IMDB
لقطة من فيلم 451 فهرنهايت، 1966

فصول من يوم قيامة الأدب

منشور السبت 24 تشرين الأول/أكتوبر 2026 - آخر تحديث السبت 24 تشرين الأول/أكتوبر 2026

أتخيل "يوم قيامة الأدب"، يومًا لا تغرب فيه الشمس، تنفض الكتب والنصوص والمخطوطات التراب عن جسدها، وتُبعث من قبورها التاريخية: خزائن المكتبات، وكراتين مخبأة تحت الأسِرَّة، أعلى الدواليب، أرصفة الشوارع الجانبية، أو مكتبة بابل التي تخيلها بورخيس كونًا لا نهائيًا يشبه المتاهة، من الكتب والقاعات والغرف، والأرفف.

ملايين ملايين ملايين الكتب شاخصة بعيونها لأعلى تنتظر ساعة الحساب، يتصبب عرقها، تسيل أحبارها، التي حملت بصمة أسلوبها، تتكون بحيرة كبيرة من الحبر، تطفو فوقها -عكس قانون الطفو- الكتبُ الناجية ثقيلة المعرفة، وتغرق الكتب المنفوخة بالهواء، فالطفو والغوص من وسائل الحساب لهذا اليوم، بجانب سير الكتب على خيط رفيع، واحدًا وراء الآخر، بين الجنة والنار.

شبكة بث كونية تبث هذا اليوم الطويل على الهواء مثل فيلم The Truman Show. ربما يكون يومًا، أو عقدًا، أو عصرًا بكامله، تستعيد فيها الكتب والنصوص والمخطوطات ذاكرتها من رماد النسيان، أو المصادرة، أو الحرق، أو التجاهل، وفي حضور مؤلفها، كأحد الشهود، ولكنه لا يملك -في هذا اليوم الكرنفالي- سلطة عليها كما كان في حياتها.

ست شخصيات تبحث عن مؤلف

في هذا اليوم المشهود، هناك فصل تعترف فيه الكتب على نفسها، كما تعترف أعضاء الجسد على خطايا صاحبها، وتخون عهد العيش والملح. الجزء يعترف على الكل، لتظهر الحقيقة كأشلاء ضد أي وحدة. تعترف اليد والعين واللسان، وكل الجوارح على مؤلفها/صانعها. موقف قريب من مسرحية لويجي برانديللو باسم ست شخصيات تبحث عن مؤلف. 

تدور الأحداث حول مسرحية تُمثَّل داخل مسرحية، حيث تقتحم عائلة مكونة من ستة أفراد خشبة المسرح، وتطلب من المخرج أن يحكي حكايتها، ويبدأون بالفعل في سرد حكايتهم -التي تتطور أحداثها بمرور الأيام- بطريقتهم الخاصة التي لن يرحب بها المخرج، الذي يرى أن حكايتهم عن أنفسهم -مهما كانت صادقة- لا تعبر عن حقيقتهم، فالإيهام بالنسبة له أهم من الحقيقة.

هذا التعارض بين الرؤيتين يعري تلك اللحظة الخام الفارقة في علاقة الكاتب/المخرج بأبطاله، ومدى رضاهم عن مصيرهم. يحوِّل بيرانديللو خشبة المسرح إلى ساحة خلق لحكاية الإنسان ومصيره معًا. يُمنح فيها الأبطال خط رجعة، ومحاولة ثانية لرواية حيواتهم كما يأملون.

أبطال الكتب مهما كان جحيم إحساسهم بالظلم من حياتهم الرمزية فإنهم يُمنحون فرصة بالتمرد على هذا المصير الذي قرره المؤلف، كما في ست شخصيات تبحث عن مؤلف، فيوم قيامة الأدب له حس كرنفالي يعتمد على الإيهام، يشبه المسرح داخل المسرح. 

يملك أبطال الكتب الحق في الدفاع عن أنفسهم، وإعادة المحاولة مرة أخرى، مهما كان الحكم عليهم، هناك خط رجعة. جحيم أبطال الكتب وجنتهم رمزيان، وكائنان داخل حيواتهم المكتوبة نفسها: جحيم الانصياع للمصير الذي رسمه المؤلف، أو جنة التمرد عليه.

في فصل آخر من فصول هذا اليوم المشهود، سنرى ماذا فعل الشيطان، كأحد أبطال حكاية الفردوس المفقود لميلتون، بحرية التمرد التي منحها له الإله.

