فخ المُسيّرات.. اختبار دمياط يدق جرس إنذار لطبقات الدفاع المتعددة
شكَّلت المُسيّرة المجهولة التي استهدفت سفينتين للغاز في ميناء دمياط يوم الأربعاء الماضي، أحدث تحدٍّ من نوعه لمنظومة الدفاعات الجوية المصرية، التي وصفها قائدها الفريق ياسر الطودي بأنها من "أعقد" المنظومات عالميًا، في وقتٍ تتغير فيه مفاهيم التفوق الجوي التقليدية مع التوسع في استخدام الطائرات المُسيّرة في أوكرانيا والشرق الأوسط.
وأصابت المُسيّرة وحدة التخزين وإعادة التغويز العائمة "إنرجوس وينتر"، التابعة لشركة إنرجوس إنفراستركتشر الأمريكية والمستأجرة من الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية/إيجاس، حسب مصادر تحدثت لـ المنصة، قبل أن تمتد النيران إلى ناقلة الغاز المسال "جاس لوج سالم"، التي كانت راسية بجوارها ولم تبدأ تشغيلها بعد.
ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم الذي وقع الخميس، وفق رئاسة مجلس الوزراء التي أعلنت استمرار التحقيقات للوقوف على ملابسات الواقعة. دون إيضاح أي معلومات أخرى. ونفت كل من إسرائيل وجماعة أنصار الله "الحوثيين" وإيران، مسؤوليتها عن الهجوم، واتهمت الأخيرة إسرائيل بالوقوف خلفه.
ووقع الحادث في سياق إقليمي متوتر، بعد ساعات من شن الولايات المتحدة والسعودية ضربات على فصائل مدعومة من إيران في العراق، ومع اتساع نطاق الحرب وارتفاع سعر خام برنت بأكثر من 7% ليتجاوز 90 دولارًا للبرميل. وعودة الضربات المتبادلة بين أمريكا وإيران، بحث السعودية تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر، بعد فرض الحوثيين في اليمن حصارًا بحريًا عليها.
أجسام في طابا ودهب
منذ انفجار الحرب في الشرق الأوسط بعد هجوم السابع من أكتوبر، لجأ حزب الله اللبناني والحوثيون في اليمن ثم إيران، إلى الطائرات المُسيّرة من أجل تضييق فجوة التفوق الجوي الإسرائيلي، واستنزاف دفاعاته الجوية.
واتسع نطاق استخدام المُسيّرات في الحروب الحديثة وخاصة أوكرانيا وإيران واليمن، وكثيرًا ما كانت عاملًا فارقًا في ترجيح الكفة، أو على الأقل في التوازن العسكري والاستراتيجي بين قوة كبيرة وقوة أضعف منها. وبرزت عائلة مسيرات شاهد الإيرانية خاصة بسبب تكلفة إنتاجها التي لا تتجاوز 20 ألف دولار للطائرة الواحدة، وقدرتها على الطيران لمسافات طويلة مع بصمة رادارية منخفضة تُصعّب اكتشافها.
وفي خضم هذه المواجهات، سقطت مُسيّرة أطلقت من جنوب البحر الأحمر نحو إسرائيل في مدينة طابا الحدودية في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأصابت ستة أشخاص. وبعدها بشهرين، نجحت الدفاعات الجوية المصرية في التصدي لجسمين طائرين وإسقاطهما في البحر قبالة سواحل مدينة دهب، الأول في 16 ديسمبر، والثاني في 26 ديسمبر.
وبينما لا تتطابق هذه الوقائع في طبيعتها؛ فإنها تكشف مجتمعةً أن تهديد المسيّرات الصغيرة والمنخفضة لم يعد مقتصرًا على الحدود الشرقية أو الجنوبية، بعدما امتد في واقعة دمياط إلى هدف حيوي على ساحل البحر المتوسط.
وبينما اتفق الخبراء العسكريون الذين تحدثوا إلى المنصة على أن هذه الحوادث، على أهميتها، لا تضع شكوكًا حول كفاءة منظومة الدفاع الجوي المصرية؛ فإنهم أجمعوا أيضًا على أنها تدق جرس إنذار يتعلق بالمُسيّرات الصغيرة منخفضة التكلفة، خصوصًا مع صعوبة رصدها، وقدرتها على إرباك منظومات دفاعية تتجاوز تكلفة صواريخها الاعتراضية ملايين الدولارات.
"ليست عصية على الاختراق"
"لا يوجد دفاع جوي مهما بلغ من التطور عصي على الاختراق"، يقول المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا اللواء أركان حرب نصر سالم، الذي دعا في الوقت نفسه إلى مراجعة إجراءات رصد المسيّرات وتعقبها واعتراضها.
