حياتي كلاجئة كوير.. وجدت الأمان ولم يفارقني الخوف
ساحة خضراء واسعة تملؤها أعلام الفخر، ترفرف في الهواء بحرية، نرقص حولها، نعبر عن أنفسنا بالملابس والمكياج والأعلام، نتبادل التهنئة. وسط الساحة طاولات صغيرة لبيع منتجات مصنوعة يدويًّا أبدعتها أيادي مجتمعنا الصغير، وأعلام ملونة تعبر عن اختلاف الهويات الجندرية والجنسية. يحيط بالساحة عربات وأفراد من الشرطة لحمايتنا لا لتهديدنا.
استيقظت باكرًا على غير عادتي رغم قلقي طوال الليل كليالي الرحلات المدرسية، أختار ثيابي بدقة. حرصت على ترتيب التفاصيل الصغيرة كالجوارب ومشابك الشعر وألوان المكياج وألوان أظافري. ليس من عادتي الاهتمام بالتفاصيل أنا شخص عشوائي أرتدي أول شيء تصل إليه يدي، لكنه كان يومًا مميزًا بالنسبة لي، أول احتفالية فخر أحضرها في حياتي، لم أكن أجرؤ في مصر على التفكير في تنظيم مسيرة ولا حتى في المستقبل البعيد.
الاعتراف بالهوية
عندما وطأت قدمي الدولة الإفريقية التي اخترتها محلًا للإقامة، أدهشتني هدية قدمها لي صديق أجنبي؛ إذ عرفني بمبادرة صغيرة لحقوق الكوير لتصبح أول اختلاط لي بالمجتمع الذي أنتمي إليه. راسلتهم عبر الإيميل فأجابوني بدعوة لمكتبهم، بدون طلب مصادر تثبت هويتي. هناك في مكتب بسيط في منطقة متواضعة على الباب وجدت علم الفخر، كانت صدمة فأنا ما زلت في قارة إفريقيا، وفي دولة لا تسمح بزواج المثليين ولا عمليات العبور الجنسي.
قاطعت ترحيبهم الحار دموعهم وهم يستمعون إلى قصة منعي من السفر واستجوابي من الأمن الوطني في مصر، تعاطف رأيته مبالغًا فيه إذ تبدو قصتي عاديةً مقارنةً بقصص أصدقائي، ومن بينهم من قضى شهورًا في المعتقل. أفكر أنه ربما تبلدت مشاعرنا وسط الأحداث النازية المحيطة بنا، حتى أصبح التعذيب النفسي والحرمان من الحقوق في بلد غريبة أهون من التعذيب الجسدي ومنع كافة الحقوق في بلدي.
في مصر يصعب أن تجهر بأنك مدافع عن حقوق الإنسان، سيزداد الازدراء إن كنت من المدافعين عن حقوق المرأة مع اتهامات بالدياثة والخيانة وتبني أجندات غربية لا تشبه مجتمعنا، أما الدفاع عن حقوق مجتمع الميم عين فهو اعتراف لا يجرؤ عليه أحد وإلا تعرض للسجن وربما ما هو أكثر.
مهارات التخفي
شاركت زملائي في مصر في المبادرات المهتمة بحقوق الكوير في تيسير ورش وفعاليات للتوعية بالأمراض المنقولة جنسيًّا وكيفية الوقاية منها؛ تدريبات على السلامة الرقمية وكيفية استخدام التكنولوجيا بأمان، فعاليات عن الصحة والسلامة النفسية، فعاليات فنية لنعرض بها أعمالنا الفنية والأعمال اليدوية، أتذكر أجواءنا المرحة وأنشطتنا البسيطة مقارنًة بما رأيته في الخارج، وأتساءل أيعد ذلك جريمة تستدعي كل تلك الملاحقات الأمنية، والتخفي والحذر والعمل من تحت الأرض!
الحملات التي استخففنا بها تحوّلت لاصطياد الناس من الشوارع وحبسهم وترحيلهم
لم نتطرق يومًا لمناقشة القوانين والسعي لتغييرها، كما تفعل النسويات أو منظمات ومبادرات مجتمع الميم عين في أغلب البلاد، وكما يجب أن يكون، فأي جرم ارتكبت يستدعي منعي من السفر والتحقيق معي؟ رغم أن سفري كان معروفًا سببه، إلا أنهم أوقفوني وسألوني عن هويتي وميولي. بمجرد تسلمي جواز سفري من الأمن الوطني، قررت طلب اللجوء وهو ما فعلته.
