ما تبقّى من يناير في غرفة أخبار "مدى مصر"
في مقالها العودة إلى الهوامش، المنشور بتاريخ 28 يونيو/حزيران 2013، روت لينا عطا الله كيف حاولت في ساعة متأخرة من الليل إزالةَ ملصق أُلصق بسيارتها أثناء مرورها باعتصام مؤيد للجيش أمام وزارة الدفاع. دعا الملصق إلى النزول في 30 يونيو بلغةٍ تستحضر شجاعة الاحتجاج التي عرفتها في يناير/كانون الثاني 2011.
كان مأزق لينا يتعلق بالموقع المتاح لمن يعارض الطرفين؛ في لحظة تدفع فيها التعبئة ضد أحدهما إلى تأييد الآخر. انتهت إلى التفكير في العودة إلى الهامش الذي نشطت فيه مجموعات من الحركة الثورية قبل يناير، ومواصلة العمل من هناك، فالاحتفاظ بموقف مستقل بات يقتضي قبول الابتعاد عن مركز الحشد، والبحث عن شكل للعمل يسمح باستمرار الاشتباك مع ما يجري.
بتاريخ 30 يونيو 2013، عقب يومين من مقال لينا، بدأ مدى مصر في النشر . وبعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا من العمل في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قضت محكمة جنح القاهرة الجديدة بتغريم رئيسة تحريره ثلاثة ملايين جنيه وإغلاق الموقع في قضية تشغيله دون ترخيص. بين التاريخين، حاولت المؤسسة منح الموقف المستقل مكانًا للعمل في سنوات ضاقت فيها مساحات المشاركة السياسية والعمل العام.
في نقاش عُقد عام 2018 ونُشرت تفاصيله في العام التالي، شرحت لينا أسباب اتخاذ قرار إطلاق مدى، رغم عدم اكتمال الاستعدادات. كان رفض الانحياز إلى الإخوان أو السلطة الجديدة يُعامل، حسب وصفها، بأنه غياب للموقف. أراد الفريق أن يكون حاضرًا عبر رصد الأحداث وتوثيقها، في وقت كانت فيه هناك وقائع لا تحظى بالتغطية، أو تُقدَّم من خلال رواية واحدة، بذلك منحهم العمل الصحفي وسيلةً للمشاركة من موقع بدا وسط الاستقطاب عاجزًا عن الفعل.
من هذا المنطلق تُظهر تجربة مدى كيف يمكن للخبرات والعلاقات أن تستمر بعد هزيمة الحركة السياسية التي تشكلت في سياقها. فقد تتراجع القدرة على التعبئة والتأثير في الحكم، بينما يواصل بعض الفاعلين العمل معًا. ومن هذه الزاوية تتصل التجربة بتاريخ يناير وهزيمتها، وبمحاولة الحفاظ على مكتسبات وخبرات المبادرة والعمل المستقل بعد انحسار الحركة التي أتاحت لهم اختباره.
بيت جديد لممارسة قديمة
استندت قدرة مؤسسي مدى على بناء مؤسستهم إلى خبرات مهنية وعلاقات زمالة راكموها قبل إطلاق الموقع. فقد جمعهم العمل في إيجيبت إندبندنت، التي أنهت المؤسسة المالكة عمل فريقها في 2013. وفي حوار أُجري خلال ذلك العام ونُشر لاحقًا في موقع حبر، وصفت لينا ما أرادوا إنقاذه بأنه ممارسة صحفية فقدت المؤسسة التي تستوعبها.
تأسس مدى كمحاولة لإيجاد بيت جديد لهذا العمل يحمل إليه الصحفيون ما تعلّموه معًا. كان يمكن لفقدان الوظائف أن يفرّق الفريق بين مؤسسات ومشروعات فردية، لكن الاحتفاظ بالعمل المشترك احتاج إلى موارد واستعداد لتحمل المخاطرة.
