الكيتش.. نفايات السياسة والفكر
في كتابه النفايات يخبرنا الباحث البريطاني جون سكانلان بأنها ليست فقط القمامة التي نتخلص منها كل يوم، فهذه يعاد تدويرها والاستفادة منها، لتبقى النفايات المضرة حقًا هي الكلام التافه، والأشخاص الأشرار والفارغين الذين لا يضيفون شيئًا للحياة.
تستعمل كلمة نفايات للدلالة على أحشاء الذبائح التي تؤكل، والفضلات بصفة عامة، أما في عالم المجاز، فإنها تستعمل للدلالة على مادة أدبية سيئة أو لا قيمة لها، ويمكنها هنا ألا ترمز إلى شيء، بل تكون خليطًا من عدم الدقة، أي حالة مضطربة بالمعنى المجازي أو قشرة مهترئة لشيء كان موجودًا من قبل.
يعرف سكانلان "لغة النفايات" بأنها تلك "التي عادة ما تضم عبارات مثل المخلفات والقمامة وغيرها، ترد هنا وهناك من دون تمييز، ومن دون أن تأخذ في الاعتبار السياق التاريخي أو الدقائق التعليمية، فقبل كل شيء، سيكون هذا كله مجرد انطباع زائف، على اعتبار أن الأمثلة ترتبط بسياقها على الدوام. فما تقدمه هنا هو القوى المرجعية للغة والكلمات وجوانب قصورها. ومن الصعوبة بمكان تثبيت لغة النفايات؛ أي العبارات المختلفة التي تدل على المخلفات أو البقايا وغيرها. ولهذا سبب وجيه هو أن ألفاظها تعود على مخلفات المعنى".
الجذر اللغوي
تزكي أفكار المعلومات الملتبسة أو المرتبكة رمزية النفايات لأنها تشير إلى انفصام في الفهم، أو انقطاع يجعلنا غير واثقين من ماهية الأشياء أو مواضعها، وهذا ما يعطيها سمة النفايات، التي قد تختلف من مجال إلى آخر، فهي في لغة الحاسوب "مدخلات خاطئة" تؤدي إلى "مخرجات خاطئة".
في البداية أطلقت الكلمة على النفاية الخالصة لتتحول مع التداول إلى معنى دال على الكلام المنسوخ المكرر
وأعطى الكاتب التشيكي، المقيم في فرنسا، ميلان كونديرا، كلمة "الكيتش" ذيوعًا، وهو يصف بها واقعًا بائسًا قبيحًا في روايته كائن لا تُحتمل خفته، وهي كلمة ألمانية انتشرت في القرن التاسع عشر، وتعني النفاية، وصارت إشارة معتمدة للأدب والفن الهابط. بهذا المعنى دخلت القاموس ما بعد الحداثي. ويبدو الكيتش في نظر كونديرا هو الحاجة لأن ينظر المرء إلى نفسه في مرآة الكذب التي تجمل ولكي يتعرف إلى نفسه برضا يثير العاطفة.
جذر هذه الكلمة هو اللفظ العامي الألماني kitschen وتعني "لَطَّخَ أو دَهَن". وظهر هذا اللفظ بأسواق الأعمال الفنية في ميونيخ، خلال منتصف القرن التاسع عشر كتعبير عن موجة فنية أنتجت وقتها فنونًا رديئة اعتمدت على التقليد والمبالغة، لتصبح بالتداول تعبيرًا عن منتج ردئ الصنع أو فن مبتذل يدغدغ العواطف البشرية أو تكلف في القول والفعل بشكل عام، ومن الألمانية شاع في لغات عديدة.
ونزل المصطلح في تداوله من التعبير إلى التدبير، ومن عالم الفن التشكيلي والأدب إلى تصرفات العوام، ليعبر عن الذوق السيئ والرديء، والزي الغريب المبتذل، والمظهر المستهجن، وتقمص شخصيات شهيرة ظنًا من المتقمص أنه بهذا يستطيع أن يضفي على نفسه قيمة، وعلى قوله الغارق في الادعاءات والتكلف معنى، ويمنحه قدرة على الانتقام من الواقع المزيف.
