تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
تحاصر البؤر الاستيطانية قرية المغير شمال شرقي رام الله، بالضفة الغربية المحتلة، ويتعرض الأهالي لهجمات المستوطنين بشكل شبه يومي

قرية المغير لا ترعى "غنم" المستوطنين

يومٌ في حياة بلدة فلسطينية تحت حصار البؤر الاستيطانية

منشور الاثنين 7 أيلول/سبتمبر 2026

بالنسبة لعبد اللطيف أبو عليا، الرجل الخمسيني ابن قرية المغير، شمال شرقي رام الله في الضفة الغربية، فإن الدفاع عن جدران منزله التي بناها والده في سبعينيات القرن الماضي دفاعٌ عن وجود عائلة وقرية كاملة تتعرض أراضيها ومزارعها ومداخلها لاعتداءات شبه يومية، وتحاصرها البؤر الاستيطانية من جهاتها الأربع.

"بموت هون ولا بطلع"؛ بكلماتٍ صارمةٍ ولغةٍ لا تعرف المراوغة، يقدم أبو عليا لـ المنصة خلاصة ما تعلّمه في سنوات المواجهة مع إرهاب المستوطنين وجيش الاحتلال، ويجدد إصراره على البقاء في منزله عند الطرف الشمالي للقرية التي باتت هدفًا لهجمات شبه يومية من المستوطنين وأغنامهم، بحماية من جيش الاحتلال، ويسقط أبناؤها بين قتلى وجرحى، فإن قدرة الأهالي تقلّصت على الوصول إلى أراضيهم والعمل فيها.

خططنا في المنصة لزيارة المغير على مدى بضعة أسابيع. لم نجد وسيلةً إلا دخولها خلسة عبر القرى المجاورة، فالوصول إليها مخاطرة محفوفة بالمخاطر.

قرية المغير التي شهدت تصعيدًا حادًا في هجمات المستوطنين منذ السابع من أكتوبر2023

هادئة على نحو مخادع

تابعت أخبار المغير في انتظار فترة من الهدوء النسبي، وتواصلت هاتفيًا مع عضو المجلس المحلي للقرية مرزوق أبو نعيم، للتأكد من إمكان دخولها بأمان، لكنه أخبرني أنه لا يستطيع ضمان ذلك، وبالفعل في يوم اتصالي به تعرضت المغير لهجوم من المستوطنين.

يوم الزيارة فضّلت ترك سيارتي واستئجار أخرى يقودها سائق يعرف طرق المنطقة وظروفها، تلافيًا لأي مخاطرة إضافية. ظللت طوال الطريق أتابعُ أخبار القرية وحالة الطرق المفتوحة والمغلقة والتحذيرات من وجود مستوطنين على بعض المسارات.

على امتداد الطريق الذي استغرق أكثر من ساعة من رام الله، كانت أي إشارة لهجوم أو إغلاق محتمل كفيلة بتغيير وجهتي. لكن الستين دقيقة مضت على خير، وبفضل خبرة السائق ومعرفته بالطرق، وصلنا مدخل القرية دون أن يعترضنا المستوطنون أو أي من الحواجز التي يقيمها جيش الاحتلال على الطرق المؤدية للقرية.

ثم ملأت المغير الأفق. بدت هادئة على نحو مخادع، كأن البيوت التي تترامى على التلال تعيش في راحة دائمة، لا استراحة مؤقتة في انتظار ما ستبعث به البؤر الاستيطانية التي تطل عليها من كل الجهات كأبراج مراقبة تتابعها. 

وصلنا إلى مدخل القرية الوحيد. من أصل ثلاثة مداخل لم يبقَ سوى طريق واحد يمر عبر قريتي ترمسعيا وأبو فلاح بعدما أغلق الاحتلال مدخلًا على شارع رقم 458، وهو المعروف باسم "شارع ألون" وآخر بين قريتي المغير وترمسعيا.

على جانبي الطريق تمتد مساحات الأراضي التي تكسوها الحشائش الصفاء الذابلة تتخللها بقع من السواد؛ قال السائق إنها كانت حقول قمح وشعير، لكن هجمات المستوطنين خلال الشهور الماضية تركتها جرداء ومحترقة.

في قلب القرية بدت الشوارع شبه خالية. يقطع بعض الأفراد الشارع، ويقف آخرون عند بوابات البيوت المحصنة بالأسوار والبوابات الحديدية. قابلتنا نظرات الأهالي المرتابة إلى السيارة. اقترب أحد المارة وسأل السائق من نحن وماذا نريد. ألقى نظرة ثم مضى ولم يبدُ أن الارتياب غادره. 

