صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك
مصنع "أكديما إنترناشيونال" التابع للشركة العربية للصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية "أكديما"، 2024

الخلاصة| هل بوسع "صندوق" إنقاذ المصانع المتعثرة؟

منشور الاثنين 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026

برأس مال مليار جنيه، أعلنت الحكومة نهايةَ الأسبوع الماضي عن إطلاق صندوق لمساندة المصانع المتعثرة، ودعت للمساهمة فيه، كذلك شجعت أصحاب المصانع للتقدم لطلب المساندة عبر بوابة رقمية تابعة للوزارة.

تنطوي فكرة الصندوق، الذي طرح وزير الصناعة خالد هاشم فكرته قبل أقل من ثلاثة شهور، على تحديات عدة، أولها أنه ليس فقط أول صندوق استثماري يتجه للصناعة، بينما كانت الصناديق تركز من قبل على الأسهم والسندات والمعادن، لكنه يستهدف مصانع مأزومة ويسعى لتحقيق الربح من خلالها.

فما الأولويات الاستثمارية للصندوق خلال الفترة المقبلة؟ وكيف يضمن للمساهمين عائدًا على أموالهم من خلال الاستثمار في شركات تمر بمصاعب وصلت بها لحالة من التعثر؟

لماذا نحتاج الصندوق؟

أول سؤال يتبادر للذهن عند قراءة البيان المشترك بين البنك المركزي ووزير الصناعة حول إطلاق صندوق المصانع المتعثرة هو لماذا نحتاج لمبادرة جديدة بينما أطلقت الحكومة بالفعل مبادرةً لتيسير التمويل الصناعي قبل عامين ولا تزال سارية؟ 

حسب محمود خليفة، المدير التنفيذي للاستثمار بشركة سي آي كابيتال القابضة، وهي المسؤولة عن إدارة الصندوق الجديد، فإن كلتا المبادرتين تعملان بشكل متكامل، وليست إحداهما بديلةً عن الأخرى.

يشرح خليفة لـ المنصة أنه بينما كانت المبادرةُ السابقةُ تستهدف توفيرَ تمويل بعائد منخفض للمصنعين، فإن الصندوق يتطلع للدخول شريكًا في الشركة عبر زيادة رأس المال.

"مثلًا، إذا جرى تقييم مصنع بـ250 مليون جنيه، وكان يحتاج إلى ضخ 80 مليون جنيه، يمكن ضخ المبلغ من خلال زيادة رأس المال مقابل الحصول على حصة في الشركة، وفقًا للتقييم النهائي"؛ يقول المدير التنفيذي بـ"سي آي كابيتال".

ويراهن على أن يكون للصندوق أثر إيجابي على المدى الطويل، إذ يوفر خيارًا أفضل من حصول المصانع المتعثرة على قروض؛ "في حالة الحصول على قرض يظل المصنع مديونًا للبنك، بينما في نموذج الاستثمار المباشر يصبح الصندوق شريكًا في الشركة، ما يفرض مستوى أكبر من الحوكمة والانضباط داخل الشركة، وكذلك الإنفاق ومتابعة الأداء".

ويعاني القطاع الصناعي من ارتفاع أسعار فوائد القروض بسبب موجة التشديد النقدي التي بدأت في 2024، وبالرغم من اتجاه المركزي لخفض الفائدة تدريجيًا منذ أبريل/نيسان 2025، فقد اضطر لتثبيت السعر خلال أغلب اجتماعاته هذا العام بسبب الضغوط التضخمية الناتجة عن الحرب الأمريكية على إيران.

ويتوقع خليفة أن يشجع نجاح النموذج البنوك وشركات الاستثمار المباشر والمستثمرين الماليين على ضخ أموال في المصانع المتعثرة القابلة لإعادة الهيكلة، بما يوسع قاعدة التمويل المتاحة لهذا النوع من الشركات.

ورغم أن إسهام الصندوق في تمويل القطاع الصناعي سيظل محدودًا بالمقارنة بمبادرة البنوك، إذ ترصد الأخيرة تمويلات بـ30 مليار جنيه، فإن المدير التنفيذي لـ"سي آي كابيتال" لا يرى في ذلك تقليلًا من شأن الصندوق، ويفرق بينهما في أن "مبادرة البنوك تتطلب نفقات أضخم لأنها تهدف لتمويل خطوط إنتاج جديدة، بينما يستهدف الصندوق توجيه رؤوس أموال لمساندة مصانع قائمة بالفعل".

لماذا لا يشارك المواطنون؟

بينما يفتح صندوق المصانع المتعثرة الباب للمؤسسات المالية والشركات للمشاركة في رأسماله، فإنه وعلى عكس السائد في صناديق الاستثمار الأخرى لم يفتح الباب للمواطنين للاكتتاب فيه.

يوضح خليفة في هذا الشأن أن الاستثمار المباشر بطبيعته لا يناسب المستثمرين الأفراد، بسبب طول فترة الاستثمار وصعوبة التخارج السريع؛ "الاستثمار المباشر عادةً ما يحتاج إلى فترة زمنية طويلة قد تصل إلى خمس أو سبع سنوات في بعض الحالات، وهو ما يجعله أكثر ملاءمة للمؤسسات مثل البنوك وشركات التأمين والمؤسسات المالية".

