AP Photo/Julia Demaree Nikhinson
عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عبدول السيد يتحدث إلى الناخبين عشية الانتخابات في ديترويت بصبحة زوجته سارة جوكاكو، 4 نوفمبر 2026

هوامش على دفتر نكسة الجمهوريين

منشور الخميس 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2026

تناولت وسائل الإعلام حول العالم الموجة الزرقاء التي عصفت بولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجعلت منه "بطة عرجاء"، بعد أن حقق الحزب الديمقراطي انتصارات تجاوزت المتوقع في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي وحكام عددٍ من الولايات عن انتصارات.

ومع التحليلات المطولة التي تناولت أثر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما نجم عنها من ارتفاع جنوني في أسعار الوقود، على شعبية الجمهوريين؛ حملت النتائج على أرض الولايات المتحدة ما هو أبعد من خسارة الجمهوريين. 

فإلى جانب اتساع الاعتراض على سياسات ترامب، برزت قضايا كانت حتى وقت قريب على هامش المنافسة الانتخابية، أبرزها التوسع في مراكز البيانات ونفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى. كما حملت الانتخابات انتصارات تاريخية لنساء ومنتمين إلى أقليات عرقية ودينية.

لكنّ هذه التحولات لا تعني أن الولايات المتحدة تتجه بصورة متجانسة نحو اليسار، أو أن التغير الديموغرافي وحده يفسر النتائج.

فواتير "ذكاء" إيلون ماسك

كانت مراكز البيانات التي تعتمد عليها صناعة الذكاء الاصطناعي من أبرز قضايا هذه الانتخابات، وحملت سؤالًا مباشرًا عمَّن يتحمل تكلفة البنية التحتية التي تحتاجها شركات التكنولوجيا، ومن يجني ثمارها؟

على المستوى البيئي، تستهلك هذه المراكز كميات كبيرة من المياه لتبريد الخوادم، وأثارت في مناطق عدة مخاوف من الضغط على الموارد الجوفية والجداول المائية القريبة. كما ساهمت في رفع الضغط على شبكات الكهرباء، إذ تضطر شركات الطاقة إلى تطوير بنيتها التحتية لتلبية احتياجات تلك المنشآت، وهو ما يخشى السكان أن ينعكس على فواتيرهم، خاصة وأن شركات الكهرباء تضطر لتحسين شبكاتها لدعم تلك المراكز وتقسم التكلفة على سكان المنطقة بأكملها.

أما اقتصاديًا؛ فلم تقدم تلك المراكز فرص توظيف مناسبة لأنها على عكس المصانع تحتاج عددًا محدودًا من العاملين، كما أنها خفضت من أسعار المنازل في المنطقة المحيطة بها والمنازل السكنية في بلد يشكل العقار فيه أهم أصل مالي لدى كثير من الأسر. 

جميع الأسباب السابقة دفعت ناخبين ومسؤولين محليين إلى المطالبة بتقييد إنشاء المراكز أو إخضاعها لتنظيمات أكثر صرامة. وصوّت ناخبون في 10 ولايات على 41 إجراءً محليًا يتعلق بتنظيم مراكز البيانات، أغلبها يهدف إلى تقييد التوسع، إلى جانب تحركات محلية في مدن وبلديات عديدة وجاءت النتائج برفض شعبي كاسح لخطط توسع شركات التقنية الكبرى.

كانت تكساس من أبرز ساحات هذا الصراع، فهي مركز رئيسي لأنشطة إيلون ماسك، ومن بينها Space X وتسلا ونيورالينك، الشركة التي تطور رقائق تمكن الدماغ البشرية من التفاعل مع الذكاء الاصطناعي.

أنفق ماسك نحو نصف مليار دولار لدعم مرشحين ومنظمات جمهورية خلال الانتخابات. لم تقتصر هذه الأموال على تكساس، ولم تذهب كلها مباشرة إلى الحملات، إذ يشمل الإنفاق السياسي المساهمات في لجان العمل السياسي والإنفاق المستقل وغيرها من أشكال التمويل. إلا أن تكساس وحدها حصلت على 224 مليون دولار من هذه الميزانية الضخمة. 

لكنَّ هذه المبالغ لا تبدو كبيرة إذا ما قورنت بحجم مكاسبه تحت إدارتهم. فخلال الأشهر الخمسة الأولى لولاية ترامب التي تولى خلالها ماسك إدارة الكفاءة الحكومية، حصلت شركاته على عقود فيدرالية تجاوزت قيمتها 6.3 مليار دولار، شملت مشاريع دفاعية وصاروخية تابعة للبنتاجون.

وفي المقابل وعد المرشحون الديمقراطيون بالالتزام بتقييد انشاء المراكز والعمل على صياغة تنظيمات خاصة بالذكاء الاصطناعي وتقنينها، ففاز جيمس تالاريكو في سباق الشيوخ ليصبح أول سيناتور ديمقراطي يُمثِّل تكساس في واشنطن منذ عام 1988، كما فازت جينا هينوخوسا بمنصب حاكم الولاية لتطيح بالجمهوري جريج أبوت، لتكون أول امرأة من أصل لاتيني تصل إلى هذا المنصب.