أسلاك شائكة 

بعض الحقول التي حرقها المستوطنون على مدخل قرية المغير

بين المنازل، يبرز منزل عبد اللطيف أبو عليا الذي يقع وحده على المشارف، ببوابته الحديدية وسوره الذي تعلوه أسلاك شائكة، مثل قلعة محصنة تتعالى من وراء أسوارها أصوات أطفال يلعبون في الساحة المحتجبة للبيت المكون من ثلاثةِ طوابق، ويعيش فيه 22 فردًا من العائلة، بينهم والد أبو عليا وشقيقه وأبناؤهم.

قبل أن تشتد هجمات المستوطنين على القرية، كان يومُ رب هذه الأسرة يسير على ما اعتاد عليه، فعمله في البناء يمتد حتى ساعات متأخرة من الليل. لكنه الآن يضطر للعودة مبكرًا ليتمكن من حماية أسرته ومنزله، الذي أحاطه منذ سنتين بسور وأسلاك شائكة، ضمن محاولاته لمنع المستوطنين وأغنامهم من الاقتراب.

بالنسبة للأسرة أصبح مجرد الخروج من المنزل، سواء ذهاب الأطفال لمدارسهم أو الكبار لأعمالهم، مغامرة يومية يكتنفها الفزع، فالاعتداءات التي كانت تحدث قبل ثلاث سنوات بضع مرات في الشهر تحولت بعد السابع من أكتوبر إلى وقائع شبه يومية؛ "ماحدش بيرتاح ليل ولا نهار. ماتقدرش تضل بالبيت وأما تروح شغلك عقلك بيضل (يظل) مشغول بالبيت"؛ يقول عبد اللطيف لـ المنصة.

لا مجال للعب الأطفال إلا داخل السور، بينما تتناوب الأسرة على حراسة المنزل الذي لا يُترك أبدًا خاليًا خوفًا من محاولات المستوطنين احتلاله، وهو ما اقتربوا منه مرارًا. وفي أحيان كانوا يرعون أغنامهم إلى ساحته، ما اضطره لوضع الأسلاك الشائكة حول المنزل الذي بُني قبل توقيع اتفاقات أوسلو وتقسيم الضفة الغربية إلى مناطق "أ" و"ب" و"ج".

يشير عبد اللطيف إلى أن منزله مُرخص من الإدارة المدنية الإسرائيلية، ورغم ذلك يتهدده الخطر الدائم لأنه يقع على مسافة 197 مترًا فقط من شارع ألون، وهو طريق استيطاني يمتد بمحاذاة السفوح الشرقية للضفة الغربية باتجاه الأغوار، ويرتبط تاريخيًا بخطة ألون لعام 1967 التي هدفت إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على غور الأردن والمناطق الواقعة شرق الضفة. 

منزل عبد اللطيف أبو عليا في قرية المغير

وخلال السنوات الثلاث الماضية تحولت ساحة المنزل مسرحًا متكررًا للمواجهات بين الأهالي والمستوطنين. وفي يوليو/تموز 2026، أُصيب الفتى فادي النعسان، 17 عامًا، خلال هجوم استهدف البيت، قبل أن يُعلن عن مقتله بعد أيام متأثرًا بإصابته.

كان النعسان ضمن أهالي القرية الذين تصدوا لمحاولة المستوطنين إزالة الأسلاك الشائكة المحيطة بالمنزل، وهو واحد من 7 فلسطينيين على الأقل قتلوا في قرية المغير خلال هجمات للمستوطنين أو اقتحامات لقوات الاحتلال منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.  

وحسب بيانات خاصة حصلت عليها المنصة من هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، شهدت المغير تصعيدًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، من 84 اعتداءً عام 2024 بينها 42 نفذها مستوطنون والبقية من جيش الاحتلال، إلى 429 اعتداءً في 2025، منها 140 على يد مستوطنين، فيما سجلت القرية خلال النصف الأول من 2026 وحده 266 اعتداءً، بينها 62 نفذها مستوطنون. أي أن القرية شهدت خلال ستة أشهر فقط اعتداءات تعادل أكثر من 60% مما سجلته طوال عام 2025.

المنعطف الأخطر

بدأت البؤر الاستيطانية في تطويق المغير تدريجيًّا منذ أواخر التسعينيات. أولها كانت بؤرة عدي عاد، التي أُنشئت عام 1998 على أراضٍ خاصة تابعة لقريتي جالود وترمسعيا، قبل أن يتوسع الانتشار الاستيطاني ليصل اليوم إلى 7 بؤر استيطانية تحاصر القرية من جميع الجهات.

