الأوكتاجون: هنا قلعة الجبل
عودة مقر حكم مصر إلى الخلف 800 عام
مشهد مهيب؛ الرئيس بين يديه كبارُ رجال السلطة يفتتح الأوكتاجون/مقر القيادة الاستراتيجية لمصر، في "العاصمة الإدارية الجديدة" التي شيدت في صحراء مصر الشرقية بعيدًا عن العمران، والاحتفالات تعم البلاد.
المشهد لا يتسم بالمهابة فقط، بل بالقِدَم كذلك، فاتخاذ مقرات حصينة وبعيدة للحكم عادةٌ ترجِعُ للعصور الوسطى؛ أن تحكم البلاد من داخل قلاعٍ تشيد فوق الجبال، تحصن فيها إدارات الحكم ويقيم فيها السلاطين وتنشأ بها الدواوين، ما يمنحها الحماية من أي غزو أو هجوم من الداخل أو الخارج.
قلاع الحكم فوق الجبال كانت استراتيجيةً عسكريةً حينها، سواء لإعاقة الخيول في الهجوم على القلاع، أو منع اقتحام أسوارها، كذلك لحمايتها من الانتفاضات الشعبية وقت الثورات.
قلاع مصر وحكامها
بعدما كان الحكم يُدار في عهد الدولة الفاطمية من قلب القاهرة، بالأخص من حي الجمالية، عبر قصرين للحكم بناهما المعز لدين الله الفاطمي وابنه العزيز، أحدها القصر الشرقي الكبير والآخر القصر الغربي، ويربط بينهما شارعٌ تقام فيه الاحتفالات والمهرجانات، سُمي فيما بعد بين القصرين، أكمل السلطان الأيوبي، الكامل بن العادل، سنة 1207م، بناء قلعة الجبل فوق جبل المقطم، التي بدأ صلاح الدين الأيوبي تدشينها قبل وفاته، لتصبح المقر الإداري لحكم مصر.
بها يقيم السلطان ويدير شؤون البلاد من خلال الدواوين المختلفة والمتخصصة مثل ديوان سك العملة، والقيادة العسكرية، وحفظ سجلات أملاك الدولة، ومقر بيت المال.
ظلت القلعة ملاذًا أمنًا لحكام مصر حتى عصر الوالي المملوكي عثمان بك البرديسي، الذي تصدر المشهد بعد خروج الحملة الفرنسية 1805، وأفرط في فرض الضرائب والإتاوات على الناس، ومن ثم اندلعت ثورة الشعب المصري ضده وصعد الناس قلعة الجبل بقيادة الشيخ عمر مكرم مرددين هتافات "هاينوبك إيه يا برديسي من تفليسي"، احتجاجًا على الضرائب الباهظة والإتاوات، ومطالبةً بعزل الوالي عثمان بك البرديسي وتعيين قائد الحامية العثمانية الألباني محمد علي الكبير، الذي أمر بعدم التعرض للمتظاهرين وحمايتهم أثناء الثورة.
وصل محمد على إلى الحكم عام 1805، واستقر بالقلعة وانتهى من بناء "جامع محمد علي" عام 1809، وفي العام نفسه نفى الزعيم عمر مكرم الذي عمل على توليته حكم البلاد، ونفذ مذبحة المماليك عام 1811 للتخلص من نفوذ إبراهيم بك ومراد بك قائدي المماليك المنافسين له في حكم البلاد، وبعدها انفرد بحكم مصر حتى وفاته وأكمل أولاده من بعده ما سُمي حكم الأسرة العلوية.
العالم يتغير
منتصف القرن الثامن عشر، لم تكن مصر بمعزلٍ عن التطورات المذهلة والكبيرة التي شهدها العالم في تلك الحقبة بتأثير الثورة الصناعية في كافة المناحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والثقافية والقانونية، من بينها انتشار أفكار حكم القانون والدستور وإدارة شؤون البلاد عبر البرلمانات والمجالس النيابية.
تأثرت مصر بتلك التطورات بفضل البعثات الدراسية والعلمية التي أُرسلت إلى دول أوروبا وقتها، فاطلعت وراقبت ونقلت وتأثرت وأثرت، وهو ما انعكس على نظام الحكم في عصر الخديو إسماعيل الذي أنشأ مجلس شورى النواب عام 1866، ثم أقام أول مجلس نظار (مجلس الوزراء حاليًا) عام 1878، وأصدر أول دستور لمصر عام 1879 بقيادة محمد شريف باشا.
