الغُنا على طريقة نجيب محفوظ
حكى الأديب الراحل سعيد الكفراوي، غير مرة، أنه أتى خلال جلسة مع نجيب محفوظ بمقهى "ريش" على ذكر أم كلثوم بما يقدح فيها؛ وصفها بأنها مطربة تساوقت مع سياسة كل العصور على تناقضها، وأنها في رحلة صعودها إلى عرش الطرب والغناء داست بوعي، أو بغير تدبير، مواهب في الغناء والموسيقى، وعرج على القصيدة التي كتبها فيها أحمد فؤاد نجم كلب الست.
كان محفوظ يتابع صامتًا، ويضيق محياه بما يسمع، حتى انتهت الجلسة، وقاموا جميعًا.
وبعد أن عبر الكفراوي إلى الرصيف الآخر من شارع طلعت حرب، إذا بمحفوظ يعبر إليه، ثم يمسك بتلابيبه، ويدفعه إلى الخلف حتى التصق ظهره بجدار البناية، ثم قال له محذرًا "اوعى يا كفراوي تذكر أم كلثوم بسوء أمامي مرة أخرى".
كان محفوظ متيمًا بأم كلثوم، التي فاجأه محمد حسنين هيكل بدعوتها لحضور احتفال الأهرام ببلوغه سن الخمسين، وكم أسعده هذا الحضور حتى أنه عدَّه من المناسبات العزيزة على نفسه، وفاض في الحديث عنه فيما بعد غير مرة، معتبرًا أن المطربة العظيمة التي حملت ألقابًا عالية مثل "كوكب الشرق" و"سيدة الغناء العربي" كانت واحدة من معجزات الدهر.
نصوص تنبض
كنت أحسب فيما قبل أن تقدير محفوظ لأم كلثوم يرجع إلى استملاحه صوتها الطليق، وإعجابه برحلة كفاح هذه القروية النابهة، التي لم تنفك ترعى موهبتها بمزيد من التجويد والجدية والإجادة، حتى استوت على عرش الغناء، لا يدانيها أحد، بعد أن تحولت من حالة إلى ظاهرة، ومن فرد إلى مؤسسة، فضربت لمحفوظ نفسه نموذجًا على أن إتقان العمل، والدُربة، وصقل الموهبة، هو طريق صاحبها إلى بلوغ القمة.
لكن كتاب الروائي والقاص والناقد علي قطب، الغناء والطرب في أدب نجيب محفوظ.. معجم ودراسة نقدية، الصادر عن مؤسسة "بيت الحكمة" بالقاهرة، جعلني أكتشف جانبًا آخر، لم ألتفت إليه بما يلزم، رغم أنني قرأت كل منجز محفوظ من روايات وقصص قصيرة ومذكرات وسير عنه كتبها غيره، ألا وهو احتفاء السرد المحفوظي بالغناء، ليصبح جزءًا من متنه، ومساره الفني.
وربما كان في الخلفية وهو يرسم ملامح أبطاله ويصيغ الأحداث والمواقف بقلب طروب، إلى جانب الذهن الحاضر المرتب، والرؤية العميقة الثاوية تحت ظاهر النصوص.
يضع قطب مفتتحًا لكتابه اقتطفه من مجموعة خمارة القط الأسود لمحفوظ يقول "كان ثمة غناء. أو كان بكاء على ما أذكر. وكان ثمة حكاية. ترى أي حكاية"، ثم يضع تلك العبارة التي وردت في إحدى قصص مجموعة بيت سيئ السمعة، وتقول "فلنتذكر أغنية جميلة يعرفها ثلاثتنا، لنغنيها معًا".
إنهما عبارتان تختزلان التواشج بين الصوت والحرف في السرديات المحفوظية، صوت مسربل بالموسيقى. إنه الغناء، الذي شكل جزءًا مهمًا، كما يؤكد هذا الكتاب، من اهتمام محفوظ وذائقته، وهو الرجل الذي كان ماهرًا في العزف على آلة "القانون".
عزف الكلمات
يبدأ قطب كتابه بعبارة تشير إلى مضمونه تقول "من يدخل بيت نجيب محفوظ سيستمع إلى صوت القاهرة، فالأغنيات والأنغام والأشعار لون واضح في نسيج السرد عند الأديب الحافظ لتاريخ تكوينه، ولأنه يمتلك من الوعي ما يوفر له أن يصل خطوط حياته ببوصلة عاصمته العريقة، فإن قراءة سرد محفوظ تفتح صفحة لتسجيل تاريخ الفن في مصر".