خرجت من مصر على أصوات تتصاعد بخطاب كراهية وعنصرية ضد اللاجئين إليها، حملات على السوشيال ميديا تحرض ضد اللاجئين الأفارقة خاصة، تطالب بترحيلهم الفوري لبلدانهم باعتبارهم ضيوفًا غير مرحب بهم. مع اتهامات بارتكاب جرائم عنف وتخريب ووصم بحملهم مرض الإيدز، رغم الحروب المشتعلة في تلك البلاد. هذه الأصوات زرعت داخلي الخوف والقلق الدائمين من تسرب تلك العنصرية للبلد الذي لجأت إليه، وألف سؤال في عقلي ماذا لو؟
لكن الحملات التي استخففنا بها وظننت أنها مجرد لجان إلكترونية هدفها إثارة الرأي العام وإشغاله تحولت لاصطياد الناس من الشوارع وحبسهم وترحيلهم، مات على أثرها لاجئون بسبب ظروف الاحتجاز القاسية.
بين اللجوء والفرار
ماذا لو تبدّلت الأحوال وتسربت العنصرية، وعاملني الناس والشرطة حيث أقيم كما يعامل اللاجئون في بلدي؟ أنا أُعرِّف نفسي كلاجئة سياسية وناشطة مدافعة عن حقوق الإنسان وحقوق مجتمع الميم عين في الأماكن العامة وللغرباء وفي الصحف الورقية وفي لقاءات تليفزيونية، ولم أكن أجرؤ على البوح بذلك السر الخطير لأصدقائي المقربين أو حتى من أواعدهن، فالحرص كان أول ما تعلمناه في تدريباتنا التي نتشارك في تيسيرها وتلقيها من خلال العمل المشترك بين المبادرات المهتمة بالدفاع عن حقوق مجتمع الميم عين، وتعليمات التخفي تُعاد علينا مرارًا وتكرارًا في كل اجتماع، فتعلمنا كيف نخفي كل ما يظهر هويتنا وعملنا وإلَّا سنتعرض للاعتقال نحن ومن يعمل معنا، والكثير من الزملاء في مصر كانوا يستخدمون أسماء مستعارة تجنبًا لكشف هوياتهم، ولم نسأل بعضنا يومًا ما عنوانك أو دراستك أو عمرك أو حتى اسمك.
سؤالٌ بسيطٌ من صديق لآخر عن محل سكنه غرضه تقريب المسافات ومعرفة أي الطرق سنسلك، وأيها سنتشارك، يبدو خطيرًا في ظل الحرص على التخفي الذي اعتدناه، إذ إن عاقبته قد تكون إما الاعتقال أو التشهير المجتمعي والنبذ مدى الحياة، لهذا نفكر جيدًا قبل أن نجيب عليه، وقد لا نجيب عليه بصدقٍ في النهاية.
في البداية كنت أصاب بحالة من الهلع عند رؤية زيّ الشرطة أو سياراتهم حتى لو كان شرطي مرور من أثر ما تركه القمع وأخباره في ذاكرتي
هنا حيث أقيم، ليس الجنة؛ وهي تضم من بين سكانها من يعانون رهاب المثلية الجنسية، خاصة من الأجيال الأكبر، تنضح بها تعليقاتهم على السوشيال ميديا. لا يقتصر الأمر على التعبير بالكلام، إذ يمتد إلى الفعل كما حدث في مسيرة الفخر الماضية، اعتدت مجموعةٌ من المسلمين المتشددين دينيًا على المشاركين فيها، ما دفع المنظمين إلى اختيار مكان بعيد عن مناطق المتعصبين وتحت حماية الشرطة لفعالية هذا العام.
الشرطة التي تغيرت علاقتي بها مع الوقت؛ في البداية كنت أصاب بحالة من الهلع عند رؤية زي الشرطة أو عربتهم، حتى ولو كان شرطي مرور، من أثر ما تركه القمع وأخباره. حتى تعرضت لموقف جعل مشاعري تتغير سألت شرطية عن مكان محطة الأوتوبيس فأمسكت بذراعي وسارت معي، ارتعبت حتى كدت أفقد الوعي وفقدت الرؤية الواضحة لثوانٍ، حتى وجدت نفسي أمام الأوتوبيس وفهمت أن لغتها الإنجليزية لم تسعفها لوصف الطريق فقررت إيصالي إلى المحطة بنفسها.
يؤكد لي زملائي من المدافعين عن حقوق الإنسان هنا أن الشرطة صديقةٌ للنشطاء والحكومة داعمة لهم، ولكن عقلي يرفض التصديق. ربما ما يهون علي الغربة والوحدة وهروبي من الاعتقال تاركة عملي وأهلي وأصدقائي ورائي هو متنفس الحرية الصغير الذي أشعر به في غربتي، حيث الدفاع عن حقوق الإنسان ليس جريمة يعاقب عليها القانون والمجتمع، وليس بعار ندفنه، بل هو فخر نعتز به وتقدره الحكومة والناس.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

