تحولات الأصالة في التصوير المصري الحديث
أتذكر النقاشات مع الأصدقاء طلبة الفنون الجميلة في الثمانينيات والتسعينيات حول الفن التشكيلي، ولغته المجردة. كنا فريقين: فريق الشعراء، وفريق الفنانين، نتصارع على خلق لغة جديدة للفن، نتحلق جميعًا حول اللوحة كأننا نقرأ عليها الأوراد الصامتة كي تكشف عن مكنونها، لم نكن نمتلك تلك النظرة الموضوعية أو العلمية التي نحكم بها على جمالياتها.
كانت نظرتنا ذاتية بحتة. كنا نعزي هذا الاختلاف في المصطلحات بين الفريقين، إلى حداثة هذا الفن في مصر، لذا لم يؤسس قواعد تحكم طريقة لتقييمه، بعكس قِدم تاريخ الشعر والكتابة بشكل عام. كانت هناك تهمة جاهزة من فريق الفنانين؛ أنني أستخدم لغةً أدبية عندما أنتقد لوحة، كأن اللغة الأدبية أو الشعر، لا يملكان أدوات التقييم.
لم تأخذ تلك النظرة الموضوعية مكانها بعدُ في قراءة المشهد التشكيلي المصري الحالي، رغم انتشار كليات الفنون الجميلة، وازدياد الاهتمام بحقل الفن التشكيلي ودخوله في سياق رواج عالمي وعولمي، تغيب معه أسس التقييم والتقدير، ولا تزال اللوحة، وكل الفاعلين فيها، ومن حولها، تحمل الغموض القديم نفسه.
في هذه المقال أتتبع ثلاثة كتب لها أهميتها في التأريخ والتأسيس للحركة الفنية المصرية: دراسات في الفن لرمسيس يونان، والتصوير المصري الحديث لإيميه آزار، وحسابات الفن والإبداع لجيسيكا وينيجارد.
دراسات في الفن
يعتبر الفنان والناقد المصري رمسيس يونان أحد رواد الحداثة، وأحد مؤسسي جماعة الفن والحرية السوريالية. يحتوي كتابه على 45 مقالة ودراسة نقدية كُتبت ما بين 1938- 1966 تعكس رؤيته الموسوعية في الفكر والثقافة للفن باعتباره أداة لفهم الإنسان والعالم، أكثر من كونه مجرد دراسة تقنية للرسم أو النحت. بجانب تحليله للاتجاهات والمدارس الفنية، ورسم خريطة للفنان العصري ومواصفاته، والعلاقة بين الفن والفكر والفلسفة، ودراسات عن تاريخ الفن وتطوره في مصر والعالم.
كان رمسيس يونان يمتلك سمات المفكر الذي يمكنه مد خيوط أي فكرة وربطها بأفكار أخرى، فيظهر أمام عينك كقارئ خريطة فكرية عالمية متشعبة. هناك قراءات نقدية شديدة الخصوصية لأعمال وفنانين تشكيليين من أجيال مختلفة، تبدأ منذ بداية العشرينيات وتشمل جيل الرواد وصولًا للستينيات. لا يكتفي بوصف اللوحات، بل يربطها بسيرة الفنان، بأفكاره ومواقفه، وبيئته الاجتماعية، والمدرسة الفنية التي ينتمي إليها، وتأثير الحداثة الأوروبية في الفن المصري.
كان يحمل روح الفنان المتمرد، يكتب في لحظة تاريخية تخللها التحول ما بين عهدَيْ الملكية والثورة، لذا امتلك نظرة آملة للمستقبل جعلته يقف ضد سلطة الأكاديميات العالمية الفنية، ويرى أن حركة التشكيل المصرية قاومت هذا التسلط الأكاديمي، بفضل اتساع الأفق الثقافي لفنانيها، وتمكَّن من لُقنوا التعاليم الأكاديمية من أن يفلتوا منها، بفضل رهافة الحس وتوقد الروح، مثل مختار وأحمد صبري وراغب عياد. ولكن بعد إنشاء مدرسة الفنون واستقدام أساتذة من الخارج، تولى أمرها تلاميذهم المصريين، فوقعت الحركة التشكيلية تحت رحمة التيارات الأكاديمية الراكدة.
النقد في هذا العصر لا يقتضي فقط وعيًا فنيًا عميقًا، وإنما يقتضي كذلك وعيًا ثقافيًا عظيمًا
في الكتاب تأصيل لفكرة الفن، والفنان، والفنون الجميلة، والمجتمع، ويطرح هذه الأسئلة في الأربعينيات والخمسينيات بحدس والتزام شخصيَّين قبل أن تتوالى النظريات فيما بعد حول الحقل الفني والثقافي. بجانب التأريخ للفنانين ونقد أعمالهم، يحاول يونان تحليل السياق المجتمعي الذي ينتح فيه الفن، فيجد أن هناك أزمة في عدم عناية جمهرة المثقفين وانصرافهم عن الفن. وترتب على هذا تردي النقد، فمن تولى الحديث عن الفن "طائفة من الكتاب غالبيتها على حظ ضئيل من الثقافة".