استفاد النص المحفوظي من أناشيد الألعاب ببراءتها وشقاوتها، وصوت سيد درويش، الذي كان خير معبر عن ثورة 1919، ومنيرة المهدية التي بلغت الذروة حتى أزاحتها أم كلثوم عن صدارة الغناء، وصولًا إلى محمد عبد الوهاب بصوته العذب، وموسيقاه الشجية.
ضمَّن محفوظ نصوصه السردية أغاني من السيرة الهلالية ومن المسرح الهزلي والموشحات
امتدت هذه الغنائية من الطرب الخالص إلى الشعر بموسيقاه وصوره ومجازاته الفريدة، حيث ضمّن محفوظ رواياته أشعارًا، سواء كانت بيتًا واحدًا أو عدة أبيات أو شطرًا من بيت لشعراء عرب قدامى ومحدثين، وبعضهم تكرر شعره عبر الروايات والقصص مرات. كما استفاد من الأشعار الفلكلورية للأطفال، والأناشيد المستلهمة من أدب مصر القديمة.
على التوازي ضمَّن محفوظ نصوصه السردية أغاني من السيرة الهلالية، ومن المسرح الهزلي، والموشحات، وبعض كلمات أغانٍ شدا بها مطربون كثرٌ أحصاهم الكتاب، بداية من عبده الحامولي وصولًا إلى أحمد عدوية إلى جانب مواويل شعبية، وأغانٍ فلكلورية، وطقاطيق، وقدود حلبية، وتراث شامي، وأناشيد دينية، وكانت لأم كلثوم المكانة الأولى عند نجيب محفوظ بين هؤلاء جميعًا.
غنائية السرد
أورد الكاتب معجمًا بالأشعار والأغاني مرتبة أبجديًّا، وفق ما تضمنته نصوص نجيب محفوظ من عبث الأقدار إلى أحلام فترة النقاهة، ولم يغادر منها شيئًا، ذاكرًا أصحاب الأشعار، وكاتبي كلمات الأغاني وملحنيها أيضًا، فيما حدد في القسم الأول من كتابه "دور الغناء في بنية النص الدرامي وإدارة تصاعده، وقراءة النص من خلال تردد الصوت الغنائي أو الشعري، وتحلل أثر هذا في أسلوب محفوظ، وكيف وظف مفردات لغة الموسيقى في تكوينات مجازية دالة على رؤيته لكيمياء التواصل في علاقات الذات بنفسها وبغيرها والوجود".
لينتهي إلى أن الشعر والغناء شكَّلا جانبًا مهمًا من تجربة محفوظ الثرية، بما جعلها "شاهدة على عصر من الغناء، مثلما كانت شاهدة على عصور من الفن والثقافة والسياسة والاقتصاد".
ويعالج الكتاب ثلاثة محاور مهمة عن علاقة محفوظ بالطرب، غناءً وشعرًا، الأول ينظر إليها من زاوية إيمان محفوظ بفلسفة الفن، ما دفعه إلى تضمين نصوصه مساحات للفن الغنائي والشعري وتطوره ومختلف طرائقه.
والثاني يتأمل فيه موقع الغناء داخل البنية الدرامية للأعمال الروائية والقصصية، بما جعله مفتاحًا في بعض الأحيان لحركة السرد، والصراع الدرامي بشقيه الداخلي والخارجي، وبدا أيضًا "المعادل الموضوعي الروحي لمسار الشخصية، وتكوينها الثقافي، ومحيطها الاجتماعي، وموقفها من الحياة". أما الثالث فينظر إلى غنائية السرد المحفوظي نفسه، وصوره الفنية، التي ظهرت كقبس من "جمال الروح والعقل والسرد المشحون بموسيقى الحياة".
لقد بذل الكاتب جهدًا وافرًا في قراءة نصوص محفوظ، دون أن يترك منها شاردة وواردة، ليستخلص لنا قاموسه الغنائي والشعري، ويحلل موضع مفرداته وتراكيبه في سرده العفيّ، وبذا فهو يضيف قراءة عميقة ومنهاجية لجانب من عطاء أديبنا الكبير، يستقر في ثقة إلى جانب ما تركه لنا الناقد الكبير الراحل مصطفى بيومي في تشريحه الواسع لأعمال محفوظ من روايات وقصص، وتوزعها على شخصيات وقضايا وظواهر عدة.