أول سيناتور مسلم

سيظل عبدول السيد أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ الأمريكي بعد فوزه بمقعد ولاية ميشيجان في انتخابات ساخنة ركزت حملته خلالها على الرعاية الصحية وتكلفة المعيشة والحد من نفوذ الشركات الكبرى، إلى جانب مواقفه المناهضة للحرب الأمريكية على إيران وحربه ضد اللوبي الصهيوني الذي أنفق الكثير ليمنع معادٍ للصهيونية من الوصول إلى الكونجرس.

لكنه ليس أول سياسي مسلم يلفت الأنظار. فقد سبقه زهران ممداني، الذي انتُخب العام الماضي عمدة لمدينة نيويورك، ويعتبر اليوم من أكثر الساسة شعبية في الولايات المتحدة، ولكن الفارق الجوهري بينهما هو أن السيد، المولود في الولايات المتحدة، مؤهل دستوريًا للترشح للرئاسة، بخلاف ممداني الذي حصل على الجنسية بالتجنس.

وقد هاجم الرئيس الأمريكي ونائبه فانس عبدول مرارًا خلال الحملة الانتخابية بسبب هويته الدينية ووصل الهجوم إلى حد اتهامه بالتطرف والإرهاب دون تقديم دليل على هذه الاتهامات. بل إن فانس صرح أنه يود لو تمكن من محادثة جده وجدته ليخبرهم ما آلت إليه أمريكا بترشح عبدول الذي وصفه بأنه شرير للغاية.

وخلال خطابه الاحتفالي بالفوز بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميتشيجان، ذكّر السيد فانس مازحًا بأنه سيكون ملزمًا دستوريًا بتأدية مراسم تنصيبه. 

اللافت أن زوجتي عبدول وفانس تنحدران من أصول هندية. لكن بينما أخفقت أوشا فانس في إثارة إعجاب الأمريكيين بسبب صمتها في اللقاءات أو إجاباتها المرتبكة، رغم محاولاتها ارتداء ملابس بسيطة تشبه ما ترتديه نساء الطبقات الوسطى؛ حصدت زوجة عبدول الطبيبة سارة جوكاكو الكثير من التأييد والإشادة، بعد خطابها الوحيد الذي أعقب فترة صمت طويل حرصت خلالها على تجنب الانخراط في حملته علنًا، حتى بعد أن التعليقات السلبية على ارتدائها الحجاب.

ومع ذلك كله، فإن فوز السيد والمسلمين الستة الذين فازوا بمقاعد في مجلس النواب لا يعني اختفاء الإسلاموفوبيا من السياسة الأمريكية، بل يكشف التناقض بين تصاعد الخطاب المعادي للمسلمين وقدرة مرشحين مسلمين على تجاوزه بخطاب يركز على قضايا اقتصادية واجتماعية تشغل قطاعات واسعة من الناخبين، وقدرة الناخب على النظر لما هو أبعد من الدعاية العنصرية التى تبنتها الة الدعاية الترامبية في هذه الحملة. 

اسمرار أمريكا

يشير مصطلح اسمرار أمريكا/Browning of America إلى التحول طويل الأمد نحو وضع تصبح فيه الأقليات مجتمعةً غالبية السكان، مع تزايد أعداد الأمريكيين من أصول لاتينية وآسيوية وأفريقية ومتعددي الأعراق، بفعل الهجرة واختلاف معدلات النمو السكاني وتغير التركيبة العمرية. 

ويظل الجنوب الأمريكي الأكثر مقاومة للاسمرار بسبب تاريخه الطويل في العنصرية وملكية العبيد. إلا أن نتائج الانتخابات التجديد النصفي أوضحت تقبل الولايات في الجنوب للمنتمين للأقليات، فقد فازت الديمقراطية كيشا لانس بوتومز بمنصب حاكم جورجيا، لتصبح أول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة لأي ولاية أمريكية. 

وفازت جينا هينوخوسا بمنصب حاكم تكساس، لتصبح أول حاكمة من أصول لاتينية في تاريخ الولاية، وأول حاكم ديمقراطي فيها منذ أن تولت آن ريتشاردز المنصب بين 1991 و1995. وخارج الجنوب، أصبحت ديب هالاند، المنحدرة من شعب لاجونا بويبلو، أول امرأة من السكان الأصليين تتولى منصب حاكم ولاية نيو مكسيكو.

رأى بعض المحللين صعود مبدأ أمريكا أولًا وانتخاب ترامب علامة على مقاومة البلاد لاسمرار أمريكا بعد رئاسة باراك أوباما كأول رئيس من أصول إفريقية، لكن يبدو أن البلاد تعدل المسار فالمستقبل يحمل العديد من الألوان، إذ يتوقع مكتب التعداد الأمريكي أن أغلبية البيض في الولايات المتحدة ستنتهي بين عامي 2040 و2045.