تصميم: سيف الدين أحمد
تسعى الدول الإفريقية لإنشاء نظام مالي جديد يتيح التعامل فيما بينها بالعملات المحلية

الخلاصة| نظام الدفع الإفريقي.. خطوة للتحرر من الدولار؟

منشور الثلاثاء 29 أيلول/سبتمبر 2026

تقدمت 6 بنوك مصرية بطلب الانضمام إلى نظام الدفع والتسوية الإفريقي PAPSS، وهناك اتجاه أيضًا لربط إنستاباي به ما يتيح للأفراد التعامل من خلاله.

يمكن تلخيص نظام الدفع الإفريقي في أنه شبكةٌ من العلاقات المصرفية تتيح لبلدين إفريقيين التعامل سويًّا بعملتيهما  المحليتين، وهو ما يجدد الجدل حول إمكانية تحرر الاقتصادات الإفريقية من هيمنة العملة الأمريكية على معاملاتها المختلفة.

ما مميزات نظام الدفع الإفريقي؟

أطلق الاتحاد الإفريقي وبنك التصدير والاستيراد الإفريقي (أفريكسيم بنك) نظام المدفوعات والتسوية الإفريقي من غانا عام 2022، بهدف إتاحة تسوية المعاملات بين بلدان القارة بالاعتماد على عملاتها المحلية بعيدًا عن وساطة الدولار أو عملات الاقتصادات الكبرى، وبعد عامين انضم له البنك المركزي المصري.

خلال زيارته لمصر في سبتمبر/أيلول الماضي، قال مايك أوجابلو رئيس منظومة الدفع الإفريقية إنها أصبحت تضم 30 دولة إفريقية من إجمالي 41 بنكًا مركزيًّا، ما يشير إلى التوسع السريع في هذه المنظومة عبر القارة.

ويشرح الخبير الاقتصادي، محمد أنيس لـ المنصة أن الأموال لا تنتقل مباشرةً  في التجارة العابرة للحدود من بنك البلد المستورد إلى بنك البلد المصدر، لكن المعاملات تتم عبر بنوك وسيطة من خارج القارة، ومن خلال عملات وسيطة أيضًا مثل الدولار.

يشير أنيس إلى الميزة الأساسية لنظام الدفع الإفريقي وهو أنه يتيح لبلدين في القارة التبادل التجاري بدون الاعتماد على وسطاء أو العملات الكبرى.

ويلفت خالد أبو المكارم، رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة، إلى أن مثل هذه الحلقات الوسيطة تضيف إلى تكلفة الاستيراد وقتًا وتكاليف، وهو ما يحد من فرص نمو التجارة الإفريقية.

ويؤكد لـ المنصة أن نظام الدفع الجديد سيساعد البلدان الإفريقية في تجنب أكبر تحديات التجارة المتمثلة في تدبير العملة الصعبة.

بماذا تخبرنا الأرقام؟ 

ضمن تصريحاته في مصر، قال أوجبالو إن نظام الدفع الإفريقي خفض تكلفة التحويلات داخل القارة بما يصل إلى 95%، إضافةً إلى اختصار زمن تنفيذ المعاملات من عدة أيام في السابق إلى 120 ثانية حدًا أقصى، بمتوسط 7 ثوانٍ فقط للعملية.

بالنسبة للشركات، لا تتوقف قيمة هذه الأرقام عند رسوم التحويل وحدها، إنما في اختصار المدد الزمنية، فكل يوم إضافي يرفع تكلفة الصفقة، كما يؤدي تعدد حلقات التحويل لزيادة التكلفة النهائية للمعاملة.

هذه النقطة أكثر أهميةً بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، إذ إن خفض تكلفة ومدة التسوية يمكن أن يجعلا بعض الصفقات الصغيرة أكثر جدوى اقتصاديًّا، بحيث لا تمثل تكاليف التحويل نسبةً مرتفعةً من قيمة المعاملة، بتقدير خالد أبو المكارم.

بدوره يلفت مينا رفيق، المحلل الأول بشركة برايم للاستثمارات المالية، إلى أن تسوية المعاملات بالعملات المحلية تقلل كذلك من احتياج الدول الإفريقية لمراكمة احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي، الذي قد ترتفع تكلفة جمعه في أوقات ارتفاع الفائدة الأمريكية.