ويشير سالم لـ المنصة إلى أن حجم المسيّرة ونوعها والجهة التي أطلقتها لم تُعرف بعد، وهي معلومات أساسية لتقييم أداء الدفاعات. ويرى أن انخفاض البصمة الرادارية للمسيّرات وقدرتها على التحليق المنخفض يمكن أن يساعداها على الإفلات من الرصد، خصوصًا إذا أُطلقت من مسافة قريبة؛ إذ يمكن، بحسب قوله، أن "تطلق من دولة أو مركب صيد صغير".
ويقول سالم إن مصر طورت شبكة دفاع جوي متكاملة متعددة الطبقات، لكنه يؤكد أن الحروب الأخيرة أثبتت أن امتلاك أنظمة متقدمة لا يمنع الاختراق بالكامل.
ويضيف "إذ نجحت مسيرات إيران المحظورة من التسليح في تهديد أمن إسرائيل رغم امتلاكها القبة الحديدية وشراء بطاريات أنظمة دفاع جوي أمريكية، وكذلك كانت القواعد الأمريكية في الخليج عرضة للاستهداف اليومي من قبل إيران".
منظومة متعددة الطبقات
مع احتدام الصراع في الشرق الأوسط خلال الأعوام الماضي، وتحول سماءه إلى ساحة مفتوحة للطائرات العسكرية والصواريخ والمسيّرات، وبينما اعتمدت إيران بصورة أساسية على منظومات روسية، واتجهت دول الخليج إلى الأنظمة الأمريكية، بنت مصر منظومة دفاع جوي متعددة المصادر، تضم تقنيات ومنظومات روسية وصينية وأمريكية وألمانية وفرنسية، وتجمع بين عناصر الاستطلاع والإنذار المبكر، والصواريخ والمدفعية المضادة للطائرات ذات المديات المختلفة، ومراكز القيادة والسيطرة.
يتيح تنويع مصر مصادر تسليحها بناء شبكة دفاعية واسعة، لكنه يخلق في المقابل تحديًا تشغيليًا
وقال قائد قوات الدفاع الجوي الفريق ياسر الطودي، في تصريحات صحفية سابقة، إن المنظومة تعتمد على شبكات الإنذار المبكر، وطبقات دفاعية متعددة المديات، وأنظمة غير نمطية لمواجهة الطائرات دون طيار والذخائر الذكية، من بينها الإعاقة والخداع والليزر والنبضات الكهرومغناطيسية.
وأوضح أن عناصر الاستطلاع والإنذار تشمل أجهزة الرادار والمراقبة الجوية بالنظر، فيما تضم العناصر الإيجابية صواريخ ومدفعية مضادة للطائرات بمديات مختلفة لحماية الأهداف الحيوية والتشكيلات العسكرية، إلى جانب مراكز قيادة وسيطرة تتعاون مع القوات الجوية والبحرية والحرب الإلكترونية.
وبينما يتيح تنويع مصر مصادر تسليحها بناء شبكة دفاعية واسعة، تجمع بين أنظمة بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى، بما يسمح بتوزيع الأدوار بين رصد التهديدات واعتراضها على مراحل مختلفة؛ فإنه يخلق في المقابل تحديًا تشغيليًا.
فقد كشف تقرير لخدمة أبحاث الكونجرس، أن تنويع مصر مصادر التسليح يقلل من اعتمادها على مورد واحد، لكنه يرفع في المقابل تعقيد صيانة وتشغيل هذه المنظومات المتباينة ناهيك عن إدارة علاقات مع عدة موردين في نفس الوقت.
وتتمثل المعضلة الثانية في قدرة هذه المنظومات المتباينة على العمل معًا بكفاءة؛ فالأنظمة المصممة في دول مختلفة لا تتبادل البيانات مباشرةً، لاعتمادها على بروتوكولات ولغات تشغيل غير متوافقة. وتسعى مصر إلى تجاوز هذه المشكلة عبر أنظمة قيادة وسيطرة محلية، مثل RISC2 وRISC3، تعمل كطبقة وسيطة لترجمة البيانات وتبادلها بين مكونات الشبكة في الوقت الحقيقي.
ويشير خبراء دفاعيون إلى أن نجاح هذا الربط بدرجة تقارب الكمال شرطًا أساسيًا لفاعلية أي منظومة دفاع جوي تتكون من مكونات متعددة المصادر، وهو تحدٍّ تواجهه حتى جيوش وتحالفات متقدمة مثل حلف الناتو.