مخطوط إمبرتو إيكو

في هذا اليوم المشهود، تمتلك الكتب لسانًا، وذاكرة. تتحول إلى شخصيات إنسانية، كما في فيلم Fahrenheit 451 لفرانسو تريفو، الذي يحكي عن نظام ديكتاتوري، يأمر بحرق الكتب، فيعمد أشخاص إلى حفظ الكتب التي تحمل وتوثق تراث الإنسانية الثمين حتى لا يضيع. يتحول الإنسان إلى نسخة من الأصل المكتوب خوفًا على هذا الأصل من الفناء، أو الحرق أو المصادرة أو الضياع في ظل رقابة أنظمة الحكم الشمولية.

في هذا اليوم، رغم العلاقة الأبوية المتوترة بين المؤلف وأبطاله، كما في مسرحية بيرانديللو، تأخذ الكتب، وأبطالها، صورة مؤلفيها، فلن ترى النور إلا من خلالهم، بسبب التشابك النفسي العميق بينهما. تدخل تحت جلده، وهو يدخل تحت جلدها، ومسافاتها البيضاء، وهوامشها. ورغم تمردها، لا تزال تودع في أبيها الروحي هذا ثقتها كاملة، فهو القارئ الأول لبصمة وجودها، والشاهد على حياتها والمطلع على كينونتها.

يعتبر فيلم ترفو أحد أشكال الديستوبيات الأدبية، كل شخص يحفظ كتابًا يأخذ اسمه، ويعيش الكتاب ويتناسخ وتتناسخ سلالاته من خلال هذه الذاكرة الإنسانية، ربما أيضًا تكمل، هذه الذاكرة، رحلتها في الآخرة لتعدل أفكار مؤلفها عنها، كأنها تُبعث من جديد داخلها.

في هذا اليوم، تكشف الكتب أسباب وملابسات حرقها، وأزمات عصرها، توجه دفاعها ليس فقط لهيئة المحكمة المشكلة من مجموعة من النصوص والكتب العلامات والمخطوطات التي تشغل مقاعد القضاة، بل للضمير الإنساني أجمع الذي يمثله هذا التجمع الكوني، لتدين هذه العصور الظلامية التي بترت حياتها.

هناك مخطوطات كانت تضلل زمنها وعصرها الظلامي، بوضع أحجبة على قراءتها وجوهرها المتسامح شديد الإيمان والحب للآخر المختلف، عكس أجواء العصر، حتى لا تنتهك كما في حكاية المخطوط المفقود في رواية اسم الوردة لأمبرتو إيكو.

صحافة التسلية

لا توجه الكتب دفاعها لهيئة المحكمة فقط، بل تنظر في أعماقها وتراجع تاريخها، فلم تعد تخشى أن تكون محبوبة أو منبوذة، أمام هذا التجمع الكوني. هناك الكتب التي أخذت أكثر من حقها شهرةً وتقديرًا وتأثيرًا في ذائقة أجيال، والكتب التي تحايلت ولم تصب قلب الحقيقة، أو تلاعبت بها، وغيرت أسلوبها، بحثًا عن المتعة السهلة، مثل عصر المنوعات وصحافة التسلية في رواية لعبة الكريات الزجاجية لهيرمان هيسه. والكتب التي اختصرت الطريق ولم تكمل مغامرة المعرفة، واسترخت ونما لها كرش الكسالى. والكتب التي لم تر الأدب طرقًا متقاطعة، ذهابًا وإيابًا، بل اتجاهًا واحدًا بلا رجعة. والكتب التي كانت تسابق أسئلة عصرها، لأن إحساسها بقرب القيامة كان ملحًا.

هناك فصل لبوح الكتب المنسية، لم يتوقع أحد نجاتها يوم القيامة، تلك التي كانت تغلف مأساتها بالضحك والسخرية، أو سلكت طريق الإيهام حتى لا تشي بالمأساة وتجعلها مقبولة. أيضًا بوح كتب السير الذاتية، خصوصًا لمن كانت عصورهم فارغة من الأحداث الكبرى التي تقفز بالسيرة والكتابة قفزة نوعية، كانت نيتها أن تكون مرآة عاكسة، يرى فيها الناس حياتهم وأنفسهم، وتمنحهم بعض المواساة، والأمل، والحب.

