تصوير: محمد حميد
داخل إحدى الشقق التي طُرد منها سكانها بمنطقة المرج

ضحايا الأسفلت

كيف ضحّت الحكومة المصرية بمواطنيها مقابل توسعات الطرق 

منشور الخميس 2 فبراير 2023

ما أن وصلت المقهى المتواضع الذي انتظرني عليه نادر سويلم، حتى همّ بي إلى مدخل شارع نفق الأمير حيث توجد شقته في العقار رقم 50 بمنطقة الخصوص. وحين وصلنا إلى العقار كانت الحواجز الأمنية التي وضعها قسم شرطة الخصوص تُغلق المدخل؛ لكن عندما لوح لهم نادر بأنه من سكان العقار سُمح لنا بالدخول.

 كان مدخل العمارة المكونة من 14 طابقًا مظلمًا رغم ضوء النهار بالخارج، أضأت مصباح هاتفي وبعد صعود سبعة طوابق إلى الدور الثامن حيث يقطن نادر وأسرته المكونة من زوجته و3 أبناء، شعَرت باهتزاز العقار وارتفع ضجيج آلة ما فجأة. التفت إليَّ نادر وقال إن هذا صوت حفار الهدم الذي استقر أعلى العقار، والذي يهدم نصف العقار المواجه للطريق الدائري، وذلك بعد إخضاعه لقرار نزع الملكية الذي أصدرته الحكومة المصرية برقم 2280 في عام 2020، ضمن خطتها بـ"توسعة الطريق الدائري" الذي يربط القاهرة الكبرى بالمحافظات.

العقار رقم 50 أو برج منتصر، كما يُطلق عليه قاطنوه، يقع ضمن ألفي عقار بدأت الحكومة المصرية هدمها منذ بداية عام 2021، لزيادة سعة الطريق الدائري، وذلك مقابل تعويض اجتماعي قدّرته الحكومة بمبلغ 40 ألف جنيه عن كل غرفة.

سلسلة إزالات المنازل لتوسعة الطرق وإنشاء القطار الكهربائي، امتدت إلى شوارع ومناطق متفرقة بالقاهرة والجيزة والقليوبية، فيما وحدّت الحكومة قيمة التعويض بـ40 ألف جنيه عن كل غرفة.

وبحسب القرارات المنشورة في الجريدة الرسمية، امتدت الإزالات إلى منازل بشارعي ترسا وخاتم المرسلين بالجيزة بحسب القرار رقم 1344 لعام 2019، ومنازل بمنطقتي البراجيل وأبو قتادة بالجيزة لإنشاء مونوريل العاصمة الإدارية والسادس من أكتوبر، وفقًا للقرار رقم 2678 لعام 2020، ومنازل بمناطق مركز كرداسة ومركز أوسيم ومركز البدرشين لزيادة توسعة محور 26 يوليو وإنشاء محاور مرورية جديدة وفقًا للقرار رقم 3028 لعام 2021.

بقايا عقار بمنطقة المرج. تصوير: محمد حميد

في هذا التحقيق، نكشف مخالفة الحكومة المصرية للمادة 35 من الدستور المصري لعام 2014 التي تنص على حرمة الملكية الخاصة وعدم نزعها إلا مقابل تعويض عادل، ومخالفتها قانون نزع الملكية رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته في 2018 و2020، الذي ربط قيمة التعويض بالأسعار السائدة وقت صدور قرار نزع الملكية مضافًا إليها نسبة 20% من قيمة التعويض، وأن يُصرف خلال ثلاثة أشهر من وقت صدور القرار.

كما أجرت المنصة إعادة تقييم لأسعار العقارات التي هدمتها الحكومة بمعرفة مكتب هندسي، حصلنا منه على تقرير فني كشف عن ضآلة مبلغ التعويض الحكومي مقابل أسعار العقارات السائدة في المناطق المهدومة.

وتحدثنا مع أكثر من 53 متضررًا من عملية الإزالة، بعضهم حصلوا على تعويض، وآخرون لم يحصلوا، بالمخالفة للمادة السادسة من قانون نزع الملكية رقم 10 التي نصت على صرف التعويضات خلال ثلاثة أشهر من صدور قرار نزع الملكية.

