برخصة المشاع الإبداعي: Ahmed Badawy- unsplash.com
رجل يمشي على كورنيش الإسكندرية

كانت الإسكندرية مدينة على مقاس سذاجتنا

منشور السبت 4 تموز/يوليو 2026

كانت الإسكندرية جزءًا من الطبيعة، على مقاس سذاجتنا الطفولية. تماهينا فيها مع الأمومة والبحر والأشجار، والديدان، والفراشات، والزواحف. يمكن أن نصنع من بذور شجرة البونسيانا العتيقة، في حديقة بيتنا، وجبة شهية من الفاصوليا لغداء الصغار الذين كنا نعيش تحت جلودهم، ثم انسلخنا عنها.

كان بيتنا أيضًا جزءًا من الطبيعة. الحديقة عبارة عن مستعمرة كبيرة لعائلات تطير، وأخرى تزحف، وأخرى تتكاثر تحت الطين، أو تتكاثر دون خجل في وضح النهار. وأيضًا لعائلات ضخمة تعيش في مستعمرات تحت الأرض، تؤوي، دون مبالغة، ملايين منها. أعداد، وأرقام، دخلت الحداثة قبلنا، كانت أسبق من مخيلاتنا ومخيلات الكبار: الموظفين أو التجار، على العد، الذين كانوا يتعاملون على حواف الصفر، والصفرين، والثلاثة على أقصى تقدير.

كان النمل، صاحب هذه الأرقام المليونية الرائدة، أحد شركاء الطفولة. يرسم أمام أعيننا، في الحديقة، تلك الرابطة السرمدية بين الغذاء والسكن والسعي. رحلة سيزيفية دؤوبة لا تكلّ ولا تملّ، نعوق مسيرتها أحيانًا بإبهام جليفر في بلاد الأقزام، أو بإغراق جزء من هذا الطابور الطويل الممتد، بقطرة ماء فيرتبك الطابور، الذي ربما تشكَّل ليس فقط من أجل جمع الغذاء، بل حدادًا على إحداها، حيث يشيعون موتاهم في طقوس جنائزية تشبه رحلة جمع الغذاء.

يتبعثر الطابور في كل اتجاه. تتصاعد آلاف الإشارات والروائح الفيرمونية التي تصدرها النِّمالُ وترسلها للنائمين هناك في المستعمرة؛ للإبلاغ عن هذا الحادث وطلبًا للنجدة. لحظات وتُستكمل المسيرة كأن شيئًا لم يحدث. لولا أن النمل، بسبب حجمه الصغير، لا يملك مكانًا نفسيًا ليخزن فيه حزنه على الفقد اليومي، ربما لانقرض من العالم.

مستعمرات النمل

كنا نطبق دروس التشريح على السحالي، والضفادع، والفراشات الملونة، دون أن نجرح جلد طفولتنا الأملس، أو نشعر بالحزن. لكن بعد أن كبرتُ ونضجتُ، وولَّى عصر التماهي مع الطبيعة، واختفت آثارها من حياتنا استرددت خوفي الغريزي منها؛ أصبحت أخشى مستعمرات النمل، أخشى حشودها التي احتلت شرفتنا المطلة على الحديقة.

لم يكن النمل وحده النموذج الذي يمثل الطبيعة في مسيرات الثورة، بل البحر أيضًا

أتذكر قشعريرتي عند اكتشافي بأن البيت أصبح مُحاصرًا بالنمل؛ يتخلل الأرض، والجدران، وشقوق الباركيه، وصولًا لخيالي. أرى بعين خيالي هذه الجثة الكبيرة التي ترمز لي، محمولة على ظهر عربة مكشوفة، كما في رحلات جليفر في بلاد العمالقة. أريد عندها أن أغمر جسدي، بل البيت كله، في حوض ماء كبير، حتى أتخلص من أثر هذه المسيرات السوداء والرؤى الكابوسية.

ربما ليس النضج فقط هو السبب في هذا الخوف المُستعاد، بل تلك الجرعة الزائدة من الفردانية التي أصابتنا من المدينة ورموز حداثتها الصناعية، التي بدأت تحاصر الإسكندرية، سواء على حدودها أو في فراغاتها الخالية من السكان؛ تلك الفردانية الهشة، التي تتعالى على الطبيعة ولا تراها ولا ترى كائناتها، لأنها لا تبحث عن الانسجام مع الطبيعة، بل عن نموذج أعلى تُحقق من خلاله التفرد، والتفرد وحده.