وتتمتع مصر حاليًا باحتياطيات غير مسبوقة من النقد الأجنبي، لكنها اضطرت للدخول في صفقات واسعة لبيع الأراضي والحصول على تمويلات دولية من أجل تأمينه، بهدف تعزيز الثقة في العملة المحلية.

رسم بياني يوضح حجم احتياطي النقد الأجنبي منذ عام 2004 وحتى 2026، تصميم المنصة

هل يمكننا فعلًا التحرر من الدولار؟

يتزامن طرح نظام الدفع الإفريقي مع دعوات عدة للتحرر من سيطرة الدولار على المعاملات الدولية، أبرزها خرجت من مجموعة البريكس.

وتعكس بيانات تكوين العملات في احتياطيات النقد الأجنبي لكافة دول العالم تراجع نصيب الدولار من 70% بداية الألفية إلى نحو 57% في الوقت الراهن، ما يؤكد رغبة العديد من الدول في تخفيف الاعتماد على العملة الأمريكية.

لكن أبو المكارم يرى أن من المبالغة تصور أن استخدام الدولار عملة وساطة دولية سينتهي تمامًا؛ "الدولار سيظل مهمًا في بعض المعاملات، بينما يمكن أن تتوسع التسويات بالعملات المحلية تدريجيًا وفقًا لظروف كل سوق".

رسم بياني يوضح حصص عملات الاقتصادات الكبرى من احتياطيات النقد الأجنبي، تصميم المنصة

يشير رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة إلى واحدة من أكبر عقبات التوسع في نظام الدفع الإفريقي، وهي محدوديةُ العلاقات التجارية بين دول القارة، فـ"تسهيل حركة الأموال لا يعني تلقائيًّا زيادة التجارة، فالمُصدر المصري الذي يريد دخول سوق أفريقية جديدة يواجه تحديات تتعلق بالتمويل والتسويق والنقل واللوجستيات، والثقة في العملاء، بجانب معرفة اللوائح والقواعد المنظمة لكل سوق".

ويقتصر نصيب التجارة بين مصر والدول الإفريقية على نحو 6.3% من إجمالي معاملاتها التجارية؛ بالتالي تقلل محدودية حجم التجارة من أثر النظام على الاحتياطي الأجنبي، رغم أهميته في تقليل الاعتماد على الدولار، كما يؤكد رفيق.

بينما يتوقع أنيس أن تظل معاملات الأفراد داخل إفريقيا محدودة أيضًا، ما يقلل من أثر ربط نظام الدفع الإفريقي بإنستاباي.

وحسب بيانات جهاز الإحصاء، بلغت قيمة تحويلات المصريين العاملين بدول الاتحاد الإفريقي 191 مليون دولار خلال العام المالي 2024/2025، بينما سجلت قيمة تحويلات العاملين من دول الاتحاد الإفريقي بمصر 26.2 مليون دولار خلال الفترة نفسها.

ما الذي يجعلنا نتفاءل؟ 

رغم محدودية المعاملات التجارية بين مصر ودول القارة، فإن بيانات التجارة لآخر 10 سنوات تشير إلى نمو قوي في الصادرات المصرية منذ 2020، ما قد يمهد لنمو المعاملات المالية بين الطرفين.

ويفيد أحمد زكي، أمين عام شعبة المصدرين بالاتحاد العام للغرف التجارية ورئيس لجنة الشؤون الإفريقية بالشعبة، بأن الاضطرابات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة أوجدت فرصًا إضافيةً أمام الصادرات المصرية، بعدما أدت جائحة كورونا إلى اضطراب سلاسل الإمداد في الصين وشرق آسيا، ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتزيد من الصعوبات.

ويخبر زكي المنصة بأن استمرار نمو الصادرات المصرية إلى إفريقيا يتطلب استغلال هذه الفرص بصورة أكثر كفاءة، ما يزيد من أهمية نظام الدفع الإفريقي في الوقت الراهن.

رسم بياني يوضح حجم التجارة بين مصر والدول الإفريقية في الفترة من 2015-2025، تصميم المنصة

ستكشف السنوات المقبلة مدى جدوى نظام الدفع الإفريقي الجديد في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين بلدان القارة، وتقليل الاعتماد على عملات الاقتصادات الكبرى.