وتتوزع المساهمات الحالية في الصندوق بواقع نحو 33% لهيئة التنمية الصناعية، ونحو 65% لخمسة بنوك هي مصر والأهلي المصري والعربي الأفريقي الدولي والزراعي المصري وتنمية الصادرات، إلى جانب حصة بنحو 2% لـ سي آي كابيتال.

كيف تدار المخاطر؟

يلعب الصندوق دور الوسيط بين جهتين على قدر من التناقض، فهو يستهدف من ناحية ضخ أموال في شركات تواجه تحديات تعوقها عن العمل، ومن جهة أخرى مُلزم بصرف عائد جذاب للمؤسسات التي شاركت في تمويل رأس مال الصندوق، فكيف يحقق هذه المعادلة الصعبة؟

يوضح خليفة أن الصندوق سيركز على طبيعة المصانع التي تضمن تحقيق أرباح للوفاء بالتزاماته للمكتتبين في رأس ماله، من بينها الشركات التي تعاني من التعثر بسبب صدمات مثل جائحة كورونا أو التوترات الإقليمية، لكنها تمتلك مقومات أساسية تسمح لها بالعودة إلى الإنتاج بمجرد توفير السيولة.

يستهدف الصندوق أيضًا المصانع التي تعثرت بسبب استخدام تمويلات قصيرة الأجل لتمويل استثمارات طويلة الأجل، مثل إنشاء مبانٍ أو شراء خطوط إنتاج تحتاج إلى سنوات لاسترداد تكلفتها، ما أدى إلى ضغوط على التدفقات النقدية وتعثر الشركة في سداد التزاماتها.

ويشير خليفة لنوع ثالث من المتعثرين يرى فيه قدرة على الربح، وهو الشركات العائلية التي انتقلت إلى الجيل الثاني أو الثالث الذي لا يملك الخبرة الكافية لإدارة النشاط، وكذلك الشركات التي تعاني من خلافات بين الشركاء تعوق اتخاذ القرارات واستمرار العمل.

لتجنب المخاطر، سيضع الصندوق حدودًا لتنويع استثماراته، بحيث لا يستثمر أكثر من 10% من حجم الصندوق في مصنع واحد؛ أي ما يصل إلى 100 مليون جنيه في المصنع الواحد، كما لا يجوز أن تتجاوز استثماراته في قطاع واحد 25% من إجمالي حجم الصندوق، وفقًا لخليفة.

كما أن الصندوق لن يرتبط بهذه الأنشطة بشكل أبدي، كما يشرح خليفة، فبمجرد إعادة هيكلة الشركة سيتخارج منها الصندوق للبحث عن استثمار جديد؛ "يمكن أن تمتد فترة استثمار الصندوق لنحو سنتين إلى ثلاث سنوات، وبعد استعادة المصنع قدرته على العمل، يمكن للصندوق التخارج من استثماره من خلال إعادة بيع حصته إلى مالك المصنع، أو طرحها في البورصة، أو بيعها إلى مستثمر مالي أو استراتيجي آخر". 

مع من سيعمل الصندوق؟

حسب تقديرات سابقة لوزارة الصناعة، بلغ عدد المصانع المتعثرة في مصر حاليًا نحو 6 آلاف مصنع بنهاية 2025. ويكشف المدير التنفيذي للاستثمار بـ"سي آي كابيتال" أن الصندوقَ سيركز في هذه المرحلة على قطاعات الأغذية، والأدوية، والكيماويات، والملابس الجاهزة، ومواد البناء.

ويشير إلى أن الصندوق لا يضع تفضيلًا جغرافيًا لمحافظة أو منطقة صناعية بعينها، إنما يعتمد على الفرص الاستثمارية التي تستوفي معايير الاختيار، لافتًا إلى أن نحو 25% من المصانع المتعثرة المسجلة على المنصة الرقمية لوزارة الصناعة في الوقت الحالي يتركز في القاهرة، بينما يبلغ نصيب الإسكندرية نحو 14.5%، وبني سويف 9%، وبورسعيد 6.5%، وتتوزع النسبة المتبقية على محافظات الإسماعيلية، الأقصر، محافظات البحر الأحمر، البحيرة، السويس، الشرقية، الغربية، المنوفية، المنيا، أسوان وأسيوط.

هل يبالغ الصندوق في طموحاته؟

يتوقع رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للأوراق المالية "إيكما"، محمد ماهر، أن يقتصر نشاط صندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة برأس ماله الحالي على نحو من 10 إلى 15 شركة.

ويؤكد لـ المنصة على أن إمكانات الصندوق المحدودة ستجعله بمثابة تجربة استرشادية، لكنها لن تكون كافيةً لعلاج مشكلات التعثر الصناعي التي تمتد لآلاف المصانع، لافتًا إلى أن اختيار القطاعات والشركات المناسبة لا يمثل التحدي الوحيد، إذ يحتاج الصندوق أيضًا إلى التعاون مع أطراف متخصصة في الصناعات التي يستثمر بها، لتقديم الخبرة والمشورة اللازمة للمساهمين أثناء الشراكة وتحولها من الخسارة إلى الربحية.

ستكشف التجارب الأولى مدى قدرة الصندوق الجديد على علاج مشكلات القطاع الصناعي، وتقديم نموذج جديد للاستثمار في القطاع الإنتاجي، بعد سنوات من تركيز الصناديق على الاستثمار في أدوات الدين والأسهم.