تصميم: أحمد بلال- المنصة

أحمل السر كعدَّاء أسلمه لآخرين

منشور السبت 15 أكتوبر 2022

ربما لكل إنسان "سر" مع نفسه، يخشى اكتشافه. ذلك السر الذي لا يدور حول شيء معين، أو حدث محدد، أو ذنب عارض، ولكنه حاضر باستمرار في داخلنا، بسبب جهلنا بذلك الجسد الغامض الذي ولدنا به. كلمة "الداخل" تشير دومًا لشيء مخبوء وراء باب مغلق. ربما هذا "الداخل" هو الذي يحتوي السر، وذلك الباب المغلق هو السبب في ولادته، وسيظل مغلقًا، لأنه باب مجازي.

***

نخشى من المرض لأنه يكشف "سرنا"، يجعل آخرين يغوصون داخل أجسادنا بمشارطهم الحادة، وأضوائهم الساطعة، وأشعاتهم الملونة. المرض يعود بالسر إلى أصله، كعضو من أعضاء الجسد، بجانب الأحشاء، القلب، الرئة، الكبد، الدماء، الشرايين.

هناك علاقة بين السر، والمرض. لا نريد لأحد، أي كان، أن يرى ما بداخلنا كي لاينتهك ذلك السر، هذا الخوف الكامن الذي ولدنا به، والذي أصبحنا أصدقاء له، نكبر معًا، يغذي فينا رغبة لا نحددها بدقة، ولكنها حاضرة دومًا بقوة حضوره. ربما يمثل السر خوفنا الكامن من توقف الحياة، والإنذار المبكر بأنها مؤقتة.

***

لم نملك تلك العين التي نراقب بها حركة كوننا الداخلي، بأعضائه وأشباحه وأسراره. ربما الأشعة التي تخترق حواجزنا هي بمثابة تلك العين، الجواسيس الحديثة، التي أوجدها العلم، والتي يملكها الطبيب أو عالم النفس، لذا هناك خوف قديم من الأطباء لأنهم بأجهزتهم سيكتشفون ما لم نعرفه عن أنفسنا، سيضعون أيديهم على ذلك العطب السارح بعيدًا عن سيطرتنا. الأشعة والذبذبات تخرط جسمًا ثان لنا، يُطبع في أوراق ومنحنيات، ليرمز لصورة "الآخر" المخبوء، الذي سعينا للكشف عنه.

***

يولد السر داخل أحراش الموت. في المرض، نتمدد على الأسرة البيضاء لأوقات طويلة، نعيش زمنًا خاصًا تتفتح فيه أزهار الحياة والموت معًا، عندها يتضح السر في جلاء، لأنه عاد إلى منبته، سجينًا ومحاصرًا في غرفة مستشفى، وبعيدًا عن صخب الحياة. تتحول غرفة المستشفى إلى جسد كبير يحتوينا. السر هو أرشيف المشقات.

***

حتى سن متأخرة، عندما كنت أقوم بعمل أي أشعة أو تحاليل، أنتظر أن ينكشف ذلك "السر المقدس"، لهذا "الجسد المقدس" الذي يخشى الخيانة وينتظرها من داخله أكثر من خارجه. أرى نفسي وهناك عين تراقبني تحت الميكروسكوب، بعيدًا عن متناولي أو سيطرتي، أرى تفتتي إلى جزيئات صغيرة.

كنت دومًا أتمنى أن يخرج ذلك "السر" من جسدي وأشفى منه دون تضحيات. أن يتسامى ويحلق كما يحدث في "طور الفراشة"، يخرج الحي من الميت، وخلال تلك المقايضة، يدخل تيار الحياة الجديد لهذا الجسد المومياء.

***

ربما يتسع "السر" يومًا ويصبح نهرًا نرى فيه وجوهنا، ذلك الجزء الغائب عن إدراكنا. النهر، المرآة السائلة التي يذوب فيها الزمن كما يكتب بورخيس في قصيدته "فن الشعر"، النهر الذي تذوب فيه ملامحنا وتتدفق نحو الأعالي، بعكس الجاذبية، حيث تعيش الطيور.

داخل ذلك النهر نرى أسرارنا الصغيرة وهي نطفة تحاول أن تسير مع التيار وتتشكل حتى يأتي موعد لقائنا بها. لكل منا لقاء صادق مع "سره"، ليتبادلا الأنخاب، ويتعرفا على بعضهما البعض، ويحدث الالتئام، مثل ذلك الرجل الذي يحتضن نفسه كأنه "آخر"، في نهاية فيلم "الاختيار" ليوسف شاهين، احتضان للجسد بكل ما يحمله من آخر غائب أو مجهول، ونسخه المتعددة. يتناسل "الآخر" كما يتناسل "السر". أحمل السر مثل عدّاء لأسلمه لآخرين ينتظرونه كي يبدأوا معه حياة جديدة.