18 أسرة تحت حفار الهدّم

بعد صعود نحو 56 سلمة من درجات السلم، وصلنا شقة نادر، التي هجرتها زوجته وأطفالهما إلى منزل عائلتها بحي الزيتون. بدت الشقة خالية إلا من أثاث متواضع، وكومة من أغطية وأجهزة كهربائية وضعها نادر في غرفة نوم أبنائه، واحتل سريره غرفة ضيقة توجد في مدخل صالته المستطيلة.

يحكي نادر الذي تجاوز عقده الخامس، أنه يقطن هذا العقار منذ عام 2014 بموجب عقد إيجار قديم يمتد لـ59 سنة، بعدما دفع مبلغ 10 آلاف جنيه مقدمًا، وإيجار شهري نحو 500 جنيه، مضيفًا أنهم فوجئوا بصدور قرار إزالة لنصف العقار الذي يتكون من 4 شقق في كل طابق بإجمالي 48 شقة.

ويعود سبب شطر نصف العقار هذا أو غيره، إلى أن قرارات نزع الملكية الصادرة من رئيس مجلس الوزراء المصري تصدر وفقًا لإحداثيات جغرافية دون النظر لأحجام العقارات أو موقعها.

ويُضيف نادر، أن الشقتين المواجهتين للطريق الدائري ستُزالان، فيما لن تُضم الشقتان الموجودتان في الاتجاه المعاكس للطريق؛ لكن الأزمة أن الحكومة بدأت الهدم دون اعتبار لوضع 18 أسرة لا تزال تسكن العقار نفسه.

وخوفًا على حياتهم، هرَّبت الـ18 أسرة النساء والأطفال إلى منازل عائلاتهم، أو سكنوا بالإيجار في مناطق متفرقة بأحياء الضاهر والأميرية، فيما ظل أغلب الرجال في الشقق خوفًا من سرقتها أو انهيار العقار دون تقاضيهم التعويض. 

وأجرَت الأسر الـ18 تقريرًا هندسيًا كلفهم نحو أربعة آلاف جنيه، نفذته المهندسة نادية عبد العظيم عضوة نقابة المهندسين المصرية، خلصت فيه إلى أن إزالة ستة أمتار من المبنى ستجعله غير آمن إنشائيًا، بسبب مخالفته لكود البناء المصري.

هدم دون تعويض

على بعد نحو ستة كيلومترات شرق مدينة الخصوص، واجهت 17 أسرة بحي المرج، مصيرًا أسوأ، إذ هَدمت الحكومة منازلهم دون صرف قيمة التعويض رغم مرور أربعة أشهر، بحسب هاني إبراهيم ومحمد جودة، من سكان عقار شارع نفق القصر.

ويحكي هاني إبراهيم، الذي تخطى عقده السادس، أنه بعد نحو عام من بداية توسعات الدائري، أخطرهم حي المرج فجأة بإخلاء منازلهم تمهيدًا لإزالتها، رغم وجود مسافة بين العقار والطريق تقترب من 25 مترًا، وبعد أيام فقط وفي شهر أبريل/ نيسان الماضي هدّمت الحكومة العقار.

ويقول، إن العقار مكون من 12 طابقًا بإجمالي 24 شقة، تقطنه 17 أسرة، أغلبهم اشترى الشقق بنظام التمليك منذ عام 2016، بأسعار تتراوح بين 120 إلى 150 ألف جنيه دون تشطيب، أو على الطوب الأحمر، حسب وصفه.

ويُضيف، أنهم صرفوا على الشقق لتشطيبها وإدخال المرافق، "لكن فجأة اتشردنا من بيوتنا من غير تعويض"، موضحًا أنهم قدموا كل الأوراق والمستندات التي طلبها حي المرج سواء عقود ملكية الشقق أو التقارير الهندسية والحسابات البنكية لإيداع مبالغ التعويض.

شقة أحد المتضررين بمنطقة الخصوص. تصوير: محمد حميد

هاني يُوضح أن إجمالي قيمة التعويض للأسر تتراوح بين 160 إلى 200 ألف جنيه، باعتبار أن الحكومة قدَّرت تعويض الغرفة بـ 40 ألف جنيه، معتبرًا أن هذا أقل من القيمة الحقيقية للشقق؛ لكن "قولنا نص العمى ولا العمى كله".

