تصميم: أحمد بلال - المنصة

لقطاء في قصاصات.. ولدوا بلا نسب وماتوا في صمت

منشور الأحد 23 آب/أغسطس 2026

"ابن ناس" هذه الكلمة السحرية التي تميز بين صنفين من البشر؛ من له نسب معروف، أيُّ نسب، فيمكن وضعه في الهرم الاجتماعي أعلى أو أدنى حسب وضعه، ومجهول النسب الذي لا مكان له في الهرم الاجتماعي ولا حتى في أدنى درجاته، وهو من يطلق عليه "لقيط".

من سوق ديانا في قلب القاهرة حيث تباع الأوراق وتشترى، حصلت على وثائق تخص لقطاء، مراسلات رسمية قديمة ترجع إلى عام 1914، بين مراكز بوليس في القطر المصري والدكتور"كيتنج" ناظر مستشفى قصر العيني لقبول لقطاء في ملجأ المستشفى. قرأت من قبل عن هذا الملجأ الذي تأسس سنة 1898 كتذكار لرحيل الليدي كرومر.

الملجأ كان يقبل اللقطاء وأبناء الفقراء. في بعض الأوراق إقرار بالتخلي عن الرضيع للملجأ وعدم المطالبة به نهائيًا، وفي بعضها الآخر طلبات من الأقسام بقبول طفل لقيط وُجِد ملقى في أحد حواري القاهرة.

في عام 1914 جُندت أعداد كبيرة من المصريين للخدمة مع جيش الحلفاء في الحرب العالمية الأولى. ما أدى لتدهور الأحوال التي ربما دفعت نساء فقيرات إلى امتهان العمل بالجنس بعد تجنيد الرجال المعيلة لهن.

تلك القصاصات تكشف الكثير، نساء اضطررن للتخلي عن أبنائهن، تحت ضغط الحاجة والوصم، لقطاء بدوا كأنهم يصرخون للإعلان عن وجودهم، ليس كضحايا ولكن كجزء من تاريخ وذاكرة تقاوم التجاهل.

 إقرار وسفاح

إيداع أم لابنها في مستشفى القصر العيني وتنازلها عن حقها في المطالبة به مستقبلًا

في تلك القصاصات لا تبدو مأساة الأمهات وأبنائهن اللقطاء مجرد نتيجة الحروب والأزمات والفقر المدقع ولكن أيضًا لإنعدام العدالة وسياسات التجنيد والسخرة والاستعباد، ومن بينهن لطيفة التي تحمل واحدة من القصاصات جانبًا من معاناتها.

"أنا الحرمة لطيفة بنت مرجان من بندر المنيا ومقيمة الآن بطرف أحمد أفندي بشارع التلول بالبغالة تبع قسم السيدة زينب بمصر أتعهد لمستشفى قصر العيني بترك ولدي رمضان ابن عبد الله لتربيته أسوة بالأطفال اللقطاء والتصرف في هذا الطفل باعطائه لمن يشأ وإني من الآن فصاعد لا يكن لي حق في طلبه بالمرة وقد تحرر هذا تعهدًا مني بذلك، لطيفة بنت رمضان".

بهذه الكلمات تتخلى لطيفة عن مولودها إلى الأبد، أي قوة دفعتها لذلك؟ الإيضاح في ورقة ثانية، إذ تعترف لطيفة فيها وبنفس التاريخ بأن وليدها كان من حمل سفاح.

"جناب المحترم ناظر مستشفى قصر العيني: أرجو صدور الأمر بقبول ولدي رمضان الذي حمل به سفاحا ضمن الأطفال اللقطاء واني من الآن فصاعد لا يكن لي حق في طلبه بالمرة بما اني لست قادرة على رضاعته وطلبي السعي على معاشي، لطيفة بنت رمضان".

بحثا عن نجاة المولود تدفع أم بوليدها للملجأ وتتخلى عنه نهائيًا، ولكن النجاة ليست مؤكدة، ربما كانت تلك الرسالة التي يحاول إخبارنا بها الطفل محمد شعبان، الذي لم يكفي وجوده في الملجأ لإنقاذه.

"رفعتلو أفندي مأمور مركز إمبابة: الطفل محمد شعبان الوارد لهنا بإفادة حضرتكم رقم 7 الجاري س 1523 لتربيته قد توفى اليوم لذا نورد تحريره حضرتكم إخطارا بذلك 15 يوليو 1914. ناظر مستشفى قصر العيني"

مرسل لعمدة العجوزة للتأشير قريبة المذكور بذلك وإرسال الأوراق الخاصة به مع شهادة الميلاد .. 17 يوليه 1914 مأمور مركز امبابة". فكان الرد "عاين المركز بتأشير الطفل محمد شعبان بدفتر الميلاد ودفتر المتوفين في يوم 30 يوليو 1914"

تكشف الأوراق أن الطفل محمد شعبان كان معلوم الأهل، وأن اسم اللقيط كان يلحق باسم "عبدالله" في مكان اسم الأب.