وتوثق دراسة نشرتها The Century Foundation عام 2017 استخدام بعض المؤسسين جزءًا من تعويضات نهاية خدمتهم لبدء المشروع، فالحفاظ على استقلالهم المهني ارتبط في تلك اللحظة بتخصيص جزء من أموالهم لبناء المؤسسة التي ستتيح لهم مواصلته.
أضاف التأسيس إلى عمل الصحفيين مسؤوليةَ تعلّم إدارة المشروع وتدبير موارده، فالرغبة في مواصلة الصحافة التي يعرفونها حملتهم على أداء مهام تتجاوز إنتاج الأخبار والتحقيقات، لضمان وجود المكان الذي ينتجها.
في صفحته التعريفية المحدّثة عام 2019، يضع مدى الملكية الجماعية والمساءلة ضمن القيم التي يسعى إلى بناء نموذجه حولها. ويربط هذا التصور استقلال المؤسسة بمشاركة العاملين فيها في توجيه المشروع الذي يجمعهم. وكانت دراسة The Century Foundation قد سجلت صعوبات الجمع بين الإدارة الجماعية والحاجة إلى حسم الخلافات وإنجاز العمل، فالتنظيم الذي يطمح إلى المساواة يضم أشخاصًا تتفاوت خبراتهم ومسؤولياتهم، ويحتاج أحيانًا إلى اتخاذ قرارات لا تحظى بإجماع.
خبرة تعبر الأجيال
تنتقل الخبرة المتراكمة داخل المؤسسة عبر العمل مع محررين متمرسين، أو عبر التدريب على البحث والتحقق والتعامل مع المصادر. ويضع مدى ضمن أنشطته تدريب الصحفيين الشباب والراغبين في دخول المهنة في أنحاء البلاد، ليستطيع من لم يخض تجربة يناير أن يستفيد من هذه المعرفة، وأن يتعلم ممارسة الصحافة المستقلة من دون أن ينتمي إلى جيل المؤسسين أو يتبنى هويته السياسية.
حين يستخدم الصحفيون الذين يلتحقون بمدى مصر بعد جيل المؤسسين هذه المعرفةَ في تناول موضوعات جديدة، ويضيفون إليها طرقهم الخاصة في البحث والكتابة، تتطور الخبرة التي تلقّوها. هكذا تحتفظ المؤسسة بما تراكم لديها من معرفة وتجارب، وتتيح في الوقت نفسه إنتاج صحافة تتناول قضايا لم تكن مطروحة عند تأسيسها.
ومن خلال انتقال هذه الخبرات وتطورها، تستمر صلة المؤسسة بثورة يناير، ويصبح ما نشأ في سياقها متاحًا لأجيال جديدة من الصحفيين لم تشارك في الثورة، ولا تملك ذكريات شخصية عنها، لكنها تستطيع الاستفادة من إرثها والإضافة إليه.
وتقدم مقابلة لينا مع Columbia Journalism Review في سبتمبر/أيلول 2022 مثالًا على هذا التجدد؛ بعد التحقيق معها ومع زميلات لها، تحدثت عن عودة الفريق إلى العمل، وعن سعادتها بإنجاز تحرير مادة معقدة عن الهيدروجين الأخضر. في العودة إلى ذلك الموضوع استمر البحث والتعلّم وإتقان المهنة رغم الملاحقات التي تستنزف الوقت المخصص لها.
يتصل الدفاع عن المشروع هنا بقدرته على اكتشاف موضوعات جديدة وتطوير طرق تناولها. لكي يتحول هذا العمل إلى ممارسة يمكن تكرارها وتعليمها، يحتاج الصحفي إلى زملاء يراجعون مادته، ووقت مخصص للبحث، وعلاقات مستقرة نسبيًا مع المصادر.
كل هذه الشروط تسند بالطبع إلى الشجاعة التي يتطلبها النشر حين تكون له عواقب، وتساعد على تحويل المبادرة الفردية إلى عمل قابل للاستمرار. ومن انتظام هذه العلاقات تتكون القدرة الجماعية على إنتاج الصحافة وتعليمها لمن يلتحقون بالمؤسسة لاحقًا.
