تصميم- أحمد بلال المنصة

كان وعد منك كان حلم منا

إلى أصدقائي الأحرار في كل مكان في العالم

منشور الجمعة 9 سبتمبر 2022

تخيلوا معي لخمس دقائق أنكم تعيشون داخل غرفة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار، لا تكفي حتى لتمديد أجسادكم، أضيق من خطواتكم وتردد صدى أنفاسكم.

أغمضوا أعينكم وتنفسوا في غرفة لا تدخلها الشمس أو الهواء، موصدة بباب ثقيل ثقل الزمن الذي يمر دون حساب، تضيع النهارات فيها والليالي، صيفها جحيم وشتاؤها برد الجليد في المدن المهجورة، وأعماركم مهدورة فيها تحت سلطة سجان، هو نفسه لا يعرف سببًا حقيقيًا للقسوة التي يمارسها عليكم.

هل تحتملون الفكرة ولو في خيالكم؟ هي أقسى من احتمالها ولو في صورة خاطر.

رغم ذلك هناك آلاف تنقضي سنوات أعمارهم في كابوس، لا يرون غيره كلما فتحوا أعينهم في الصحو أو المنام. كابوس دائم، يبتلع الأحلام والقدرة على الإيمان بأن الغد قد يكون أفضل.

يصف المُلهم نيلسون مانديلا سنوات سجنه الطويلة داخل الحبس الانفرادي، قائلًا "إنه لا توجد نهايات ولا بدايات، ليس لديك سوى عقلك الذي يبدأ بخداعك، وتبدأ بالتساؤل هل كان ذلك حلمًا أم أنه قد حدث بالفعل؟ وتبدأ بالتشكيك في كل شيء"، وهو وصف يذكرني بما قاله علاء عبد الفتاح عن السجن أيضًا "يريدونني أن أكون مقهورًا لدرجة أن أتلاشى، وحقيقة لا أعرف كيف سينتهي هذا الأمر".*

سنوات السجن لا يعوضها العمر القادم، تظل فراغًا خاويًا تتردد فيه صدى صرخاتهم تحت سوط الجلاد

تتشابه تجارب القسوة والحرمان من الحرية في كل زمان ومكان. الظلم واحد مهما تعددت الأسباب. لم يعتقل مانديلا الذي سجنه نظام الفصل العنصري لمدة سبعة وعشرين سنة لأنه قاتل أو مجرم حرب، كما لم يعتقل علاء عبد الفتاح والآلاف غيره في السجون العربية لأنهم ارتكبوا مذابح على مرأى ومسمع من العالم في وضح النهار ونقلتها شاشات التلفزيون.

يُعاقبون على خيارات أقل ما يقال فيها إنها أحلام تقارب المثالية في عالم يسود فيه الطغاة أنصاف الموهوبين مجانين العظمة الأشقياء. أو لأنهم عشقوا الأمل ونذروا أعمارهم كي يسود العدل. أمل بمثل امتداد طوابير الأمهات أمام السجون لزيارة محتملة ولقاء لا أحضان فيه. إذ يخشى السجان من أن تحرقه حرارة التقاء الأجساد وحضن الأبناء والأمهات.

عندما خرج أصدقاؤنا من سجون الاحتلال الإسرائيلي بعد دحره في لبنان، كانت سنوات الحبس بادية على ملامحهم، العمر مر عليهم مختلفًا، كلنا كبرنا، لكن المعاناة رسمت ملامحهم. في عيونهم تجلت فرحة الحرية لكن في قلوبهم غربة عن كل ما فاتهم؛ أطفالهم الذين كبروا وصاروا شبابًا في غيابهم، أمهاتهم الذين ماتوا دون وداع، وحبيبة انتظرت إلى أن ملت الانتظار وفقدت الأمل.

سنوات السجن لا يعوضها العمر القادم، تظل فراغًا خاويًا تتردد فيه صدى صرخاتهم تحت سوط الجلاد. استقبلناهم بالورود لكننا لم نملأ الفراغ بالعمر الذي مضى. كان يكفيهم شرفًا أنهم خسروا سنواتهم لأنهم تصدوا لمحتل غاصب، لكن المأساة تكون مضاعفة وأنت سجين في وطنك.