خلال ما يقارب الثلاثة عقود، اعتاد الأهالي على هجمات المستوطنين على القرية، ورصد توثيق للأمم المتحدة يعود إلى أكتوبر/تشرين الأول 2013،  اعتداءات متكررة خلال موسم قطف الزيتون شملت تخريب الأشجار واقتلاعها وحرقها، وسرقة المحاصيل والاعتداء على المزارعين.

قرية المغير حيث يظهر على سفح الجبل جزء من البؤر الاستيطانية التي تحاصر القرية

لكن عبد اللطيف يصف الفترة الممتدة منذ السابع من أكتوبر حتى اليوم بأنها "المنعطف الأخطر" الذي عاشته القرية، بعدما تحولت الهجمات من حوادث متقطعة إلى تهديد شبه يومي، تحت حماية جيش الاحتلال.

وتظهر بيانات منظمات أممية وحقوقية أن سرقة محصول الزيتون والاعتداء على المزارعين تصاعدا بشدة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أكثر من 200 هجوم مرتبطة بموسم الزيتون خلال 2024، قال إنه نحو ضعف عددها في 2023 وأكثر من ثلاثة أمثال 2022، قبل أن يسجل 178 هجومًا خلال موسم 2025 شملت اعتداءات على مزارعين وسرقة محاصيل ومعدات الحصاد وتخريب أكثر من ستة آلاف شجرة وشتلة.

وفي أغسطس/آب 2025، فرض جيش الاحتلال حصارًا ومنع تجول على القرية استمر ثلاثة أيام، قبل أن يفاجأ السكان باقتلاع المستوطنين، بمساعدة الجنود الإسرائيليين، نحو عشرة آلاف شجرة زيتون يزيد عمر بعضها على 90 عامًا.

مستحيل تجنب المواجهة 

فادي حمد الله النعسان قبل قتله في قرية المغيرة بالضفة الغربية 18 يوليو 2026

يؤكد عضو مجلس محلي قرية المغير، مرزوق أبو نعيم، لـ المنصة على حالة التأهب المستمرة من الأهالي لوصول المستوطنين الذين يندفعون نحو القرية من كل الجهات، مجموعات وأفرادًا، ما يجعل تجنب مواجهتهم مهمةً مستحيلةً. 

على سبيل المثال، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، خرج أيمن أبو عليا وزوجة أخيه لقطف محصول الزيتون مما تبقى من أرضه قرب قرية ترمسعيا بعدما صادر الاحتلال ما لا يقل عن 100 دونم منها، وخلال عملهما، هاجمهما مستوطنون، فلجأ إلى سيارته قبل أن يحطموا أجزاء منها ويثقبوا إطاراتها، ما دفعه للهرب فطارده نحو 40 مستوطنًا واعتدوا عليه بالعصي والهراوات والقضبان الحديدية.

في خضم هذه المعمعة، بقي بعض المستوطنين الذين هاجموه في الحقل ليعتدوا على زوجة أخيه بالضرب، ما أدى إلى إصابتها بارتجاج في الدماغ استدعى بقاءها ثلاثة أيام في العناية المركزة، بينما أُصيب هو برضوض وكسور.

ولا تقتصر الاعتداءات على هجمات المستوطنين على القرية، فجيش الاحتلال يقيم حاجرًا على المدخل الوحيد المتاح للمغير، ما يؤدي إلى تعطيل حركة السيارات ساعات، وأحيانًا ما يمنع السكان من العودة إلى منازلهم، فيضطرون للجوء لقرية خربة أبو فلاح المجاورة، حيث يوفر لهم أهاليها أماكن للمبيت والطعام؛ "أهالي خربة ابو فلاح جزاهم الله خير بيوفروا النا مبيت ومأكل ومشرب لما بمنعنا الاحتلال نرجع ع بيوتنا بالمغير"، يقول أيمن لـ المنصة.

ويروي "أن الجنود عادة بيسرقوا كل ما بجيبك من مصاري مهما كان المبلغ. بعض الناس بتضطر تخبي المصاري بأماكن غير متوقعة لتحميها من السرقة". 

ويؤكد عدد من سكان القرية أنهم يتعرضون للتنكيل على حواجز مختلفة بمجرد كشف هوياتهم ومعرفة أنهم من المغير. وهو ما يتفقون على أنه إشارة إلى استهداف ممنهج لهم لدفعهم لإخلاء القرية التي تمثل حلقة الوصل بين المستوطنات المحيطة بها وأغوار الأردن القريبة.