وفي البداية أطلقت الكلمة على النفاية الخالصة، لتتحول مع التداول إلى معنى دال على الكلام المنسوخ مرات، والمكرور سلبيًا، والجاهز المعلب، أو المشغول برداءة مفرطة، بغية التعبير أحيانًا عن معانٍ أساسية مثل الحرية والسيادة والاستقلال والإنجاز، بطرق فجة، تفرغ هذه الجواهر من مضامينها الحقيقية، وتمنحها تعبيرات مستهلكة تتسلل إلى القاعدة الجماهيرية العريضة، أو تأخذ من تصوراتها المجروحة والكاذبة وتعيد تدويرها، بحيث تصبح هي اللغة السائدة. بذا يكون الكيتش في السياسة هو حضور الأجوبة مسبقًا، وطرد الأسئلة، بما يصنع عالمًا قائمًا على التطهير الدائم للأفكار الجوهرية، والمساءلات الضرورية، والمحاججات المنطقية.
يمكن إطلاق الكيتش لوصف حالة سياسية ممتدة نسبيًّا كانت بداياتها واعدة لكن جاءت النهايات مأساوية
وفي "كائن لا تحتمل خفته" استعمل كونديرا مفهوم الكيتش بكثرة في مواضع متفرقة من روايته "في مملكة الكيتش تسود دكتاتورية القلب"، و"لا حاجة تدعو الكيتش لأن يخالف ما هو مألوف، بل يستعين بصور أساسية متجذرة عميقًا في ذاكرة الناس"، و"الكيتش هو المثل الأعلى لكل السياسيين، ولكل الحركات السياسية" و"في البلدان التي يستأثر فيها حزب سياسي بالسلطة كلها نجد أنفسنا في مملكة الكيتش الديكتاتورية"، و"في مملكة الكيتش التوتاليتارية تعطى الإجابات مسبقًا، محرمة بذلك أي سؤال جديد، ينتج عن ذلك أن الإنسان الذي يتساءل هو العدو الحقيقي للكيتش".
في السياسة المصرية
راق لفظ الكيتش للكاتبة المصرية أروى صالح (1951/ 1997م) فأرادت أن تراجع في ضوئه تجربتها المريرة مع اليسار، بتصوراته وشعاراته وقوالبه الجاهزة وقاموسه اللغوي المكرور، فتناولت في مقدمة كتابها المبتسرون ما أسمته "الكيتش النضالي"، حيث ينسحق الفرد لحساب "الخلاص الجماعي" تباعًا، وهو يمضي في الحياة ظانًا أنه في مسيرة من أجل العدل والمساواة، فيكتشف في النهاية، أنه قد وقع أسيرًا في فخ مجموعة من الصور والاستعارات والخطابات المزيفة.
لكنها (أروى) لا تقتصر في نظرتها تلك على اليسار، بل ترى أن "هناك الكيتش الكاثوليكي والبروتستانتي واليهودي والشيوعي والفاشي والديمقراطي والنسوي الأوروبي والأمريكي والقومي والأممي ويمكن أن نضيف بالطبع الإسلامي".
بالنسبة لها فإن "كيتش اليسار" هو ما يسمى "المسيرة الكبرى"، فتقول بعد أن تتحدث عما يبشر به اليسار من تقدم إلى الأمام في اتجاه الأخوة والمساواة والعدالة والسعادة: "إن ما يجعل اليساري يساريًا ليست هذه النظرية أو تلك، بل مقدرته على إدخال أي نظرية كانت إلى الكيتش الذي يسمى بالمسيرة الكبرى، ذلك أن هوية الكيتش لا تتحدد من خلال استراتيجية سياسية، بل من خلال صور واستعارات ولغة معينة، وهذه الفكرة الأخيرة اكتشاف فذ بحد ذاته، وفي مملكة الكيتش التوتاليتارية تعطى الإجابات مسبقا محرمة بذلك أي سؤال جديد، لذلك فبقدر ما أن الكيتش هو ـ في آخر المطاف ـ المثال الأعلى لكل السياسيين، ولكل الحركات السياسية، يكون الإنسان الذي يتساءل هو العدو الحقيقي للكيتش".
ويرى روجر سكروتون (1944 ـ 2020م) وهو فيلسوف وكاتب إنجليزي مختص بعلم الجمال والفلسفة السياسية، أن الكيتش يتجسد في سلع نمطية رخيصة، تُنتج بدون الحاجة إلى بذل أي مجهود وتُستهلك بدون الحاجة إلى إعمال الفكر، وأيضًا في التكرار الذي نجده في الدمى الشهيرة التي يلهو بها الأطفال، والتعبير عن المشاعر المزيفة.