وعن وفيات الأطفال جاء في التقرير العام للورد كرومر سنة 1904 "لا تزال نسبة الوفيات بين الأطفال اللقطاء مرتفعة للغاية، ويرجع ذلك في الأساس إلى الحالة المزرية التي يُحضر بها معظمهم إلى المستشفى. إذ تلقي بهم الأمهات فور ولادتهم في أماكن مهجورة، ونادرا ما يُعثر عليهم إلا بعد أن يتعرضوا، عراة، لعوامل الطقس لعدة ساعات".

لاكتمال الصورة عن الدعارة والفقر وأحوال البلد إبان الحرب العالمية الأولى يمكن مطالعة تحقيق عن قضية كبرى حدثت سنة 1914 ويبدو أنها أثارت ضجة، سميت "سوق الرقيق الأبيض" ونشر عنها في العدد الخامس عشر من مجلة الدنيا المصورة، يوم الأربعاء 28 أغسطس/آب 1929.

تاريخ مختلف

بدت تلك القصاصات الورقية القديمة جزءًا ضئيلًا من تاريخ طويل تبدلت فيه أحوال الإنسان من النقيض إلى النقيض. 

لم يكن تاريخ اللقطاء على هذا النحو من البؤس دائمًا، فبعضهم صادفه حسن الطالع، إذ تروي الأسطورة أن الملك شروكين/سرجون الأكدي (2334 - 2215) ق م. قال إن أمه ولدته سرًا على ضفة نهر الفرات ثم وضعته في سلة من البوص أحكمت تغليفها بالقار، وألقت بها في النهر.

طفت السلة فوق الماء وسارت معه حتى رآها فلاح كان يعمل بالشادوف على ضفة النهر، فانتشلها، وأخرج الرضيع واتخذه ولدًا في قصة تتشابه في بعض تفاصيلها مع قصة النبي موسى. تدرج سرجون في الوظائف حتى أصبح ساقي الملك، ثم وثب على الحكم. وأسس ما يعرف بالعصر الأكدي في بلاد الرافدين. 

السيطرة على الأجساد ومراقبتها والتحكم فيها بالقوانين واللوائح والعقوبات لم يبدأ مع الدولة الحديثة

في هذا الزمن البعيد لم يكن قد ظهر بعد مصطلح "حمل السفاح"، فالملك سرجون الأكدي لم يعرف أباه، وحسب الأسطورة فقد أنجبته أمه بعدما وهبت نفسها للرب والمعبد.

تنتمي تلك القصة للحضارة الأمومية فعندما دجن الإنسان النبات وامتهن الزراعة، قدس الأمهات بوصفهن البطن التي تأتي بالأيدي العاملة في الأرض الزراعية، وقتها اختلق الإنسان كتيبة من الآلهة ترعى وتمنح الخصوبة وتحمي وتبارك الأمهات والمواليد في الحضارات الزراعية القديمة، مثلما يصف كتاب ليز مانيش الجنس في مصر القديمة شكل الحياة وأحكام الجنس ووضع المرأة.

أما في الجزيرة العربية قبل الإسلام نجد كتب التراث الإسلامي تزخر بقصص نساء قادرات يصغن نسب أبنائهن ويخترن الآباء لأبنائهن.

السيطرة على الأجساد ومراقبتها والتحكم فيها بالقوانين واللوائح والعقوبات لم يبدأ مع الدولة الحديثة. بل الأرجح أنه بدأ مع تجريم ممارسة الجنس خارج نطاق الزواج الذي حددته الأديان الإبراهيمية، وظهور مصطلحات "عقدة الذنب" و"الحرام والحلال"، و"الزنا والحمل السفاح" دخل الإنسان في طور جديد توارت فيه قدسية الحياة خلف الثروة والأحكام الدينية، وتصدر الوصم والعقوبات البدنية المشهد لترويع كل من يخرج على المجتمع والدين.

فيما يعتقد مفكرو الحداثة، أمثال ميشيل فوكو أن السيطرة على الأجساد ومراقبتها والتحكم فيها بالقوانين واللوائح والعقوبات جاء مع الدولة الحديثة في القرن التاسع عشر. أما في العصر الحديث فقد غطت الأختام والتوقيعات والقوانين واللوائح على صراخ اللقطاء ومعاناة أمهاتهم اللواتي أدينوا بالحمل سفاحًا. وفي النهاية ولدت جرائم أخرى من قلب ذلك النظام مثل قتل الأبناء للتخلص من الوصم أو التخلي عنهم بإلقائهم في الطرقات.