ويشرح هاني آلية تقييم الشقق حسب اللجنة المكلفة من حي المرج، بأنها لم تراع مساحة الشقق، إذ تغاضت عن احتساب الصالة في شقته وضمتها إلى غرفة الاستقبال، باعتبارهما غرفة واحدة، رغم أن مساحتهما تقترب من ثلث الشقة.

ويحكي أنه حين سأل اللجنة على تعويض المباني والمساحة، لحيازتهم عقودًا مسجل بها حصة في أرض العقار، جاءه رد أحد مسؤولي اللجنة  "لأ ملكش". وحاليًا تحول كل سكان العقار من ملاك إلى مستأجرين سواء في نفس المنطقة أو في مناطق أخرى مثل الزاوية الحمراء، وعزبة النخل، وفقًا لهاني.

"زي عبيد وكلاب والله. لو اتضّربت بصاروخ وكنا عرفنا إن إسرائيل بتضربنا أرحم ما الحكومة ضربت فينا كده وهدّت لنا بيوتنا"، يقول هاني غاضبًا.

إزالات جزئية

"لما نفذوا شطر العقار، بقيت أفتح باب شقتي على المطبخ، ودي حياة مش آدمية"، بهذا العبارة يُلخص أحمد عزت أزمة العقار الموجود بالقطعة رقم 74 بحوض المنيرة بحرم الطريق الدائري باتجاه السلام بالمرج.

هذا العقار المعروف باسم برج مصطفى أحمد آدم، بُني قبل عام 2006، ويتكون من 10 طوابق تقطنه 18 أسرة، أخضعته الحكومة لقرار إزالة جزئي، وفقًا لما جاء في إحداثيات قرار نزع الملكية الصادر من مجلس الوزراء رقم 2280 لسنة 2020.

ويحكي أحمد أنه يقطن العقار من 16 سنة بنظام الإيجار القديم الممتد لـ59 سنة، وحينها دفع مقدم سبعة آلاف جنيه، وإيجار شهري 400 جنيه، واستلمها دون تشطيب، وكلفته نحو 30 ألف جنيه نظير التشطيب والمرافق في عام 2006.

"مبلغ التعويض مش هيكفي أجيب شقة بنفس نظام الإيجار القديم 59 سنة، على سعر السوق توصل 100 ألف مقدم، و1200 جنيه إيجار، ده غير التشطيب"، يقول أحمد.

"الحكومة صرفت تعويضات جزئية لـ13 أسرة بس من سكان العقار، واتحرمت 5 أسر علشان شققهم مقفولة أو مش متشطبة، وده بناء على قرار لجنة المعاينة"، يوضح أحمد، ويشير إلى أن الحكومة وعدتهم بصرف تعويضات كلية مقابل كامل الغرف، وذلك بعدما قررت هدم العقارات التي شُطرت على الطريق الدائري.

كانت الحكومة المصرية أصدرت قرارًا في يونيو/ حزيران الماضي، كلفت فيه الإدارات المحلية بهدم كل الأجزاء المُتبقية من العقارات التي شُطرت على الطريق الدائري؛ فيما سيتم الإبقاء على العقارات التي تتعارض مع الإحداثيات الجغرافية الواردة في قرارات نزع الملكية لمسافة متر واحد.

وذلك يعني أنه في حال كان العقار يتعارض لمسافة واحد متر مع توسعات الطريق الدائري يتم إزالة المتر فقط، مع اشتراط أن يكون العقار ضخمًا. 

لكن يعتقد أحمد عزت أن هذا القرار غير واقعي، لأن إزالة متر واحد من العقار تعني هدم كل أعمدة العقار الخرسانية المواجهة للطريق الدائري. ويختم حديثه "فرضًا قبلت بشطر المتر ده، هروح فين أنا وعيالي لحد ما يخلصوا؟".

