تصميم: يوسف أيمن - المنصة
نجيب محفوظ

نوبل في الآداب.. سجال العرب حول جائزة تجاهلتهم طويلًا

منشور السبت 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026

قبيل إعلان الفائز بجائزة نوبل في الآداب من كل عام، ينخرط المثقفون العرب في نقاش حول أهلية الأدب العربي للظفر بها؛ من يستحقها من كتابنا، وما إذا كانت اللجنة التي تختار الفائز يعنيها ما يكتب بالعربية، ثم ينشغل أغلبهم في طرح اسم الشاعر والمفكر أدونيس باعتباره الأقرب إليها الآن من بيننا، بعدما رحلت عن دنيانا الجزائرية آسيا جبار التي كانت ترافقه في رهاناتنا بل أمنياتنا السنوية، التي ظلت تتبدد على مدار 38 عامًا منذ فاز بها نجيب محفوظ سنة 1988.

يتخلل هذا النقاش، أو تلك الثرثرة، نوع من جلد الذات، كأن الكُتَّاب العرب توقفوا عن إبداع الشعر والقصة والرواية والمسرحية والنصوص عابرة الأنواع، والأدب غير الخيالي، علاوة على كتابة السير الذاتية والغيرية والترجمة والدراسات المنتمية إلى علم اجتماع الأدب أو تاريخ الأدب، وكأن الجامعات العربية ليس بها مختصون بارزون في النقد الأدبي والثقافي والأدب المقارن.

لكن العارفين بطبائع الأمور يقلعون عن الغرق في هذا الأسى المتكرر، ويعيدون الأمور إلى أسبابها أو عللها الحقيقية، فجائزة نوبل تُعطى لأديب واحد كل عام، ولا يمكن الاستسلام لأكذوبة أن العالم كله ليس فيه سوى صاحب قلم واحد يكون جديرًا بها. هناك أدباء عظام على مدار تاريخ الجائزة لم يحصلوا عليها، منهم الذين هم أعلى قيمة وأوسع انتشارًا وأعمق تأثيرًا من حاصلين عليها بالفعل. كما أن بعض حائزي نوبل يلفهم نسيانٌ بعد سنوات بتراجع حضور نصوصهم، بينما يزداد حضور غير حاصلين عليها، ويواصلون الإبداع دون انقطاع أو تراخ، بل إن بعضهم يجدد ويجود مع الوقت، فيضيف إلى رصيده الكتابي ما هو أفضل.

هؤلاء الذين لا يسقطون في جلد الذات يدركون أن في العالم العربي الآن كُتَّابًا لا يقلّون قدرةً وتُمكنًا عمن حصلوا على نوبل، بل إن بعضهم يتفوق على هؤلاء كمًا وكيفًا، وأن من الخطأ والخطل والتقصير أن نحصر الجديرين بالجائزة من العرب في كاتب أو اثنين أو ثلاثة قد لا تصل أسماؤهم وأعمالهم إلى لجنة نوبل بسبب حاجز اللغة عندهم، وليس لرداءة ما يبدعه الكتاب العرب.

المركزية الأوروبية

لا تقرأ لجنة الجائزة سوى بخمس لغات هي الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية والسويدية، رغم أن عدد الناطقين بالعربية يزيد عن الناطقين بثلاث لغات من هذه، وهم في نمو مستمر مع تزايد السكان في العالم العربي وإقبال مسلمين على تعلم اللغة العربية لأنها لغة القرآن، وكذلك مواطنين ينتمون إلى أديان وجنسيات أخرى يتعلمون العربية لأسباب اقتصادية ودبلوماسية ودراسية أو معرفية.

كما أن اللغة العربية من أغنى اللغات في الأرض إذا نظرنا إلى حجم مفرداتها، واقتراب أصواتها من التعبير عن أفعالها وأسمائها، وأجروميتها، وتعدد تراكيبها، وعمق بلاغتها، وقِدم وجودها، كما أنها رفدت العالم القديم بمفردات لا تزال سارية في أوصال اللغة الإنجليزية والفرنسية، وكثيرة في اللغة الإسبانية.

ينسى بعض جالدي الذات أن لجنة نوبل لا تقرأ بالصينية وهي اللغة الأولى في العالم من حيث الناطقين بها، ولا الهندية وهي في المرتبة الثانية من هذه الزاوية، ولا الروسية التي أخرجت للعالم أدباء عظام قبل الثورة البلشفية، فضلًا عن مئات الملايين من الناطقين بها. ومن هنا فإن إهمال العربية هو جزء من إهمال غيرها من اللغات، وليس إهمالًا للأدب العربي بالضرورة، أو تقليلًا متعمدًا من شأنه.