اللقطاء في دولة الإسلام                                         

في الجاهلية لم يصل لنا أخبار عن أطفال لقطاء، لم يعرف مصطلح "طفل لقيط" إلا في خلافة عمر بن الخطاب حيث اتسعت حدود الدولة الإسلامية، وظهرت مشكلات جديدة مثل الأعداد الكبيرة من اللقطاء، تطلب الحال سن أحكام تنظم التعامل مع ذلك الأمر. وروي عن عمر بن الخطاب "اللقيط حر ، وولاؤه، وعقله للمسلمين". ينفق عليه من بيت مال المسلمين، وإن وجد من يعيله لا ينفق عليه من بيت المال إلا بحكم من القاضي. أما النساء فقد فقدن سطوتهن القديمة وتحولن في المأثورات الشعبية إلى "مخلب من مخالب الشيطان". كما حرم الإسلام التبني حفاظًا على نقاء الأنساب.

محمد علي باشا

في العصور الوسطى حتى القرن التاسع عشر تلقى الفقراء في مصر خدمات متعددة عن طريق الأوقاف الدينية التي أنشأها السلاطين والأثرياء، في صورة تكايا ومستشفيات وكتاتيب وأسبلة، أشهرها بيمارستان السلطان قلاوون. قدمت تلك الأوقاف خدمات للفقراء من الرجال والنساء والأطفال طمعًا في الثواب وحسن المآل في الآخرة. ولم تتدخل السلطات في التحكم بالأيتام واللقطاء وتسجيلهم وتحديد العلاقة معهم.

في القرن التاسع عشر تولى محمد علي حكم مصر وسيطر على أموال الأوقاف، وأصدر الأوامر لإخضاع السكان لمشيئته بغرض بناء دولة حديثة، وشرع في إنشاء جيش من المصريين ومؤسسات لخدمة هذا الجيش من مدارس ومستشفيات. يذكر خالد فهمي في دراسته النساء والطب والسلطة في مصر القرن التاسع عشر أن مع "سياسة التجنيد النهمة، التي أجبرت عشرات الآلاف من الرجال على التنقل من مدينة لأخرى ومن منطقة لأخرى، تاركين خلفهم الزوجات والأمهات والبنات، اضطر العديد من الزوجات الشابات وقد هُجرن بهذا الشكل، تحت وطأة الجوع أو لتجنب هلاك أبنائهن إلى الانضمام إلى العوالم (أي الدعارة)". أدت تلك الأوضاع إلى زيادة أعداد اللقطاء، واستشراء الزهري والأمراض الجنسية. 

في هذا السياق أنشئ في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، داخل مدرسة القابلات بالأزبكية، أول ملجأ "حكومي" للأيتام الفقراء، واللقطاء الذين يُعثر عليهم في شوارع القاهرة، وتذكر مين إينر في كتابها إدارة فقراء مصر وسياسات الإحسان في الفترة من 1800 إلى 1952، أن عدد الأطفال اللقطاء الذين دخلوا الملجأ تراوح بين طفل واحد وثلاثة أطفال شهريًا.

ومن وسط ركام الفقر والتشرد بدت آثار المدينة العتيقة بمصر المحروسة كشاهد ولاعب أساسي في عملية "التحديث"، فلم يتوقف الأمر على التنقيب العشوائي ونهب الآثار المصرية، بل دخل أيضًا جامع ابن طولون إلى المشهد بتحويله تكية للفقراء.

تكية بن طولون

مع الزمن تهجر أماكن قديمة، وربما تمر بأطوار تحمل للأماكن وظائف جديدة، في القرن الثامن عشر، تحول مسجد ابن طولون إلى ورشة لصناعة الأحزمة الصوفية، ومخزن للملح، وورشة حدادة، في أوائل القرن التاسع عشر، خلال حكم محمد علي، شهد المسجد تحولات وظيفية كبيرة ذات دلالة، حيث أمر كلوت بك، عام 1846، بتحويل المسجد إلى مستشفى عسكري، ثم ملجأ للمتشردين والمعاقين وكبار السن، مما أدى إلى تنفيذ تعديلات بسد بعض عقود المسجد.

أروقة مسجد بن طولون في القاهرة، أكتوبر 1991

عرف الملجأ بتكية طولون، وتذكر إينر أنها آوت "ما يصل إلى 600 شخص منذ استخدامها لأول مرة كملجأ في عامي 1847-1848 وحتى إغلاقها قبل عام 1880 للحفاظ على طابعها المعماري. وقد استوعبت المؤسسة الجديدة أيضا سكانًا من مرستان قلاوون". 