أزمة التعويض التجاري

محمد رياض، كان يمتلك صيدلية على الطريق الدائري في حي المرج بنظام الإيجار القديم إيجارها الشهري ألف جنيه، تمثل رأسماله الوحيد، وبعد صدور قرار بنزع الملكية قُدر التعويض بـ3 آلاف جنيه عن المتر، بإجمالي أقل من مئة ألف جنيه، في حين عُرض عليه بيعها قبل عام واحد بمليون جنيه.

ويعتبر رياض، وهو أب لطفل واحد، أن تعويض الحكومة لا يكفي حتى لإدخال عداد مياه حال رغب في افتتاح صيدلية أخرى.

"التعويض الحكومي ظالم علشان ساوى بين الصيدلية ومحل البقالة، فالصيدلية ليها حسابات تانية أهمها نسبة البيع والموقع الجغرافي والتراخيص والمرافق والسمعة وغيره"، يقول محمد.

صورة لعقار الأمير أثناء الهدم. تصوير: محمد حميد

تعويض على دفعات

المشكلة في التعويضات ليست قيمتها فحسب، بل عدم دفعها مرة واحدة، وتلك هي الحال مع عمرو لبنة، الذي نُزعت أرضه ذات الثمانين مترًا في البدرشين ضمن توسعات الطريق الأوسطي الإقليمي، مقابل سعر 1900 جنيهًا للمتر، "ده أقل من سعر السوق اللي من 2500 لـ 2800 جنيه، واستلمت نص الفلوس والباقي بعد حوالي سنة" يقول عمرو.

كيف إذًا قدرت الحكومة تعويضاتها؟

يُبين عضو مجلس النواب المصري إيهاب منصور، أن الحكومة المصرية قسَّمت التعويض عن الإزالات إلى ثلاث أجزاء؛ تعويض اجتماعي، وتعويض مباني، وتعويض أرض. رغم مخالفة ذلك الصريحة للدستور والقانون.

أما الجزءان الآخران (المباني والأرض) فأجلتهما لحين الانتهاء من أعمال توسعة الطرق ومد شبكة القطارات السريعة، وفقًا للنائب، الذي لفت إلى تأخر الحكومة في صرف هذا التعويض في كثير من الأعمال، كما حدث في تعويضات شارعي ترسا وخاتم المرسلين في الجيزة.

ويكشف  منصور، أنه أثناء مناقشة ميعاد صرف كامل التعويضات، ظهرت فتوى قانونية وصفها بـ"الافتكاسة"، تقترح فيها الحكومة عدم حصول مالك الأرض أو العقار المنزوع ملكيته على تعويض اجتماعي أسوة بالمستأجرين، والاكتفاء بتعويضهم عن المباني والأرض فقط.

يتماشى هذا مع مستند حصلنا عليه من البوابة الإلكترونية لمنظومة الشكاوى الحكومية الموحدة، يُظهر مطالبة هيئة المساحة أحد ملاك العقارات برد مبلغ 160 ألف جنيه كان حصل عليها كتعويض اجتماعي بعدما نُزعت ملكية منزله.

ويُوضح النائب أن تقدير قيمة التعويض الاجتماعي بـ40 ألف جنيهًا عن الغرفة رقم تقدير حددته لجان تقييم تُشكلها محافظات  القليوبية والقاهرة والجيزة، التي تعتبر أغلب تلك العقارات مخالفة لقانون البناء الموحد الصادر برقم 119 لسنة 2008، وغير مرخصة.

وخلال الفترة من 2000 إلى 2017 بلغ عدد العقارات المخالفة في مصر مليونين و878 ألفًا و808 عقارًا، وفقًا لتقرير صادر عن وزارة الإدارة المحلية في 2018.

من جهتها، أجرت المنصة، تقييمًا هندسيًا لأربعة عقارات في القاهرة الكبرى، عن طريق مكتب المدينة للمقاولات والاستشارات الهندسية وأشرف عليه المهندس محمد كمال المقيد في عضوية في نقابة المهندسين المصرية تحت رقم 6002695/ 68.

 

استخدم التقرير طريقتين لتقييم العقارات الأربع؛ الأولى نهج مقارنة المبيعات التي تعتمد على تشابه أنواع العقارات وتستخدم ما بين ثلاث إلى أربع صفقات للمقارنة، مع مراعاة عمر وحالة المبنى الإنشائية وتاريخ وشروط البيع.

