في "صفحة الداخلية".. "كشف الملابسات" يسبق حماية النساء
كانت الطفلة آية رضوان تعرف أن هروبها من عنف أسرتها في قرية الشوبك الشرقي بمركز الصف في الجيزة سينتهي بأحد احتمالين: النجاح في البقاء متخفية هاربة في العجمي بالإسكندرية حيث ذهبت، أو الفشل والعودة إلى منزلها، بما قد يحمله ذلك من خطر عليها. لكن ما لم يخطر في بالها أن تتورط الشرطة بالذات في جعلها ضحيةَ جريمةِ قتلٍ؛ بعد أن جعلت من مأساتها قصَّةَ نجاحٍ أمنيٍّ جديدةً على الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، تضمَّن "كشفُ ملابساتها" كشفًا لمعلومات تنتهك خصوصية الطفلةِ ضحيَّةِ العنف الأُسريِّ، وتزيد من احتمالات تعريضها للأذى.
المآل الذي انتهت إليه الطفلة آية على يد شقيقها، قد يكون نتيجة طبيعية للتحوّلات التي مرَّت بها الصفحة بعد أكثر من 15 عامًا على تدشينها في فبراير/شباط 2011، كوسيلة سهلة وسريعة للإبلاغ عن الجرائم ونشر بيانات الوزارة، قبل أن تتحول إلى أداة للعقاب الاجتماعي. يُلِصق أحد مشرفي الصفحة الستة على التمبلت صورةً تطمس ملامح المتهم لكنها لا تطمس هويته عن محيطه الاجتماعي، مع رواية الوزارة عن تحرياتها بشأن الواقعة، لتُقدِّم المُشتبه في ارتكابه جريمةً ما، كمُدان أمام ملايين المتابعين، وإن لم يُتخذ ضده لاحقًا أيُّ إجراءٍ قانونيٍّ.
وفي إطار هذا السلوك، ظهر نمط متكرر في بيانات الصفحة يتعلق بالنساء والفتيات المتصدرات لمشاهدات تيك توك في وقائع تصفها الوزارة بأنها مخالفة لـ"قيم الأسرة المصرية" أو "الآداب العامة"، فباتت فقرة ثابتة في خطاب الصفحة، وذلك مع توجه أوسع لدى السلطات بملاحقة هؤلاء الفتيات قضائيًا بهاتين التهمتين؛ اللتين تُحيلان قيم العدالة وسيادة القانون إلى مجموعة من الأعراف الاجتماعية التي تتباين جغرافيًا وطبقيًا، دون أن يحدد القانون ما هي، أو ينظم حدود الخروج عنها.
تكشف لغة هذه البوستات عن تصور محدد لما ينبغي أن تكون عليه المرأة في المجال العام. فالوزارة لا تكتفي بوصف ما حدث، وإنما تستخدم في بعض بياناتها مفردات مثل "الآداب العامة" و"خدش الحياء"، لتضع سلوك النساء على السوشيال ميديا في مساحة تستدعي تدخل جهاز إنفاذ القانون.
داخلية جديدة للجمهورية الجديدة
منذ اليومين السابقين على نشر الوزارة بيانها بشأن عودة آية رضوان، يوم 15 سبتمبر/أيلول الجاري، وحتى أمس السبت، ظهرت النساء في 31 بوست من أصل 147 نشرتها الوزارة. 14 بوست منها تتعلق بالقبض على نساء ينشرن فيديوهات وُصفت بأنها "خادشة للحياء"، وثمانية بمشاجرات أحد أطرافها على الأقل كان امرأة. فيما تعلَّق بوستان بامرأتين متغيبتين إحداهما ربة منزل. لا تثبت هذه الأرقام نمطًا إحصائيًا لكنها تعطي مؤشرًا عن كيفية حضور النساء في محتوى الصفحة، وكيف أنه يعكس أهمية الجدل الرجالي المستمر عن "سلوك النساء" في المجال العام.
تقاطعت رغبة السلطة ممثلة في وزارة الداخلية في تأديب النساء ممن تجاوزن شروط تواجدهن في المجال العام، وإعادتهن إلى المساحات الخاصة، في رسالة تأكيد أن "المجال العام" مساحة ذكورية وجود النساء فيها مشروط بعدم إتيان ما يُشعِر الرجال بتهديد الشرف. في هذا المزاج الاجتماعي والثقافي المحافظ لطيفٍ واسع من المجتمع، تُقابل بوستات القبض على البلوجرز بالإشادة والتصفيق والاحتفاء؛ حتى باتت صفحة الداخلية حاملةً لواء حماية شرف المجتمع المصري من تلطيخ النساء.