ويرى أن الأجدر للخروج من هذه الأزمة التفاف الشعراء والأدباء إلى ميدان الفنون التشكيلية بحكم أن الفن جزء لا يتجزأ من الثقافة. والنقد الفني فرع من فروع الأدب.
وكما يهتم بالفنان الحديث يهتم أيضًا بالناقد الحديث، أن يعزز ذاتيته بالمعرفة الموسوعية، فالنقد في هذا العصر لا يقتضي فقط وعيًا فنيًا عميقًا، وإنما يقتضي كذلك وعيًا ثقافيًا عظيمًا، والنقاد المعاصرون الذين يعتد بهم هم من تحقق فيهم هذان الشرطان. وبالطبع الشرطان تحققا في نموذج رمسيس يونان.
التصوير الحديث في مصر – إيميه آزار
يُعد الكتاب من أهم المراجع التي تناولت تاريخ الفن التشكيلي المصري الحديث، وخاصة فن التصوير منذ بدايات النهضة الفنية الحديثة في بدايات القرن العشرين وحتى أوائل الستينيات. يدمج إيميه آزار ما بين الذاتية والموضوعية، في نقده للأعمال وقراءته لواقع التصوير الحديث.
يفسر كتاب آزار نشأة الحركة التشكيلية المصرية الحديثة، وتطورها، وأعلامها، بجانب سير ذاتية مختصرة وشديدة الإيجاز والكثافة والعمق عن هؤلاء الفنانين، والتي تبرهن على نفاذية حسه النقدي.
يكشف عن الجانب المتمرد في شخصيته، فأحد أهداف كتابه البحث عن أصالة مصرية في التصوير، ومواجهة تسلط الأكاديميات الفنية، وسيطرتها على الرأي العام. فقد كتب دراسته، كما يقول، "بدافع دعوة الجمهور أن يكف عن إعجابه بالتصوير الأكاديمي الذي يتملق رغبته التغريبية".
كان يبحث وينقب ويصنف أعمال الفنانين الرواد تبعًا لهذه الأصالة المصرية، فيستبعد بعضهم لتأثرهم بالتيارات الغربية، فهناك فنانون لم يحوزوا هذه الصفة بسبب افتقادهم للشخصية القوية المؤثرة في أعمالهم. في تصنيفه يحدد إيميه آزار ذاتية الفنان كمرتكز، وارتباطها بالطابع المحلي والشخصية القوية المؤثرة للفنان، وعدم الانسياق وراء المدارس الغربية.
يؤكد إيميه آزار أن علاقة الفنان بالمجتمع أو الجماعة هامة للغاية لإنتاج فن أصيل؛ "أن إفساح المجال للحوار المشبوب العاطفة بين الفنان وقومه هو النقطة التي بدأ منها تاريخ فن أي بلد".
الفكرة نفسها يطبقها على نظرته للناقد، "في أساس كل تأمل ذهني يوجد ذلك الهوى المحمود والصادر عن التفهم العميق والحمية، ذلك عنصر حيوي في التعبير وفي الإبداع وفي السلوك الجمالي".
أصبح الفكر السياسي الديني جزءًا من تركيب الفنان وطريقة صياغته لهويته الفنية والحياتية
يعزو إيميه آزار للفنان حسين يوسف أمين الصحوةَ الحقيقة لضمير التصوير المصري، سواء بسبب أبحاثه العديدة، واهتماماته التربوية، أو فضله على جماعة الفن المعاصر التي أسسها، واستضافة اجتماعاتها في بيته، وكانت أكثر التجارب جسارة.
ويؤكد على أهمية معرضهم الأول الذي أقيم عام 1946، وكان بمثابة البداية لعودة التصوير المصري بعد غياب لقرون، حيث تخلصت لوحاتهم من الأصول الغربية، وتم هضمها داخل ذات شعبية/شخصية. فجميع أعضاء الجماعة كانوا يبحثون عن إرساء علاقة حميمة بين الوسط وفلسفته، من ناحية، وبين روح تقنية مطواعة للموضوع من ناحية أخرى. والكشف في نطاق هذه العلاقة المزدوجة عن السيكولوجية الشخصية للفنان الذي هو مبدعها، وتحويل تعبيرية الغرب إلى إحساس قومي من حيث المضمون مثل سمير رافع، وإبراهيم مسعودة.