أما الطريقة الثانية، فهي "نهج التكلفة"، التي تفترض أن المُشتري لن يدفع مقابل عقار حالي أكثر من السعر اللازم لشراء أرض مماثلة وبناء مبنى مماثل عليها، وهذا النهج في التقييم مفيد حين تكون العقارات التي تُقيَّم من النوع الذي لا يُباع بصورة مُتكررة، ولا يولِّد دخلًا.

وفرَّق التقرير بين أسعار الأرض والإنشاء والتشطيب للعقارات قبل عام 2016، ثم أسعار 2016 بعد الزيادات نتيجة قرار الحكومة بتعويم الجنيه، وأخيرًا أسعارها في 2022، ثم دمج كل تلك العوامل واستخرج متوسط سعر المتر.

إنفوجراف: المنصة


ويشرح المهندس محمد كمال، آلية التقييم، أنه استعلم عن أسعار متر الأرض في تلك المناطق حاليًا، ثم استخرج متوسط سعر للمتر قدره بثلاثة آلاف جنيه قبل عام 2016، لأن المباني الأربع المُستخدمة في عملية التقييم بُنيت قبل هذا التاريخ.

المباني الأربعة المستخدمة في عملية التقييم هي عقاران في الخصوص والمرج (القليوبية) بمساحة 400 متر بارتفاع 12 طابقًا، ومبنى في البراجيل (الجيزة) بمساحة 250 مترًا بارتفاع ثمانية طوابق، وآخر في أبو قتادة (الجيزة) بمساحة 200 متر بارتفاع ستة طوابق.

ويُوضح، أنه بعد ذلك قدَّر قيمة الإنشاءات الخرسانية بالمتر قبل عام 2016، وفي 2016، وفي 2022 للمباني الأربعة، وخصم من قيمتها ما يُعرف بـ"التقادم الوظيفي" باعتبار أن المباني استهلكت 10 سنوات من متوسط عمرها الافتراضي المقدر بـ70 عامًا.

ويُظهر كمال في تقريره، أن سعر متر الإنشاء "الخرسانة" يتدرج ارتفاعًا وانخفاضًا حسب مساحة الأرض وعدد طوابق العقار، ثم الزيادات في أسعار الإنشاء بعد 2016 وحتى الآن، مشيرًا إلى أنه وحد عملية القياس نظرًا لكون العقارات متشابهة.  

ويُوضح أنه توصل إلى أن متوسط سعر تكلفة المتر للإنشاء والتشطيب ثلاث آلاف و268 جنيهًا، باعتبار متوسط تكلفة المتر المسطح "خرسانة ونسبة ما تتحمله الشقة من سعر أرض العقار" هي 1768 جنيهًا، وسعر متر التشطيب المتوسط 1500 جنيهًا.

ويختم كمال في تقريره وحديثه للمنصة، أن التقييم العادل للعقارات والأراضي يكون بالمتر وليس بالغرفة مثلما فعلت الحكومة.

التعويض الاجتماعي "اختراع حكومي"

من جهته، يرى أستاذ القانون الدستوري في جامعة المنوفية فؤاد عبد النبي، أن التعويضات الحكومية مخالفة للمادة 35 من دستور 2014 التي توازي المادة 34 من دستور 1971، التي أقرت بحصول المواطنين على تعويض عادل في حال نزع ملكيتهم للمنفعة العامة.

ويُضيف أن التعويض العادل لا بد وأن يتوافق مع المعايير الدولية وأن يتماشى مع الأسعار السائدة بالسوق، واصفًا "التعويض الاجتماعي بأن كل واحد بيألف على مزاجه"؛ فيما رفض الاسترسال في حديثه بعد ذلك.

إلى ذلك، يقول المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا ياسر زبادي، إن التعويض العادل يُصرف عن قيمة مباني العقار، وتعويض بالمتر عن قيمة الأرض تُحتسب طبقًا للأسعار السائدة وقت صدور قرار نزع الملكية إضافة لنسبة 20% من قيمة التعويض.