يقف العارفون في تحريهم للأسباب عند حاجز اللغة هذا، لا سيما في ظل ضعف الترجمة من العربية إلى اللغات التي تقرأ بها لجنة نوبل، ثم سوء اختيار ما يُترجم حيث يخضع في الغالب لعوامل أخرى غير جودة النصوص وقدرة كاتبها على الإبداع وسجله أو تاريخه في الكتابة ومكانته بين أهل لغته، فضلًا عن إصرار دور نشر وأكاديميات غربية على التعامل مع كتابات آدابنا كأنها مجرد وثائق اجتماعية وجزء من تعريف الأوروبيين بما عليه عيشنا، لا سيما قبل ظهور السوشيال ميديا، متجاهلين ما عليه بعض هذا الأدب، باختلاف أنواعه، من بزوغ فني، سواء في الشكل أو في المضمون.

الأصالة والتبعية

هناك من يُدخل في التقييم وضعنا الحضاري الراهن، أو ظروفنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وقد يكون على صواب، فيرى أن فرص فوز عربي بالجائزة تتراجع في ظل الاستبداد السياسي، والتخلف الاقتصادي، والاضطراب الاجتماعي، مع أن الفنون والآداب قد تزدهر في بيئة من هذا القبيل باعتبارها شكل التعبير المتحايل أو الموارب أو الحذر، الذي يتوسل به كثير من الأدباء حتى يتجنبوا أذى السلطة السياسية، أو الصدام المباشر مع التقاليد الاجتماعية، وأصحاب الرؤى الدينية المحافظة.

كما أن كثيرًا من الدراسات الغربية نفسها، سواء في علم اجتماع الأدب أو النقد الثقافي أو الأدب المقارن برهنت، في بعض الأحوال والأحيان، على أن الإبداع الأدبي قد يزدهر في ظل القمع والقهر، وإلا ما كنا رأينا إنتاجًا أدبيًا لافتًا في المجتمعات التي تحكمها سلطات مستبدة وشمولية، سواء  كانت عسكرية أو مدنية، في أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا.

هنا يقتضي الإنصاف مكافأة الكتاب الذين يعيشون ويبدعون في ظل هذه الظروف القاسية لا عقابهم، بتحميلهم أوزار السياق الذي يحيط بهم، خاصة وأن بعض هؤلاء يبذلون جهدًا في مشاركة بني وطنهم عبء مواجهة هذه الظروف، ومنهم من يمضون في خطر داهم جراء ما يكتبونه، أو ما يفعلونه باعتبارهم مثقفين عضويين، حسب تعبير الإيطالي أنطونيو جرامشي.

لا أعفي بعض الكتاب العرب من الانزلاق إلى كتابة ما يرضي "الآخر" أو يمعن في تقليده بدعوى أن هذا يُكسب كتاباتهم نزعةً عالميةً أو إنسانيةً، مما يُفقد أعمالهم الأصالة والرسوخ، متناسين أمرين مهمين؛ الأول هو أن التحدي الذي على أي كاتب حقيقي أن يواجهه هو نيل الاعتراف في بيئته الاجتماعية، وحيازة مكانة بين كتابها، وهذا يؤخذ في الاعتبار عند تقييم منجزه الإبداعي، والثاني هو أن الكاتب العربي الوحيد الذي فاز بنوبل، حتى الآن، وصل إلى العالمية من خلال الإغراق في المحلية، وكذلك كثير ممن فازوا بالجائزة من خارج أوروبا.

فضلًا عن حال الترجمة من العربية إلى اللغات العالمية، خصوصًا التي تقرأ بها لجنة نوبل، حيث تفتقر إلى العدل والتنظيم والتمويل، فإن حركة النقد العربية تقع في عيب شديد حين لا تلتفت إلى سجل الفائزين بالجائزة، لا سيما خلال ربع القرن الفائت، مستسلمة لحصر من يتم ترشيحهم من العرب غالبًا في الذين يكتبون لونًا واحدًا من الأدب، مع أن هؤلاء الفائزين، خلال المدة المذكورة، تنوعوا في إنتاجهم الأدبي وخلفياتهم المهنية.

رأينا منهم من يكتب ألوانًا عدة من الأدب؛ شعرًا ورواية وقصة ومسرحًا وأدبًا غير خيالي، ومنهم الذين زاوجوا بين النقد والإبداع، والذين جمعوا بين الأدب والدراسة الأكاديمية أو الصحافة الاستقصائية وصناعة السينما والترجمة والموسيقى والفنون والنشاط السياسي والدور الاجتماعي، بينما لا يزال لدينا في العالم العربي من طنجة إلى صلالة، بعض نقاد ومحررين ثقافيين ومانحي جوائز يتوهمون أن المهمة الأكاديمية والنقد الأدبي مساران في فصام تام مع الفن، مع أن جائزة نوبل هي في الآداب/Literature التي تشمل العلوم الإنسانية إلى جانب الأدب من رواية وقصة وشعر ومسرح ونصوص عابرة للأنواع، وليس الأدب/Art فقط.