في قلب الخطر 

تبلغ مساحة قرية المغير حسب معهد الأبحاث التطبيقية - القدس "أريج"، أكثر من 33 ألف دونم، يقع نحو 1934 دونمًا فقط؛ أي 5.9% من مساحتها، بموجب اتفاق أوسلو الثاني، ضمن المنطقة "ب"، حيث تتركز غالبية المساكن، وتقع مسؤولية الأمن العام ضمن اختصاصات السلطة الفلسطينية، بينما تحتفظ إسرائيل بالسلطة الكاملة على الأمور الأمنية، وعلى الجانب الآخر صُنّف نحو 31 ألفًا و121 دونمًا، تمثل 94.1% من أراضيها، ضمن المنطقة "ج" الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة أمنيًّا وإداريًّا.

خريطة توضح تقسيمات أوسلو لأراضي الضفة الغربية إلى مناطق أ وب وج

يمنح هذا الموقع الاستراتيجي اعتداءات المستوطنين بعدًا يتجاوز حدود القرية، ويوضح مدير دائرة التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود لـ المنصة أن المغير بأراضيها الزراعية والرعوية في قلب مشروع استيطاني يسعى إلى تأمين التواصل بين البؤر المحيطة والسيطرة على المساحات الممتدة بين مرتفعات رام الله والأغوار، إذ يسهل شارع ألون وصول المستوطنين وتحركهم، في مقابل إغلاق مداخل القرية وتقييد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم.

لهذا السبب، أصبحت المغير هدفًا لموجات متتالية من اعتداءات المستوطنين شملت مهاجمة الأهالي، وحرق الممتلكات والحقول، واقتلاع الأشجار، وسرقة المواشي، ومنع الزراعة والرعي، بما يدفع الوجود الفلسطيني تدريجيًا بعيدًا عن جانبي الطريق ويتيح توسيع الحزام الاستيطاني المحيط به.

حسب داود، لا يمكن فصل التصعيد عن الدعم الحكومي الإسرائيلي للاستيطان، الذي يأخذ صورًا متعددةً تشمل شرعنة بعض البؤر، وتمويل الطرق والخدمات والبنية التحتية، وتسليح المستوطنين، وتوفير الحماية العسكرية لهم، وإغلاق الأراضي أمام أصحابها؛ هذا التداخل يؤدي إلى تحويل ما يفرضه المستوطنون ميدانيًا إلى وقائع يجري تثبيتها لاحقًا عبر إجراءات تخطيطية وإدارية.

تتكاثر كالجراد

توسعت ظاهرة البؤر الاستيطانية في الضفة بصورة كبيرة منذ النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي. وحسب حركة السلام الآن، وهي حركة إسرائيلية غير حكومية تأسست عام 1978 وتدعو إلى إنهاء الاحتلال والتوصل إلى حل الدولتين، تنتشر نحو 400 بؤرة استيطانية حاليًا في الضفة، بينها 163 بؤرة تقليدية و237 بؤرة زراعية ورعوية، إلى جانب المستوطنات المعترف بها رسميًّا من الحكومة الإسرائيلية، وتبلغ 146 مستوطنة.

وتسارع إنشاء البؤر بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة؛ إذ وثقت الحركة 185 بؤرة جديدة نشأت بين بداية 2023 ومنتصف 2025، مقابل متوسط يقل عن سبع بؤر سنويًا بين 1996 وبداية 2023. فيما باتت البؤر الزراعية تسيطر فعليًّا على أكثر من 1.1 مليون دونم من إجمالي 5 ملايين و650 ألف دونم من أراضي الضفة، بينها نحو 750 ألف دونم جرى الاستيلاء عليها منذ تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية السلطة. 

عند مغادرة قرية المغير عبر مدخلها الوحيد، رأينا تجمعًا للمستوطنين بدأ بالقرب من الطريق، لا يعرف الأهالي هل هو مجرد تجمع عابر أم مقدمة لهجوم آخر باتوا ينتظرونه بشكل شبه يومي.

بعد الزيارة ببضعة أيام، وفي مساء يوم الأربعاء 2 سبتمبر/أيلول، وصلنا خبر مقتل مراهقين هما عمر محمد نعسان وخليل أبو عليا، وكلاهما 19 عامًا، برصاص قوات الاحتلال والمستوطنين، خلال هجوم على وسط القرية ومحاولة سرق أغنام، وعندما حاول الأهالي التصدي للهجوم أطلق القناصة الرصاص الحي عليهم ما أدى لإصابة المراهقين بجروح حرجة قبل أن يفارقا الحياة في المستشفى. وبذلك وصل عدد الضحايا في المغير منذ 7 أكتوبر 2023 إلى 9 قتلى.