تحت مظلة الرادار
يتفق المستشار بكلية القادة والأركان المصرية اللواء محمد الشهاوي مع اللواء أركان حرب نصر سالم، في أن المسيّرات الصغيرة منخفضة التكلفة تمثل أحد أصعب التهديدات أمام الدفاعات الجوية الحديثة.
ويشير لـ المنصة إلى قدرة هذه المُسيّرات على التحليق على ارتفاعات تتراوح بين 50 و200 متر، بينما صُممت الرادارات الكبيرة أساسًا لرصد بصمات الطائرات والصواريخ الأكبر حجمًا وعلى ارتفاعات أعلى. كما يشير إلى أنها إذا لم تُصب هدفها فإنها ترفع الكلفة الاقتصادية لإسقاطها؛ فصاروخ اعتراضي مثل باتريوت قد تصل تكلفته إلى نحو أربعة ملايين دولار، هو ما يواجه المسيّرة التي لا يتجاوز ثمنها عشرات الآلاف.
ويضيف أن الصعوبة تزداد مع الهجمات الكثيفة؛ إذ يمكن لسرب يتكون من عشرات المسيّرات أن يستهلك قدرات الكشف والاعتراض، خصوصًا إذا تزامن مع إطلاق صواريخ أو ذخائر أخرى من اتجاهات مختلفة.
أي حادث ناجح يظل سببًا كافيًا لمراجعة نقاط الضعف وتحديث أساليب الاستخدام
ويقول الشهاوي إن تطوير الدفاعات المصرية اعتمد على ثلاث طبقات؛ تبدأ بالكشف والإنذار المبكر عبر رادارات متخصصة في رصد الأجسام البطيئة والمنخفضة، إلى جانب وسائل الرصد البصري والحراري. وتضم الطبقة الثانية أنظمة الحرب الإلكترونية والتشويش على الاتصال بين المسيّرة ومشغلها أو على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي، فيما تشمل الثالثة المدفعية المضادة للطائرات والصواريخ قصيرة المدى وأسلحة الطاقة الموجهة.
وينظر الشهاوي إلى حادث دمياط باعتباره اختبارًا يستدعي دراسة أداء كل طبقة من هذه الطبقات، لا إصدار حكم سريع على المنظومة كلها. ويطرح احتمالين لما حدث: إما أنه يمثل نجاح مسيّرة واحدة في الوصول إلى هدفها، وهذا لا يمثل في رأيه، فشلًا لأداء الشبكة كاملةً حيث لا يوجد "ردع كامل" كما يقول.
أما الاحتمال الثاني أن تكون المسيرة التي نجحت في الوصول إلى ميناء دمياط كانت جزءًا من سرب تمكنت الأجهزة والرادارات من اعتراض بقيته. وهو ما يراه نجاحًا للشبكة. مرجحًا أن يكون الهدف من هذا الهجوم هو اختبار الدفاعات وإرهاقها.
ويضيف "مفيش دولة عندها حل سحري 100%، حتى أمريكا وإسرائيل عندهم اختراقات، لكن الدفاعات المصرية قادرة على التعامل بنسبة عالية جدًا مع المسيرات الفردية والسرب الصغير بينما التحدي الحقيقي هو هجوم سرب كبير مع إطلاق صواريخ في وقت واحد".
ويرى مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية اللواء محمد قشقوش على أن الشبكات متعددة الطبقات، التي تجمع بين الرصد والإنذار والتشويش والتدمير، هي المسار الأكثر تطورًا لمواجهة التهديدات الحديثة. لكن اللواء نصر سالم يرى أن أي حادث ناجح يظل سببًا كافيًا لمراجعة نقاط الضعف وتحديث أساليب الاستخدام، لأن فاعلية المنظومات لا تتوقف على امتلاكها، بل على سرعة اكتشاف التهديد وتصنيفه واتخاذ قرار الاشتباك معه.
ورغم اتفاق الخبراء العسكريين على أن نجاح هجوم المُسيّرة لا يضع شكوكًا على كفاءة منظومة الدفاع الجوي المصرية؛ فإن تقييم ما جرى سيظل معلقًا بنتائج التحقيقات التي لا زالت تجري بشأن مصدر إطلاق المسيّرة، وهل رُصدت قبل وصولها، وهل جرت محاولة لاعتراضها، وما إذا كان نجاحها نتيجة ثغرة تقنية أو قرار تشغيلي أو إطلاق من مسافة قريبة تجاوز الافتراضات التقليدية لحماية المجال الجوي.