وهو هنا "يتعلق بالذات الرائية، وليس بموضوع الرؤية. ولا يحثك على التأثر بمنظر الدمية وأنت تلبسها ثيابها بحنو شديد، بل التأثر بمنظرك وأنت تفعل ذلك، وهذا بالضبط هو شأن كل نزعة عاطفية مفرطة: فهي تُغَيِّر اتجاه المشاعر من الموضوع إلى الذات، بحيث تخلق إيهامًا بالعاطفة بدون تكبد مشقة الشعور بها، فالكيتش يحثك على أن تفكر: انظر إليَّ وأنا أشعر بهذا، كم أنا جميل وحَبُّوب!".
وهناك من يمتد الكيتش لديه من وصف الكلام الفارغ الأجوف الذي لا معنى له، ولا يضيف إلى الفهم والإدراك، ولا يؤدي إلى الترقي في العيش، إلى توصيف حالة سياسية ممتدة نسبيًا، كانت بداياتها واعدة لكن جاءت النهايات مأساوية.
عملة السوشيال ميديا
وها هو الروائي التونسي الصافي سعيد، يصدر رواية سياسية عنوانها الكيتش هي أشبه بسجل لأحداث "الربيع العربي"، التي كان مآلها عبثيًا، حيث الاحتراب والإرهاب والبلبلة وشيوع الخرافات والأوهام، الذي لا يحمل أسبابه وتبعاته إلى ثوار قاموا من أجل الحرية والعدل، إنما المسار الفوضوي العشوائي والارتجالي والتقليد الأعمى للنماذج الثورية رغم اختلاف السياقات، من بلد عربي إلى آخر، بما أدى إلى فساد كل شيء.
وربما تلخص تساؤلات أحد أبطال الرواية، وهو الدكتور سليمان، الكثير من مظاهر الكيتش، الذي يبدو هنا حالًا من التيه والعبث، وفقدان الثقة في قدرة الفعل الثوري على التغيير، إذ يسأل "كيف يمكن لثورة أن تتحول إلى كرنفال من الخداع المزركش، وثورة أخرى تتحول إلى كرنفال من الدم والرعب؟ وأيهما تستحق أن تكون ثورة؟ ومن الذي يقول لنا إن هذه ثورة، وأن هذه ليست ثورة، وهل ثمة ضرورة لمثل هذه الثورات أصلا؟ وهل التاريخ لا يتقدم إلا بهذه الطريقة؟".
ومع ظهور السوشيال ميديا اتخذت الكلمة معنى أوسع، لتعبر عن الكثير من الأفعال والأشياء المحيطة، التي جرى استهلاكها وابتذالها بالتكرار الممل، مما أفقدها معناها الأصلي. فصورة الثائر جيفارا، التي كانت رمز البطولة أصبحت مجرد ملصق رخيص يتمسح به كل مدعى الثورية، والشخصيات البارزة من المفكرين والأدباء والعلماء والساسة ومنتجي الخطاب الديني والفنانين صارت مستباحة على أيدي كثيرين ممن لا يحسنون التفكير ولا الكتابة.
هؤلاء قال عنهم الأديب والمفكر الإيطالي أمبرتو إيكو "إن أدوات مثل تويتر وفيسبوك تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن يثرثرون في الحانات فقط، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فورًا، أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل مَنْ يحملون جائزة نوبل. إنه غزو الحمقى".
وقد ظهر مصطلح "ما بعد الحقيقة" ليصف أغلب ما يتم تداوله على السوشيال ميديا خصوصًا إكس، حيث ينخفض، بل يكاد ينعدم، النقل الأمين للوقائع والأحداث والكلام المنسوب للشخصيات العامة، ويُشوه كل هذا ويُلقى أمام آذان وأعين جمهور متعجل، أغلبه لا تعنيه الحقيقة في شيء، أو يروج شائعات على أنها حقائق دامغة، وصار هناك من يقومون على صناعة الأكاذيب، مستغلين أن أغلب الناس لا يتوقفون عند ما يطرح عليهم من معلومات، للتحقق منها، ويميلون أكثر إلى الكلمات الموجزة السريعة كمصدر أساسي للمعرفة.

