فهذه الأرقام لا تعبر عن الواقع إلا إذا أجابت على بعض الأسئلة.

من هذه الأسئلة؛ هل الأحزاب التي أوردت الدراسة عدد مقاعدها في البرلمان تمثل معارضة حقيقية أم شكلية؟

إذا كانت معارضة بالفعل، فما الذي يضمن أن الداخلين لمجلس النواب من أعضاء هذه الأحزاب هم أصحاب المواقف واضحة المعارضة؟

هل من بينهم الذين يدل تاريخهم السياسي على تنسيق ما مع السلطة السياسية، سواء الراهنة أم السابقة؟ هل اختارهم رؤساء الأحزاب نفسها لدخول القائمة أو الترشح الفردي أم لا؟

هل كل من أراد دخولها من هذه الأحزاب نال ما أراد؟

ما مواصفات من تم قبوله وتمريره؟

حتى لو كان هؤلاء يمثلون معارضة حقيقية فما الذي يضمن استمرار ولائهم لهذه الأحزاب في ظل تجربة برلمانية طويلة بينت أن منتمين لأحزاب المعارضة سارعوا لقبول ما تريده السلطة التنفيذية أسرع من المنتمين لما تسمى أحزاب الموالاة؟

حتى لو كانوا معارضين ملتزمين، فكيف تكون لديهم قدرة على تغيير السياسات العامة وتعديلها، أو تفعيل الرقابة والتشريع، والأغلبية المكيانيكية بل الكاسحة في يد أحزاب الموالاة؟

ما علاقة كل هذا بقدرة أجهزة السلطة على اختراق الأحزاب السياسية الموجودة، بما فيها من تحمل لافتات معارضة، وعناية ورعاية بعض أعضائها البارزين على حساب آخرين، وهو ما صار أشبه بتقليد سياسي في العقود الأخيرة؟

الحقيقة التي لا مواربة فيها أنه دون طرح هذه الأسئلة، وتقديم إجابات شافية عليها، لن يكون هناك أي معنى للأرقام التي طرحها رشوان، وستفتقد الدلالات التي أراد أن يحدثنا عنها، وتوهمنا الدراسة بها. إنها حالة طالما حذر منها داريل هوف في كتاب صدر سنة 1954 بعنوان كيف تكذب بالإحصاء How to Lie with Statistics.

نموذج نواب المستقبل

المشهد الثاني أطلت خلاله نيفين إسكندر بقولها "السياسة في العالم كله إما تُحكُم أو تتتحبس". ما المعين الذي نهلت منه عبارتها؟ لا أظن أنه مما درسته في دبلومة السياسات بجامعة أسيوط بعد دراستها الصيدلة، ولا يمكن أن تكون تجربتها في حزب المحافظين المعارض قبل أن تدلف منه إلى تنسيقية الأحزاب، فهل هذا نتاج ما تعلمته في الأخيرة.

إذا كان الأمر كذلك، فأي مستقبل ينتظر السياسة في هذا البلد إذا تحولت عند جيلٍ من الساسة الجدد من "فن الممكن" و"فن إدارة الخلاف والاختلاف" و"المساحة الاجتماعية لممارسة تعدد الآراء حول المصالح العامة" إلى معادلة صفرية يقف على طرفيها القصر والسجن؟

إنها عبارة كابوسية متشائمة غارقة في القمع والتقييد، تخاصم الحرية بل تعتبرها عدوًا، مع كُفرٍ بالتعددية واعتبارها جريمة تودي بأصحابها إلى الزنازين الضيقة المظلمة.

أخطر ما قالته نيفين أن "السياسة في العالم كله"، ولو خصصت فصارت عبارتها "السياسة كما تدل عليها تجربتي، وكما أفهموني إياها في السنوات الأخيرة" أو "كما فهمتها أنا، وقد أكون خاطئة"، لكان من الممكن قبولها، وقد يصفق لها البعض، لكنها لم تفعل، ويالها من كارثة، ويا ويل كل المهتمين بـ"الشأن العام" في هذا البلد، ويا للخطر الذي يحدق بالبلد نفسه، إذا كان هذا هو "تعريف السياسة".

أرقام رشوان وفهم نيفين لا يمكن النظر إليهما، مع الاختلاف النسبي في الطرح والقيمة، إلا باعتبارهما محاولةً لتجميل انتخابات يرى كثيرون أنها الأسوأ في التاريخ النيابي المصري، وإذا تخفف البعض حيالها في التوصيف الغاضب المتشائم سيرونها تشبه نظيرتها التي جرت عام 2010.

هذه ليست كل محاولات التجميل، ربما كانت أبرزها، أو الأقرب إلى التبرير بالحيلة مقابل تبريرات أخرى أكثر فجاجة، أو حتى عدم الاعتناء بالتبرير لدى من يتوهمون أن شرعيتهم لا تحتاج إلى موقف الشعب ورأيه، أو لا يرون للناس أي دور في وصولهم إلى مقاعد مجلسي النواب والشيوخ.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.