***

ما نملكه حقًا في أجسادنا هو الذاكرة، ذاكرة حياتنا، التي لا يمكن أن تحوط بذاكرة العالم، هي جزء منها لذا تظل تشعر بالفراغ المطبق من حولها، بالغموض الذي تحاول سبره، فيصبح السر أيضًا "الآخر" للذاكرة، فداخل أي ذاكرة هناك ذاكرة أخرى تتناسل منها.

لا يمكن أن نحارب غموض العالم وغموض أجسادنا بالذاكرة الشخصية فقط. حرب غير عادلة. لا يمكن أن تصبح الذاكرة وحدها ما يملأ مكان هذه "الأنا" التي تمثلنا. رغم أن الذاكرة تقع في المكان الأعمق في وجودنا لكن هناك عمق آخر يتجدد باستمرار ويوصل إلى أبواب الماضي، وتهرب الذكريات ويتسرب الوجود إلى الفناء. غير أن هناك ما هو أعمق من الذاكرة، هناك الماضي بكل أحداثه.

ميلاد الذاكرة حدث شخصي بينما العالم حدث جماعي، حتى ولو كان صاحبه واحد. الأمنية الملحة للبشر هي الاتصال بين الذاكرة الشخصية وذاكرة العالم المحيط بما ليس لنا به علم، ليقل غموض ما نحمل داخلنا، ويتحول الداخل إلى ممثل للذاكرة الجمعية. ربما هناك في الشرايين والأوردة آثار من ذاكرة العالم القديمة، وداخل أجسادنا مومياوات تنتظر منا أن نراها.

السر حياة جديدة، أو هو الرماد القديم داخل الحياة، الذي يبعث من جديد في هيئة جسد. ليس هو المجهول الذي نتوق للقياه، لكنه المجهول الذي لن نلقاه، لأن لقياه يعني الفناء.

***

لو لم تخلق لنا عيون على الخارج، لكانت عيوننا أرحامًا، تتفتح على الجسد من الداخل، اختار الله لنا، أن نكشف الخارج، وجعل الذاكرة بديلًا عن العين الداخلية، ولكنها عين الأعمى الذي يتحسس مكانه بحرص وخوف معًا، والمعرض دومًا للنسيان والخلط بين الأزمنة.

نحمل السر مثل أمانة، كما نحمل أجسادنا التي لا نعرفها. كأن شخصيتنا و"الأنا" التي تمثلنا، تتواجد فقط داخل عقولنا وذاكرتنا، وليست داخل أجسادنا، فكلما اتسع ذلك العقل زادت مساحة الإلمام بـ"الآخر" الذي يعيش داخلنا. لم نر كينونتنا إلا داخل العقل، لذا فقدنا علاقة التساوي مع كوننا الداخلي، نتسلط عليه، لنعمق خوفنا منه. حب سادي مع ذلك "الآخر"، وبداية انشطار في مفهوم "الأنا".

ربما هذا الانفصام بيننا وبين أجسادنا كان نقطة انطلاق للمصالحة المستقبلية التي نقضي عمرنا كله في سبيل الوصول إليها، أن نعترف بأجسادنا، كمكان وحيز للأنا، وأجسادنا تعترف بنا. ألا تكون وظيفة هذا الجسد فقط أن يمنح تلك "الأنا" الهيكل الخارجي لكي تكون مرئية وتخرج قليلًا من عتمة الداخل وشبحيته.

ربما ما نتنظره من "الأخر"، دومًا، أن يكون ندًا قويا، بما يليق بالصورة التي نحملها عن أنفسنا. فهذه الوساوس القوية، وذلك الأخر المخلص لا يزوران، إلا من يرى نفسه شهيدًا

ماذا سيحدث لو ولدنا وهناك عقل وذاكرة في كل مكان من أجسادنا، يمد هذا العقل الأم بالمعلومات والصور والتقارير، والذكريات، عمّا يجري داخل ذلك الكون الغامض.

***

في أوقات الضعف النفسي وفقدان المناعة الذاتية على المقاومة، كانت تتسرب إليَّ تلك الوساوس؛ بأن هناك مرض كامن بداخلي. كانت والدتي رحمها الله تذهب للطبيب من أقل شكوى تشعر بها، يتضخم الوسواس عندها، ومنه ينتقل إليَّ، عبر جسة يديها المتكررة على رأسي لو كنت محمومًا. هذه اليد المرتعشة تركتْ بصمتها على جبيني مثلما تركت أقدام الأنبياء بصمتها على الصخر.