حسابات الإبداع – سياسات الفن والثقافة
في حسابات الإبداع، للباحثة الأمريكية جيسيكا وينيجار، لا يزال سؤال الأصالة حاضرًا ومستمرًا، ولكن في واقع جديد عولمي، بعد سيطرة الانفتاح الاقتصادي على سياسة الدولة، وقيم الاستهلاك، حيث عايشت الباحثة الوسط الفني التشكيلي المصري في عقد التسعينيات وشهدت تحول دولة الاستقلال إلى دولة الليبرالية الجديدة، ومعها تغير مفهوما الفن والفنان. فلم يعد للفنان أهميته في بناء حوار مع الخارج الاجتماعي كما عند رمسيس يونان وإيميه آذار، وأيضًا لم يعد متمردًا هامشيًّا يقف على حافة المجتمع وسلطة الدولة.
ترسم الباحثة خريطة لتلك الممارسات الفنية والمؤسسات التي ترعاها وتختص بالفن وإنتاجه وتعليمه وصورة الفنان في المجتمع، وغيرها، وتقوم بتفصيص، وليس فقط تفكيك، هذه الممارسات والمؤسسات التي تقوم عليها، وهذا يرجع للمنهج الأنثروبولوجي الدقيق الذي تتبعه في سياق بحثها.
تبدأ من ميدان التحرير، كمركز للتحرر وللجموع، امتزاج الخاص بالعام. وتفكك السلطات الرمزية الممثلة في مبانٍ وهيئات تعليمية، وجامعات من حوله، وترصد تناقضها مع مفهوم الحرية الذي يمثله الميدان، والذي جمع من حوله كل تناقضات النظام. وربما لم تكن صدفة.
وسط هذه التناقضات والسلطات الرمزية والمادية، يختار الفنان طريقه، أو ثورته الشخصية، فالميدان، بالنسبة لها، أصبح مركزًا مجازيًا بشكل ما لما هو أصيل ولكنه غير مرئي وغير ملموس.
تتحرى جيسيكا بوصفها باحثة أنثروبولوجية أزمات الفن المباشرة، والبحث عن أصولها السياسية والاجتماعية. تتناول الأصالة من خلال مفهوم التراث والدين والعلاقة بينهما، وهي اهتمامات أكبر من اهتمام الجماعة الفنية، التي كانت تملك من قبل خطابًا يجسر الفجوة بين الفن والقيم الروحية للمجتمع وأفكاره وتقاليده وفولكلوره.
أصبح الفكر السياسي الديني جزءًا من تركيب الفنان وطريقة صياغته لهويته الفنية والحياتية، وبالتالي جزءًا من صناعة أصالته الفنية. وربما هناك نقد مبطن توجهه جيسيكا لمفهوم الأصالة من وجهة النظر الأنثروبولوجية، التي تغدو منظورًا تاريخيًا واعيًا ولكنه أيضًا انعزاليًا بالأساس ونوستالجيًا إلى حد كبير تبعًا للباحثة الفلسطينية ليلى أبو لغد.
اعتمدت الباحثة في دراستها على حوارات طويلة أو سريعة مع فنانين مصريين من الأجيال الجديدة، وسألتهم عن الأصالة والفن ومكان المجتمع بالنسبة لهم. أصبح الفنانون وليس لوحاتهم التي لم تولها هذا الجانب التحليلي والجدل، امتدادًا لحواراتهم، بدون أن تتدخل أو تكون طرفًا ثالثًا بينهم وبين أعمالهم، بين الفنان وحياته وعمله. كانت تلعب دور المستمع المحايد، بسبب صرامة المنهج. هذه الفرضيات التي يطرحها كل فنان عن نفسه أصبحت جزءًا من حقيقة البحث، ولم تكن هناك تحليلات فنية أو علامات تخص التشكيل وعوالمه الداخلية، بل السياق الخارجي الذي يولد فيه الفن والفنان، وليس داخليته، ربما لاهتمامها بتفسير ظاهرة السلطة وتحولاتها.
ربما اهتمام وتركيز الباحثة على سلطة الدولة المتمثلة في وزارة الثقافة أو غيرها من المؤسسات التابعة لها، نابع من أنها لم تجد جماعات فنية يتبلور في خطابها تفكيك لخطاب الدولة، فقد كان الواقع في التسعينيات متشظيًا وفرديًا خالصًا، وأصبحت مؤسسات المجتمع المدني وجاليريهات الفن، ومن يديرونها، المعبرين عن أصوات جماعات فنية غائبة، ولكن في النهاية تبقى مجرد آراء فردية.
يظل رصد مفهوم "الأصالة" وتحوله في تلك الحقبة، من أولويات الباحثة، وتشير للرأي الذي يتبناه "الأصلاء" بأن الاستعمار هو السبب في قطع تطور الفن المصري، بينما سمح للفن الأوروبي بالاستمرار. فالأصالة بهذا المفهوم عودة للمنابع، ما قبل القطع الاستعماري الذي حدث تجاه الفن الفرعوني.