كانت تكية ابن طولون ملاذًا آمنًا للنساء الحوامل الفقيرات المهمشات وغير المتزوجات، وتؤكد السجلات ولادة عشرات الأطفال، وُلد تسعة وأربعون طفلاً في عام واحد هناك، بعض النساء كانت تذهب هناك للولادة فقط ثم ترحل والبعض الآخر كان يقيم لإرضاع الطفل حديث الولادة ورعايته.

ظل مسجد ابن طولون ملجأ الفقراء والمشردين ثلاثين عامًا كاملة يخفي خلف جدرانه العالية البؤس الذي "يشوه صورة مصر" ويحفظ لحكام مصر "المستنيرين" صورتهم أمام الغرب المهيمن. حتى تسلمته لجنة حفظ الآثار العربية في ثمانينيات القرن التاسع عشر لإصلاحه وترميمه وإعادته إلى وظيفته الدينية ليتبوأ مكانه بجانب الأهرامات والنيل والجوامع الشاهقة في صورة مصر السياحية الجميلة المتداولة.

ولا تذكر تلك الفترة "المجهولة" في تاريخ المسجد الذي يحمل بجدارة "بصمات وأصوات وذاكرة المدينة" ويعد من أبرز ملامحها حيث يقال إنه كان مهجورًا وفقط. فمن يحب أن يتذكر "أبناء الحرام" والمشردين على الأقل حفاظًا على سمعة مصر.

في العصر الحديث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين شهد لقطاء مصر  أحداثًا جديدة وإرساليات تبشيرية وصراعات وقوانين من الممكن أن نقرأ من خلالها أجزاءً من تاريخ القطر المصري، خطها "المصلحون الدينيون" ودعاة التمدن الأوروبي. 

الإرساليات التبشيرية

اشتد التنافس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، بين الإرساليات التبشيرية الأمريكية (بروتستانت)، والأوروبية (كاثوليك) ونخب الاستعمار الإنجليزي، وأثرياء مصر، والمصلحين الوطنيين مسلمين وأقباطًا على تقديم "خدمات خيرية" للقطاء والفقراء وأطفال الشوارع.

افتتحت الملاجئ لتستوعب فائض إنتاج الفقر من البشر في القطر المصري. كانت الملاجئ موضة ذلك العصر تنشر أخبارها في الصحف، وتقام من أجلها الحفلات الخيرية. ولكن كثر اللغط حول بعضها فيما يخص التبشير المسيحي وتعميد الأطفال من المذاهب والديانات الأخرى.

حدثت أكبر موجة لإنشاء دور الأيتام المصرية (إسلامية وقبطية) في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين

عام 1933 ضربت موجة عنيفة من موجات مناهضة التبشير، دار أيتام فاولر. وازداد الضغط حدةً عند اكتشاف تعميد ست فتيات بالإضافة إلى وجود خمس عشرة فتاة أخرى غير مسيحيات في الدار. أُجبرت ثماني فتيات على المغادرة. 

في مواجهة الإرساليات التبشيرية حدثت أكبر موجة لإنشاء دور الأيتام المصرية (إسلامية وقبطية) في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين لرعاية الأطفال المسلمين الذين انتزعوا من دور الأيتام التابعة للبعثات التبشيرية. 

 اللقطاء والبيروقراطية والقانون

أدت زيادة أعداد الملاجيء واللقطاء منذ عام 1912 لمنح المرأة التي تعثر على رضيع، حق الاحتفاظ به وفق قواعد غير رسمية. في 1946 ألغي بند "من وجد رضيعًا يحتفظ به". وبحلول عام 1965، كان يجب إحضار جميع الأطفال اللقطاء إلى أقرب مركز أو ملجأ، حيث تتولى الشرطة تسجيل الطفل، وتُنشئ نسبًا مزيفًا بأسماء وتواريخ ميلاد وهمية.

ومنذ أواخر الخمسينيات، تزايد الترويج لنظام الكفالة الذي يجيزه الإسلام تحت إشراف وهيمنة الدولة باعتباره حلًا لمشكلة الأطفال اللقطاء مع وجود إجراءات بيروقراطية قد تمتد لثلاثة أعوام حتى بعد "استلام" الطفل لتربيته في المنزل.

انقطاع النسب كان يعني حكمًا بالإعدام الاجتماعي، حتى أنه كان مادة لمعالجات فنية وأدبية عدة، هذا الحكم صدر بسبب تراث طويل من الهيمنة على الأجساد ومراقبتها ووضع نظام اجتماعي محكم لا يتسامح مع من لا يمكن اعتباره (ابن ناس)، أو اللقيط الذي يمكن تعريفه ببساطة بأنه ذلك الشخص الذي لم يرتكب أي خطأ، ولكنه سيحاسب على كل الأخطاء.