ويُضيف أن التعويض الاجتماعي "اختراع حكومي" حتى لا تصرف تعويض مباني للمستأجرين بنظام عقود الإيجار الممتد (59 سنة)، إضافة لأن هذا التعويض الاجتماعي تخصمه الحكومة من قيمة التعويض عن المباني ومساحة الأرض عند تعويض مالك العمارة.

ويعتقد زبادي أن هذا التصرف مخالفًا للمادة 6 من قانون نزع الملكية رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته، والذي أقر بتعويض كل من أصابه ضرر نتيجة نزع الملكية دون تحديد ما إذا كان مالكًا أو مستأجرًا، مقدرًا حجم الضرر الواقع على المستأجر، بإجبار الحكومة له على ترك منزله والبحث عن آخر للإيجار، ستختلف قيمته أسعاره وقيمته الإيجارية بسبب تغير الأسعار والظروف.

إنفوجراف: المنصة


ويشير لوجود خلل في تقدير قيمة التعويض الحكومي، بداية من توحيد القيمة بـ40 ألف جنيه عن الغرفة دون النظر لأحجام الغرف، والموقع الجغرافي للعقار، وحالة المبنى، وحجم الشارع، وارتفاع العقار، فضلًا عن المخالفة القانونية في عدم تطبيق مبدأ التكافؤ بين المستأجرين والمالكين بخصم قيمة التعويض الاجتماعي من الملاك.

ومن مواطن الخلل أيضًا حرمان الأهالي من حضور جلسات لجان التقييم المسؤولة عن وضع التعويضات، وفقًا للمحامي بالنقض، معتبرًا ذلك إهدارًا للملكية الخاصة دون تعويض، إضافة لتسببها في نقمة المواطنين على مشروعات الطرق.

تحوط حكومي آخر

المحامي بمحاكم الاستئناف محمد القرموطي، يشير إلى أنه حتى في حال رفع دعاوى قانونية لإعادة التقييم العادل للتعويض، فإن الحكومة لديها تحوط آخر وهو مدى مراعاة تلك العقارات لـ"حرم الطرق".

وحرم الطريق هي مساحة فضاء تُترك على جانبي الطرق كما حددها قانون الطرق العامة رقم 84 لسنة 1968.

وبحسب المادة العاشرة من قانون الطرق العامة، فحرم الطرق السريعة، مثل الطريق الدائري، 50 مترًا على جانبيه والطرق الرئيسية مثل محور 26 يوليو، 25 مترًا، وتشرف عليهم هيئة الطرق والكباري، أما الطرق الإقليمية التي تكون داخل المدن والقرى وتخضع للإدارات المحلية، فحرمها 10 أمتار.

ويقول القرموطي إنه بالنظر إلى بعض الطرق التي تُجرى عليها التوسعات، فإن كثيرًا منها كانت مناطق زراعية قبل سنوات طويلة، ثم وبسبب تراخي الحكومة والمحليات بُنيت، لكن الضرر الأكبر سيتحمله المواطن المستأجر أو المالك، الذي لن يحصل على تقييم عادل.

رد حكومي

سكرتير عام محافظة القليوبية اللواء هشام خشبة، يُوضح أنه حاليًا تُصرف فقط تعويضات اجتماعية للمستأجرين فقط، لكن المالك سيُصرف له تعويض بالملكية بعد تقييم سعر العقار والأرض سيتحدد مواعيد صرفها لاحقًا.

ويقول للمنصة إن الحكومة اعتبرت أن له حق التعويض من المستأجرين هم فقط أصحاب عقود الإيجار القديمة (59 سنة)، إنما أي إيجار آخر فلا يحق له الحصول على تعويض، "التعويض الاجتماعي ده كأني بقوله روح أجّر في حتة تانية"، كما يوضح أن المواطنين الذين شُطرت منازلهم سيظل وضعهم على هذا الحال لحين صدور قرارات نزع ملكية من رئاسة مجلس الوزراء، وتعديل الإحداثيات الجغرافية للخرائط، ولن تُصرف لهم تعويضات إلا مقابل المساحة المنزوعة فقط. 

كذلك، خاطبت المنصة المتحدث باسم وزارة النقل، لكننا لم نتلق ردًا حتى نشر التحقيق.