يتحدى المغني السوري سميح شقير السجان بالقول "عتمك رايح ظلمك رايح نسمة بكرا ما بتنساني". هذا حقيقي، يجيء الطغاة ويرحلون، وتظل معاني الحرية مستمرة. ولكن كيف نضمن أن الأعمار خلف القضبان لم تذهب سدى؟ وكيف يمكن لنا أن نكون على مستوى التضحيات التي قدموها نيابة عنا جميعًا، نحن الذين مهما قاسينا، نبيت في حضن أطفالنا وأحبائنا؟

أغنية هي يا سجاني لسميح شقير


لكم يعز عليَّ أن أقرأ نصًا لمعتقل رأي سابق يحكي عن معاناته بعد السجن، التي لا تختلف عن معانته وهو فيه. يبحث عن عمل ومصدر قوت لأبنائه، عن فرصة ويد تمتد إليه فتسكن القلق الذي تركته سنوات الوحدة بداخله. وأتعجب كيف ترك وحيدًا. هل عجزنا عن المساعدة وشلت أيادينا؟

كي لا تناسهم نسمة الغد القادم ويصبحون غيابًا ضاع في النسيان، علينا أن نتكاتف على العون لتأمين ولو الحد الأدنى لهم من الإحساس بالأمان. المعتقلون معظمهم يخرجون من السجون وقد خسروا مصادر رزقهم، ومنهم من خسر أيضًا أسرته وحلمه بتكوين عائلة أو باستكمال دراسته. يُحارَبون للقمة عيشهم إمعانًا في التعذيب حتى خارج أسوار السجن.

لا يجب أن نعتمد على الأيام وحدها لمداواة الجراح ومساعدتهم على النهوض والاستمرار بالحياة. يجب أن نفكر بعقل جمعي لإيجاد طرق نرد إليهم ولو جزء من الجميل في رقابنا.

في عالم مثالي أتمنى أن تقام المشاريع القادرة على استيعاب قدراتهم، أن نساعدهم بخلق الفرص لهم، وأن نعنى بإعادة تأهيلهم. لأننا نغفل وعن حسن نية، أن المعتقل الذي يسترد حريته بعفو يصدر عن السلطة المعنية، يكون في أمس الحاجة إلى استعادة توازنه النفسي، وإلى الوقت الكافي للتعافي من الصدمة وأثارها. لا تخَدَعنّا الابتسامات على وجوههم لحظة خروجهم من بطن الغول، فهم يُخفون خلفها الخوف من القادم المجهول.

لا شيء في الدنيا يستطيع تعويض أم حرمت من ابنها وأب حرم من ولده وعاشق حرم من حبيبته وصبية حرمت من مستقبلها. لكننا على الأقل نتعهد بألا نتركهم وحدهم. لا يجب أن نتركهم وحدهم، قدرهم كان أن يدفعوا الثمن عنا جميعًا، وواجبنا أن ندين إليهم بالفضل. أن نكتب عنهم، أن ننشر قصصهم في كل مكان، أن نخبر عنهم الأصدقاء الجدد في سهراتنا وأن نرفع قضياهم على كل منبر وفي كل صرح.

وأردد مع العظيم صلاح جاهين، "كان وعد منك كان حلم منا"، فلا الوعد انقضى ولا الحلم مات، إنها مسألة وقت فقط. فليس لنا سوى الأمل والصبر سمة الحالمين.

عزيزي السجان، من السهل جدًا أن تكون طاغية، تحكم بالدم والنار، يكفيك بعض الشر كي تتقن ذلك الدور، لكن من الصعب أن تحلم، أن تقاوم وأن تحافظ على إنسانيتك وإيمانك بأن الحرية حق للبشر، وبأن الكرامة والعدل فيهما خلاص البشرية. وكم من الصعب أن تنام ليلًا وأنت تشعر بالرضى، وهذا يكفي حتى الآن.  


*من مقابلة مع وكالة فرانس برس- 2019.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.