انتبهت الصفحة الممثلة لجهاز إنفاذ القانون في الجمهورية الجديدة إلى مساحة الفضاء الإلكتروني وأهمية ضبطه، فما يحدث في هذه المساحة التي تبدو متخيلة قد ينتج عنها بطريقة أو بأخرى أحداثٌ تغير من شكل السلطة، بالتالي "مش هنسيبهم يتسلوا"، وقد رأى الجميع ما يمكن أن تمثّله التسلية من تهديد لرأس السلطة التنفيذية.
لم تعد الصفحة مجرد جهة يتوجه إليها المستخدمون للإبلاغ عن جريمة. تحولت إلى شرطي للفضاء الإلكتروني، وأصبح "منشن وزارة الداخلية" سلاحًا يشهره مستخدمو السوشيال ميديا في وجه بعضهم البعض. من الإبلاغ عن جريمة، إلى الإبلاغ عن سلوك يراه أحدهم مخالفًا لما ينبغي أن تفعله امرأة أو رجل، تتسع وظيفة المنشن لتصبح شكلًا من أشكال الرقابة الاجتماعية، تصل لحد الإبلاغ عن بلوجر أجرت عملية تكبير صدر، أو أخرى، أردنية، أدلت برأيها في قوانين المواريث المُطبقة في بلدها.
لم تعد تحتاج وزارة الداخلية أن تتابع كل امرأة وما تفعل، إذ تحول المتابعون إلى مخبرين يبلغون عن النساء الخارجات عن قواعد الظهور في المجال العام، اللاتي يكسرن صورة الفتاة المصرية المتخيلة في أذهان القائمين على الصفحة وجمهورهم المؤيد.
تخصصت الصفحة في ملاحقة الترندات، وأصبحت مهمتها اليومية "كشف الملابسات" وراء الفيديوهات. ما إن ينتشر الفيديو حتى تكشف الوزارة ملابساته خلال 24 ساعة وربما أقل، ليظهر أبطاله بملابسهم ذاتها على الصفحة بوجوه مموهة، وبيان مقتضب يوضح "حقيقة" ما حدث. وطمس الوجه لا يعني بالضرورة إخفاء الهوية إذا كان الشخص مشهورًا أو الفيديو الأصلي متداولًا، أو تضمن معلومات تكشف هوية الشخص، كما حدث مع آية.
الفضاء في قبضة الأمن
لا تذكر الصفحة الإجراء الذي تتخذه في حق المقبوض عليهم والمنشورة صورهم في الغالب، وإنما تكتفي بجملة "وجارٍ إتخاذ الإجراءات القانونية" وهي تقدم خلاصة تحريات الشرطة باعتبارها عنوان الحقيقة في البيان، مفضّلةً التركيز على "كشف الملابسات".
تستخدم الصفحة المعلومات التي تحصل عليها الشرطة لحل الجرائم وحماية المواطنين، كما يتعامل الصحفي: مادة شيّقة لتعزيز الرواج تبدأ بعبارة "في إطار الكشف عن ملابسات.." ثم تستطرد في ذكر تفاصيل حادث ما بصور أبطاله المموهة. لكن بينما يقدّم الصحفي رواية يمكن مساءلتها ومساءلته على كذبها، تتحدث الصفحة بلسان سلطة لا تجد من يسائلها.
تستهدف الداخلية من ذلك إيصال رسالة مفادها أن الفضاء الإلكتروني في قبضة الأمن، لا أحد بإمكانه الوصول إلى قمته دون أن يزور مقر الوزارة، "لنعرف من هو ويعرف من نحن". لن يتحول أشخاص عاديون إلى قادة رأي أو أبطال شعبيين دون رقابة. هذا من الناحية السياسية.
يبلغ عدد متابعي الصفحة على فيسبوك 15 مليون متابع وعلى إنستجرام 1.5 مليون، وهو عدد يضع فريق إدارة الصفحة ضمن صفوة المؤثرين في الفضاء الإلكتروني، غير أن تأثيره لا يقتصر فقط على الفضاء، بل يمتد إلى أرض الواقع بصورة مأساوية. وما حدث لآية رضوان شاهد على ذلك.