الذوات المنفردة والحشود

أثناء ثورة يناير كتبت مقالًا بعنوان "نملة لها اسم"، ألتقط فيه لحظة الالتقاء بين أي فردانية ومجتمع النمل/الحشود الثائرة، كبناء استعاري يجسد هذه اللحظة. للمرة الأولى يدخل النمل كأحد رموز الثورة، بعد أن كان طوال عمره، في الابتدائي، يحمل رمزية الموظف الادخاري الذي يضع دفتر التوفير في جيب بذلته، ويخشى مفاجآت الغد. لم يكن النمل وحده النموذج الذي يمثل الطبيعة في مسيرات الثورة، بل البحر أيضًا الذي كان مفتوحًا على عوالم حرة، منحته شجن العالم القديم.

ربما أيضا كان أحد أخطائي، سواء مع الثورة، أو مع أي شيء، كونها علاقة نفسية أكثر منها اختيارًا حرًا

وضعت في هذا المقال خريطة المستقبل لتك الذوات المنفردة وعلاقتها بالحشود. كنت ألخص فيه وضعي، أو وضع أي مشارك فوجئ بعمل جماهيري كالثورة. كان نموذج النملة في التضحية وإنكار الذات، هو الطريق بالنسبة له، ويمثل عودة الوعي للفرد في علاقته بالجماعة، باستثناء إضافة الاسم، وهو العلامة الوحيدة للفردانية التي لا يملكها النمل، هذا المجتمع القائم على التعاون، والديمقراطية، بعكس مجتمع النحل الديكتاتوري والطبقي، كما في رواية خوسيه سيلا خلية النحل، الذي يعكس إسبانيا الديكتاتورية إبان حكم فرانكو.

ربما تماهيَّ مع الثورة ومع النمل، وقتها، كان تماهيًا مع الطفولة نفسها، وربما أيضًا كان أحد أخطائي، سواء مع الثورة، أو مع أي شيء، كونها علاقة نفسية أكثر منها اختيارًا حرًا.

النملة الأرجنتينية

ربما الإسكندرية بالنسبة لي هي سيرة الطفولة والتعايش مع حشود النمل والسحالي ودود الأرض الأحمر وغيرها. كنت متماهيًا مع هذا العالم الطبيعي، الذي كانت المدينة جزءًا منه. ربما كنتُ نملة أو سحلية في أحد دورات الحياة. عندما سألوا بسمارك عن الشكل الذي يختاره في حالة التناسخ، قال: النملة؛ لما تتميز به من جد ودأب وكفاح وانضباط.

غلاف كتاب ماركو فالدو

أيضا كانت "مدينة" الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو، الذي كان مفتونًا بفكرة الأنظمة المعقدة والتنظيم الذاتي للكائنات، في مجموعته القصصية ماركو فالدو، جزءًا حيًا من الطبيعة. مؤكدًا فيها على التداخل بين العالمين الإنساني والطبيعي، لذا كان منح البطولة داخل القصص لمظاهر مختلفة من الطبيعة داخل المدينة، كالفِطر، الحمام، الدبابير، الأرانب، القطط، الأبقار، وغيرها، وبدون تقديم حلول أو إدانة واضحة لأي من العالَمين.

أيضًا تحكي قصته الطويلة النملة الأرجنتينية، التي كتبها أوائل الخمسينيات، عن أسرة تنتقل إلى قرية ساحلية لتكتشف أنها واقعة تحت سيطرة عملية هجوم شامل من النمل، الذي يتخذ رمز المقاومة بوصفه علامة على عالم طبيعي يقف ضد النظام الحضري الصارم، أو يُستخدم كمرآة ساخرة تعكس السلوك البشري، الذي يظهر عجزه وقلة حيلته أمام هذه القوى التي تبدو صغيرة، لكنها تسيطر على الحياة كلها.

رموز الحداثة

عندما تنضج المدن، تتنكر لطفولتها، وبدلًا من أن تتداخل وتتماهى مع الطبيعة، تطردها بعيدًا، تقتلع أشجارها، تردم بحيراتها، تغلق بحرها أمام الناس وتحوله لشاشة سينما خاصة. كأن التنكر للماضي أحد رموز الحداثة.

في الستينيات وبدايات السبعينيات، في الطريق الصحراوي، في طريقنا للقاهرة، كنا نعبر بحيرة مريوط، ويصاحبنا لعدة كيلومترات هذا المسطح اللامع العاكس لأشعة الشمس، أو ضوء القمر، أو لهب أعمدة مصافي شركات البترول القابعة على أطراف الصحراء بعيدًا عن العمران. كان لهذه البحيرة حضورها الطبيعي، والنفسي، الذي يحجب أي أثر صناعي دخيل على المشهد.