جحيم ميلتون

ربما تستعير المحكمة ميزان القلب من محكمة أوزوريس، حيث يوضع قلب الكتاب في كفة ميزان، والكفة الأخرى ريشة ماعت إلهة الحق والعدل عند القدماء. وعندما يطب قلب الكتاب، المتخم بالذنوب والآثام، يذهب لعالم الآخرة السفلي، بكل وحوشه ومخاوفه، ومن كان قلبه خفيفًا، يذهب لحقول أوزوريس الخضراء حيث الجنة.

ربما الكتب التي انحرفت عن الصراط، وسقطت في الجحيم، لها خط رجعة أيضًا، فالعذاب في يوم قيامة الأدب ليس أبديًا. في حجيم ميلتون في فردوسه المفقود، يستغرق إبليس وأتباعه من الملائكة المطرودين من الجنة في نقاشات ومداولات من أجل إيجاد طريقة للخروج من بحيرة النار. بعد مشاورات مطولة بينهم يتفقون على أن يحاربوا الإله الذي أخرجهم من الجنة، فيتفقون على إغواء هذا المخلوق الجديد المسمى آدم، المنافس الوحيد لهم، ويتولى إبليس مهمة الإغواء، ويتجسد في هيئة ثعبان ويدخل الجنة حيث آدم. كان الجحيم مكانًا للنقاش، وليس النهاية، لإعادة المحاولة للخروج منه، كي يعودوا للجنة التي خرجوا منها.

هناك فصل في هذا اليوم للكتب المحايدة، التي لم تسقط من على الصراط، سواء ناحية الجنة أو النار، فكتب عليها العودة إلى الحياة مرة أخرى، كما عاد الشيخ عليش بطل قصة توفيق الحكيم الرمزية طريد الفردوس الذي تساوت حسناته مع سيئاته يوم الحساب، فلم يجد له مكانًا في الجحيم أو الجنة، فيصدر قرار بعودته إلى الدنيا عدة أيام ثم إعادة حسابه مرة أخرى.

المؤلف الأصلي

هناك فصل يخص السرقات الأدبية. نظريات في الحياة كانت تبرر السطو، هذا الخيط الرفيع بين الإبداع والسرقة، بوصفه جزءًا من الإبداع. سيعترف الكتاب المسروق على صاحبه وعلى نفسه، ويتفكك إلى أشلاء تعود إلى نصوصها الأصلية، التي انحدرت منها.

صفوف من الكتب الأصلية، والمسروقة والمنتحلة، تنتظر الحكم على أصالتها أو إدانتها. دائمًا الأصل يثير التساؤلات، نقطة البداية التي لا تنفصم، فالكتب المنسوخة أو المولدة أو المتناصة لا يفارقها شبح هذا التوأم المسمى بالكتاب الأصلي. حتى الاعتراف، بالسرقة، لا ينفي أن هناك أصلًا واحدًا تناسلت منه سلالات الكتب والأفكار، التي تحولت بدورها إلى نص واحد مهما تعدد مؤلفوه وأساليبه، وأشكاله ونوعه الأدبي.

ربما تصرخ إحدى الشخصيات الأصلية في تاريخ الأدب مثل فارتر لجوته، وترسم مسار تحولها من زمن لآخر، ومن نص لآخر، وتشرح بدقة كيف تسربت في روح شخصيات أخرى، ولكنها لا تدين أحدًا، فلولا هذا الاستنساخ لما نمت شجرة المعرفة، ولم تكتسب النفس الإنسانية ثخانة عبر هذا التقمص.

عبر هذا الفصل من يوم قيامة الأدب يقف هذا المؤلف المخضرم، بوصفه أحد أعضاء المحكمة، مبهوتًا وهو يرى شبحه يذوب ويتداخل مع أشباح كل المؤلفين. تنهار ذاتيته، وهو يرى أفكاره -رغم أصالتها- تخونه وتنسب نفسها لأصول أسبق منه، وربما تالية عليه. ربما يتقلد -مرغمًا- شبح مؤلف الظل، ناكرًا لذاته إلى الأبد، ويعود إلى حالته الشبحية، عندما كان يكتب اسمًا آخر على غلاف كتبه، مثل فرناندو بيسوا الذي كان يكتب مستعيرًا اسم ريكاردو ريس، الفارو دي كامبوس، وألبرتو كاييرو، وغيرها من الأسماء المستعارة التي سميت بالأنداد الأدبية.

كان بيسوا يلعب بذاتيته كمؤلف، يغامر بها، يكتب لغيره وباسم غيره، ويتحول إلى آخر في كل نص، أو كتاب يكتبه، بينما مؤلفه الأصلي يحيا هناك في سلالة الكتب والأفكار والحبكات التي قرأها.