نَشرُ الصفحةِ بيانَ التوصل إلى الطفلة والكشف عن ملابسات "تغيبها" كان نوعًا من التفاخر بسرعة الأداء والقدرة الفائقة على التوصل إلى مكانها بالإسكندرية، بعد خروجها من قريتها في ضواحي الجيزة.
في نظر القائمين على الصفحة، فإن العثور على الفتاة كان نجاحًا للوزارة يتعيّن إبرازه؛ فجاءت صورتها إلى جانب الشاب الذي هربت معه، وهو جزء لا يتجزأ من أداء الصفحة القائم على تصوير النساء ونشر صورهن دون تهم واضحة سوى مخالفة قيم الأسرة المصرية وخدش الحياء العام.
في مواجهة النساء
تخالف الصفحة التي تمثل جهة تنفيذ القانون الأعراف الشُّرطية المستقرة بعدم نشر بيانات المتهمين في القضايا، بما يهدر حرمة الحياة الخاصة للمواطنين ويجرّم الاعتداء على الحقوق والحريات التي يكفلها.
لا يقتصر نشر الصور في بيانات الداخلية على المتهمين فقط أو مرتكبي الأفعال المخالفة للقانون، بل يمتد لمقدمي البلاغات، يؤمن مديرو الصفحة بالشفافية فيظهر مقدم البلاغ والمتهم في صف واحد، مطموسي الملامح لكن بالملابس التي ظهرت في الفيديو كعلامة مميزة لهم. الظالم والمظلوم وأداة الجريمة.
وفي ظلِّ غياب قانون لتداول المعلومات، لا يوجد ما يُنظِّم آلية إصدار الجهات الحكومية بياناتها، بما يضمن حق المجتمع في الشفافية والمعرفة، دون انتهاك خصوصية الأفراد، خاصة وأن نشر صورة المقبوض عليه أو المتهم في صفحة الداخلية قد لا يترتب عليه أي إجراء قانوني، قد تنتهي الواقعة داخل القسم بالتصالح، وقد لا تتحول أصلًا إلى قضية تنتهي بحكم، لكن العقوبة الاجتماعية تكون قد وقعت بالفعل. صورة نشرتها الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، ورواية قدمتها باعتبارها "حقيقة" الواقعة، وملايين المتابعين شاهدوا الشخص في موضع المتهم. لا تحتاج هذه العقوبة إلى محضر، ولا إلى رقم قضية، ولا إلى حكم قضائي.
بدا أثر ذلك واضحًا في صفحات البلوجرز، نشرت إحداهن، بعد ظهور صورتها على صفحة الداخلية فيديو توضح فيه لمتابعيها أنها غيرت من نفسها لتنال رضاهم بعد أن عرفت الحق من زيارتها لمقر وزارة الداخلية، تخلت الفتاة التي حاولت جاهدة لفت الأنظار إليها عن كل محاولاتها، وتحولت إلى صورة "الفتاة المهذبة".
ليست هي الوحيدة، فبتتبع الصور التي تظهر على الصفحة للبلوجرز والتي يسهل التعرف إلى أصحابها رغم التشويش عليها سنلاحظ الاختلاف في الطريقة والأداء وليست سوزي الأردنية عنا ببعيدة.
الصفحة التي أنشئت في أعقاب ثورة يناير مع موجة حضور الوزارات والهيئات الحكومية على السوشيال ميديا منبع الثورة لتفتح مجالات الاتصال بين الشعب والحكومة، تحولت إلى عصا ترتفع في وجه المخطئين، والحكم والعقاب في الوقت ذاته.
المشكلة ليست أن صفحة وزارة الداخلية تنشر أخبار القبض على الناس. المشكلة تبدأ حين تصبح الصفحة نفسها جزءًا من منظومة العقاب: تقبض، وتصوّر، وتروي، وتنشر، ثم تترك الجمهور يكمل المهمة. نشر صورة آية رضوان مع الشاب الذي هربت معه على صفحة الداخلية كان بمثابة صدور حكم ضدها ومعاقبتها، أخذت السلطة الفعلية تعهدًا من أخيها ألا يؤذيها لكنها سبق وفعلت بعد أن حولت غلطة كان يمكن تجاوزها إلى خطيئة ووصمة عار، جعلت قتلها شرفًا صفقت له الجماهير التي تستيقظ يوميًا لتمنشن الداخلية.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.