بينما تخترق ترعة المحمودية المدينة، من الجنوب الشرقي وتتجه نحو الشمال الغربي، ممر مائي طويل ويمنح مناخًا ساجيًا على ضفتيه ويشيع الحياة في جسد المدينة وصولًا للمينا الشرقي حيث تلتقي البحر. كانت تتقاطع في طريقها مع عدة أحياء قديمة: سموحة، الحضرة، ومحرم بك.

كانت الآثار الصناعية آنذاك، أحد رموز حداثة المدينة: شركات البترول، الفحم، الأسمنت، الملح، الحديد والصلب، أو مدابغ الجلود؛ لا تزال تقف خجلى على حواف المدينة، بعيدًا عن العمران، في أحياء المكس، والدخيلة، ووادي القمر، أو مرغم. لم تتجرأ بعد وتبتلع المدينة، أو تفرض آثارها البيئية المدمرة، في وقت لم يأت فيه بعد المهاجرون والنازحون، والباحثون عن سكن رخيص على هذه الحواف المدينية، ليسكنوا بالآلاف ويمرضوا بأمراض صدرية، أو يعيشوا في صراع طويل مع آثارها البيئية، ويدفعوا ثمن التقدم الصناعي من أجسادهم.

كتاب مفتوح

في فيلم الصحراء الحمراء لمايكل أنجلو أنطونيوني 1964، نشاهد أيضًا لهب دخان مصافي البترول في تلك المدينة الإيطالية الصناعية التي انتمت مجازيًا للصحراء. ينشأ صراع بين المدينة والبحر ورموز الحداثة، من مصانع وبواخر ناقلة للبترول، ودخان مصافي البترول.

مونيكا فيتّي في لقطة من فيلم الصحراء الحمراء، 1964

تدور الأحداث حول زوجة جميلة وهي أم تعاني اضطرابًا نفسيًا إثر حادث عربة تعرضت له، وسط جو غائم مليء بالضباب والمصانع، فتدخل في علاقة مع زميل زوجها في المصنع لتهرب من وحدتها. بالرغم من انتمائها للطبقة البرجوازية التي تولدت من الصناعة، تجد صعوبة في التواصل مع ما حولها، سواء الطبيعة أو المجتمع. يجسد الفيلم، كما يقول أنطونيوني، أزمة اغتراب الإنسان المعاصر في عالم تسيطر عليه رموز الحداثة، فجميع أبطاله يشعرون بالوحدة ويرفضون سيطرة رموز الحداثة على حياتهم الشخصية.

للأسف لم تحقق "المدينة" ما وعدتنا به من فردوس جماعي يحقق الوفرة والاستقرار والرفاهية والتساوي، ويصل بين عزلة الفرد وغنائيته وبين صلابة الجماعة، أو بين عناصر الطبيعة القديمة ورموز التقدم. حتى أدبنا الروائي المصري، غابت عنه الطبيعة، كمكان مستقل للصراع والحبكة، أو مصدرًا للمعلومات. غابت الأشجار والحيوانات، والديدان، وسمكة عجوز همنجواي، وانصبت الحبكة فقط على الصراع الطبقي.

رواية الحرام ليوسف إدريس، لم تهتم أيضًا بالطبيعة ولا بمخلوقات الله التي تعيش فيها في مجتمعات منظمة بجوارنا، ولا حتى اهتمت بأصل وفصل جدر البطاطا الذي اشتهى الزوج المريض مذاقه، فتعرضت زوجته، بطلة الرواية وعاملة التراحيل، بسببه لحادثة اغتصاب. ربما رواياتنا وقصصنا لم تعتمد إلا نموذج الصراع الطبقي، والنزاع على السلطة بين القوي والضعيف.

يحلل عابد الجابري في مشروعه النقدي نقد العقل العربي، نظرة الإنسان العربي لثالوث (الله - الإنسان - الطبيعة)، كبنية فكرية ومعرفية، تختلف جوهريًا عن الفكر الغربي؛ ففي حين يتخذ الفكر اليوناني الأوروبي من "الله" وسيلة لفهم "الطبيعة"، فإن الثقافة العربية الإسلامية تتخذ من "الطبيعة" سبيلًا ومعبرًا للوصول إلى الله/الخالق.

"لا تشكل الطبيعة، بكل مفرداتها، في العقل العربي طرفًا مستقلًا قائمًا بذاته، بل هي "كتاب مفتوح" وآية دالة. ومهمة العقل هنا ليست دراسة الطبيعة لذاتها، بل التأمل فيها للوصول إلى معرفة الخالق وإثبات وجوده". ولأن الإنسان مُستخلف في الأرض، فعلاقته مع الله علاقة طاعة وعبودية، وليس علاقة درس وتساؤل، وبالتبعية أيضًا علاقته مع الطبيعة.