كانت أمي تنتظر، وتخشى في آن، المفاجأة التي يجهزها القدر لها، بأن تصاب هي أو أحد أفراد مملكتها، بالأمراض، التي تليق بإيمانها القوي، وبعلاقتها الحميمة مع الله. إيمانها وصورتها عن نفسها، كانا يضخمان شكل التضحية التي تنتظر أن تقوم بها في حياتها، لتستقبلها في النهاية بروح سمحة راضية كمؤمنة مثالية بقضاء الله ورحمته التي تسع كل شيء. لذا كانت تنتظر من وراء باب موارب، ذلك الزائر الثقيل والمخلص في آن.

أحيانًا يتخفى المرض ويصبح قناعًا للحب. ربما ورثت عن أمي ذلك الإحساس، أنتظر ظهور ذلك الزائر/ المخلص الذي يكمن في جسدي، أنتظر ولادته، أتيًا من مياه الماضي عائمًا فوق "نهر الزمن"، ينتظر لحظة تجسده وتحوله إلى مرض مرئي.

ربما ما نتنظره من "الأخر"، دومًا، أن يكون ندًا قويا، بما يليق بالصورة التي نحملها عن أنفسنا. فهذه الوساوس القوية، وذلك الأخر المخلص لا يزوران، إلا من يرى نفسه شهيدًا

***

أحيانًا ينحشر الذنب ويشكل مادة ذلك السر، ولكنه المستوى الأدنى من مفهوم السر، لأن الذنب يصنع لذواتنا، في مخيلتنا، إلهًا مُعاقِبًا، يحاصرنا وظهرنا للحائط، أما السر فيصنع، في مخيلتنا، إلهًا له ذلك الحضور المقدس الذي يليق به، بلا حوائط تحاصرنا، ويتم اكتشافه عبر رحلة الحياة، ويكون هو مكان المصالحة بينا وبين أجسادنا.

***

مهما كانت ذكرياتنا عظيمة فإنها لا تملأ مكان " الأنا"، أو "الجسد" بيتنا الذي نعيش فيه، إلا على حساب تلك "الأنا"، بتحويلها إلى أخرى ماضوية بلا كثافة، مثلها مثل الذكريات. فتظل تلك "الأنا" مجهولة أو غامضة لا تعرف شيئًا عمّا يمثلها.

ربما أجسادنا هي ما تمثل الحاضر الذي يتغذى على اللذة والألم. خارج هاتين الممارستين، اللذة والألم، يغيب الجسد تمامًا، لذا نبحث عن اللذة، وأحيانا نقدسها، كي نسترد علاقتنا بأجسادنا وسرها. أيضًا نبحث عن الألم ونقدسه للغاية نفسها. في كلا الحالتين هناك حضور وغياب، مكثفين، للجسد، لحظات سريعة كشظايا الذاكرة المشتعلة تمامًا، تضيء أبعاده من الداخل ثم تنطفئ. حتى الألم يمكن التعامل معه كماض مستمر، هو جزء من الماضي كالذكريات تمامًا. فمن يدافع عن الحاضر والمستقبل داخل تلك المعادلة الحياتية؟

***

أحيانا يكون الله هو الإجابة على ذلك "السر". فهو الذي يرى دواخلنا وأسرارنا وأفكارنا وهواجسنا، فالله شريكنا في كل شيء، ومن خلال ما يراه نعبر إلى رؤية أنفسنا. هو الذي يرى وجودنا في مرحلة النيجاتيف.

دومًا كنت أعرف أن الله يعرف، كلما زاد تشابك الخيوط التي تشكل نفسي وسري؛ أعرف أن الله يعرف كيف سيحلها ويكشف لي عن بداية الخيط الذي تراكم وراءه السر، فميلاده نشأ مع معرفتي بالله.

كان الله يسكن في قلب ذلك السر الذي كنا نتمناه، أكثر من علاقتنا بأجسادنا، وبكوننا الداخلي. "يومًا ما سيأتي الله ويفك تلك الخيوط المتداخلة ويضع الحدود ويقدم لك نفسك وداخلك على طبق من ذهب" أقول لنفسي في لحظات الضيق وذهاب اليقين. هذا اللقاء المؤجل مع الله، ليس لقاء السؤال لكن الإجابة التي لن نعرفها لأننا سنكون داخل زمن آخر، ليس به أسئلة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.