نزل الخديو إسماعيل من القلعة إلى قصر عابدين ليحكم وسط الناس وبينهم
في ظل هذه التطورات السياسية التي تفاعلت معها الحركة الوطنية المصرية، كان لا بد وأن تصبحها تطورٌ في مفهوم إقامة مقرات الحكم، إذ لم يعد ملائمًا إدارة شؤون الدول من قلاع تبنى فوق الجبال محصنةً بأسوار بعيدة عن الشعوب، ففي عصر الدساتير والقوانين ومشاركة الشعوب في إدارة شؤون البلاد، باتت مثل تلك الأفكار وصمًا دالًا على قبح العصور الوسطى وما تمثله من انفرادٍ بالحكم عبر الأمراء والمماليك والسلاطين.
لذا في عام 1874 انتهى حكم القلعة الذي دام 600 سنة، وانتقل مقر إدارة الدولة إلى قصر عابدين، وسط العاصمة المصرية القاهرة. ونزل الخديو إسماعيل من القلعة ليحكم وسط الناس وبينهم، وهو ما اعتبر من أهم التطورات التي شهدتها الحياة السياسية في مصر آنذاك.
ورغم اندلاع الثورة العُرابية عام 1882، ومواجهة أحمد عرابي ومعه الجيش للخديو توفيق أمام قصر عابدين في مظاهرة ضد سياساته التي أغرق بها البلاد في الديون وقتها، ما سمح بالتدخل الأجنبي البريطاني في إدارة شؤن البلاد وأفضى إلى الاحتلال، فإن مقر الحكم استمر كما هو وسط الناس وبينهم في قلب القاهرة الخديوية لما يزيد عن 150 عامًا، ولم يفكر الخديو أو أي من أفراد الأسرة العلوية من بعده في العودة لحكم مصر من خلال القلعة.
عودة لعصر السلاطين
يصعب فهم أو تفسير ما حدث يوم الأحد 5 يوليو/تموز من افتتاح مقرٍ القيادة الاستراتيجية بعيدًا عن الناس والعمران، بمعزل عن هذا السياق التاريخي؛ من انتقال السلطة في العصور الوسطى إلى القلاع الحصينة، بالأخص وأنها تأتي ضمن السياق العام الذي شهد انتهاء نقل الوزارات والهيئات الحكومية وكافة مؤسسات الدولة المصرية إلى قلب الصحراء البعيدة في منطقة محاطة الأسوار العالية وبعيدة عن الشعب.
أسباب هذا الانتقال واضحة، بل ومعلنة، فـ"شوية الأحداث بتاعة 2011 ووصولًا إلى 30 يونيو" كما أشار الرئيس في كلمة الافتتاح، دالة على الدوافع، وهو ما صرح به بشكل مباشر بقوله "ليه القيادة الاستراتيجية للدولة موجودة هنا، لأن كان في يوم من الأيام بيتم محاصرة المحكمة الدستورية، وفي يوم من الأيام كان بيتم محاصرة مجلس الوزراء، وفي يوم من الأيام بيهددوا وزارة الدفاع، وفي يوم من الأيام كانوا بيحاصروا مدينة الإنتاج الإعلامي"، لذلك فإن وجود القيادة الاستراتيجية "في قلب عاصمتنا، عاصمتنا الجديدة"، ليس "مصادفةً، بل هو تجسيد حي لركائز الجمهورية الجديدة، فالقيادة الاستراتيجية للدولة تمثل نقلةً نوعية في منظومة القيادة والسيطرة، وإدارة العمليات".
إن مثّل هذا عودةً إلى إدارة حكم الدولة بفكر العصور الوسطى، ورجوعًا 800 سنة إلى الماضي، حيث عصور السلاطين الأوئل، فإن خطورته لا تتلخص في رجعيته فقط، وكونه يشبه الأفكار الاستعمارية، التي لا يمارسها في العصر الحديث إلا الحكام الغرباء الذين يخشون الشعوب التي يحكمونها بقوة سلطة الأمر الواقع، التي تفرض عليهم الحفاظ على مسافة كبيرة بينهم وبين الشعوب المحكومة.
الخطورة الحقيقية في أن تلك الأفكار تمهد لعودة نظم حكم السلاطين أو الملوك أو الأمراء، والارتداد إلى عصور ما قبل الحداثة والدساتير والقوانين المحلية والقانون الدولي، وحق الناس في تقرير مصيرها، وحق الشعوب في المشاركة في إدارة شؤون بلادهم؛ تلك العصور التي تتحول فيها الشعوب إلى محض رعايا وعبيد مثقلين بالالتزامات، ودون أي حقوق.
لكن ذلك يبدو اليوم صعبًا بل ومستحيلًا مهما فعلت تلك الحكومة، لا لشيءٍ إلا لأن أفكارها العبقرية تسيرُ في اتجاهٍ معاكسٍ للتاريخ ومسيرة الأمم المتحضرة. فمقار حكم الشعوب الآن مكانها الطبيعي في المدنية وسط الأحياء والمواطنين، ولم تعد الجبال والصحارى والقلاع المحصنة أماكن صالحة لإدارة شؤون الدول.