حدود البقاء
تستطيع المؤسسة الصحفية كشفَ الظلم وتوسيع المعرفة به، بينما يحتاج تغيير العلاقات التي تنتجه إلى قوة اجتماعية منظمة. وقد يجتمع قراء على الثقة في مادة صحفية مع اختلاف مصالحهم ومواقفهم السياسية، فلا تتحول تلك الثقة وحدها إلى اتفاق على مطالب مشتركة أو استعداد للتحرك لفرضها.
واجه مدى قيودًا تضيِّق فرص نموه وتأثيره، حتى حين نجح في مواصلة النشر. في المقابلة مع Columbia Journalism Review، وصفت لينا موقع مدى بأنه هامشي، وربطت ذلك بالحجب منذ 2017، وتحدثت عن وقت تستهلكه القضايا والمداهمات على حساب تطوير العمل، فالدفاع عن وجود المؤسسة يستزف جزءًا من الطاقة التي تحتاج إليها لتوسيع تغطيتها والوصول إلى قراء جدد.
مع هذا الاستنزاف، يصبح تفادي خسارة أخرى نجاحًا في حد ذاته، ويتراجع الوقت المتاح لاختبار موضوعات جديدة وتوسيع دائرة العاملين والقراء. فإذا استهلك الدفاع عن الوجود معظم طاقة المؤسسة، أمكن لآثار الهزيمة أن تستقر داخل إيقاع عملها حتى وهي تواصل النشر، والاحتفاء بالصمود وحده يغفل ما تفرضه هذه القيود على تطور المشروع.
قد تفقد المؤسسة أجزاء من خبرتها، وتعيد تشكيل ما تستطيع الاحتفاظ به لكي تواصل العمل، وبالضرورة ينتقلُ أثر هذا الفقد والتغيير إلى القادمين الجدد، بجانب المعرفة التي يمكنهم استخدامها وتطويرها. وتتوقف إمكانات التجدد على ما يستطيعون فعله بهذه الخبرة في ظروفهم، وعلى اختياراتهم في مواجهة مشكلات تخص زمنهم. ويستطيع ما تراكم داخل المؤسسة أن يسند أفعالًا جديدةً، من دون أن يحدد وجهتها أو يضمن نتائجها.
ما يقطعه الإغلاق
يهدد الحكم بإغلاق مدى علاقات العمل التي يقوم عليها المشروع الصحفي. فتعطل المؤسسة وتفرّق العاملين فيها يجعلان استئناف التعاون بينهم أصعب، كما تبددان الثقة التي تحتاج إلى ممارسة متكررة بين الصحفي والمحرر والمصدر. يطول أثر الإغلاق بذلك قدرة الفريق على إنتاج معرفة جديدة، ونقل خبرة هذا العمل إلى من يأتي بعده.
لقد دفع انقطاع تجربة Egypt Independent الفريق إلى إعادة تجميع خبراته في مدى مصر، ويضع الحكم الأخير المؤسسة أمام خطر انقطاع آخر، يتراكم فوق الخسارات التي سبقت تأسيسها ورافقتها. فإعادة بناء ما يتعطل تستهلك وقتًا وجهدًا كان يمكن تخصيصهما لتطوير العمل، وتؤخر ما يستطيع القادمون إضافته.
إن الدفاع عن مدى مصر هو أيضًا دفاع عن حق العاملين فيه ومن سيأتون بعدهم في مواصلة التجربة وتغييرها، بما يشمل مراجعة أخطائها وإنتاج ما لم ينتجه مؤسسوها. احتاج الاحتفاظ بموقف مستقل في 2013 إلى مؤسسة يستطيع فيها الصحفيون العمل معًا، وحمايتها اليوم تضمن استمرار العمل المشترك وتطويره، بما يمنح من لم يعيشوا يناير فرصة للبناء على الخبرة التي تراكمت داخلها، وصنع عمل يخص زمنهم.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.