تصميم: سيف الدين أحمد - المنصة، 2026
أحيانًا يساعد الآباء أبنائهم على اكتشاف ذواتهم والعالم.

خوف أمي.. الطريق الذي أوصلني إلى العالم

منشور الخميس 19 آذار/مارس 2026

في كل عيد أم، تتكرر الصور نفسها: أم تحمل طفلها، أم تطبخ، أم تضحي بصمت ويقال عنها إنها "ملاك". لكن الأمهات الحقيقيات أكثر تعقيدًا وأعمق بكثير من الشعارات التي نكررها كل عام وكأنها حقيقة.

لم تكن أمي شادية محمد أمًا تقليدية بالمعنى الذي يحب الناس أن يتخيلوه. هي أرملة صعيدية، تعمل مدرسة للمرحلة الابتدائية، عاشت في مجتمع لا يرحم. هذه الجملة وحدها تكفي لتخلق صورة جاهزة في ذهن كثيرين: امرأة تخاف من كلام الناس، تحرس ابنتيها أكثر مما تحرس أحلامهما، وتضع الحدود قبل الثقة. لكن أمي كانت مختلفة تمامًا.

حين مات أبي عام 2018، لم يكن الحزن هو التحدي الوحيد الذي واجهته. يترك الموت فراغًا في البيت، لكن المجتمع يملأ هذا الفراغ سريعًا بالأسئلة والرقابة والنصائح الثقيلة. تصبح الأرملة فجأة تحت المجهر: كيف ستربي أولادها؟ كيف ستحمي سمعة البيت؟ كيف ستضبط حياة بناتها؟

أمي فعلت شيئًا مختلفًا تركت الباب مفتوحًا ووقفت بجانبي

وقفت أمي وحدها في مواجهة هذا كله. لم تكن تمتلك المال أو النفوذ أو الحماية، لكنها امتلكت شيئًا أصعب: شجاعة هادئة لا تُرى بسهولة، لكنها قادرة على تغيير المصائر. رأيت الخوف في عينيها كثيرًا، ذلك الخوف الذي تعرفه كل أم، الخوف علي من مفاجآت الحياة، من الناس، من قسوة العالم، والخوف على نفسها من الألسنة والعيون التي لا تتوقف، لكن أمي لم تجعل من خوفها قانونًا.

في مجتمعاتنا، غالبًا ما يتحول خوف الأمهات إلى قيود: لا تخرجي، لا تسافري، لا تتمادي في أحلامك. لكن أمي فعلت شيئًا مختلفًا، تركت الباب مفتوحًا ووقفت بجانبي، ليس لأنها لم تكن خائفة، لكن لأنها قررت، ربما دون أن تنطق بذلك، أن خوفها لن يرسم مستقبل ابنتها.

سمحت لي بالسفر، بأن أختار طريقًا غير مألوف في مجتمع لا يُستحسن فيه أن تخرج البنت وحدها. تركتني أخرج من الصعيد إلى القاهرة إلى الأردن ولبنان وأوروبا. كنا نتفق في كل مرة ألّا نُخبر بعض الناس، لأن الكلام في مجتمعنا يفتح أبوابًا من التدخل والرأي الذي لم يطلبه أحد. كانت تتحمل وحدها تبعات اختياراتي، كلام القرايب، نظرات الجيران، وكل ما يصاحب قرار سفر بنت "بطولها".

أمي كانت تحتضن خوفها كله وتتركني في الوقت نفسه

يتكرر مشهد في كل مرة أسافر فيها؛ في محطة الأوتوبيس. أمي بجانبي، حقيبتي في يدي، والناس من حولنا. لم تكن ترافقني للاطمئنان عليَّ فحسب، كانت تقف معي حتى اللحظة الأخيرة، كأنها لو بقيت أطول قد تجد طريقة لتوقف الوقت. كانت تبكي بكاءًا حقيقيًّا حارًا من القلب، تحتضنني بطريقة من يعرف أن هذا الحضن سينتهي، ثم تتركني وعينيها على الأوتوبيس الذي سيحملني بعيدًا.

في البداية لم أستوعب، كنت أحيانًا أشعر بالذنب وأحيانًا بالثقل، لكن مع الوقت أدركت أن أمي كانت تفعل أصعب شيء يمكن لإنسان أن يفعله، كانت تحتضن خوفها كله وتتركني في الوقت نفسه، لم تكن تخفي أنها خائفة، لكنها كانت تقول بكل الفعل والإحساس، أنا خائفة لكن لن أسمح لخوفي أن يقف في طريق أحلامك.

الحب يمكن أن يكون فعلًا ثوريًا أحيانًا. أن تحب امرأة ابنتها بما يكفي لتمنحها الحرية في عالم يخاف من النساء الحرات

أظن أن الأمر لم يكن قرارًا واحدًا كبيرًا، ولا لحظة بطولية يمكن تصويرها. كان سلسلة من القرارات الصغيرة التي تراكمت وبدلت مصيري بالكامل، قرار بأن تثق بي وتصدق أنني أستطيع. أن تكتم قلقها في صمت بدلًا من أن تضعه فوق كتفيَّ. هذه هي البطولة التي لا يتحدث عنها أحد.

أمي لم تحارب العالم بالصوت العالي، لكن حاربته بأن كسرت القالب الذي يرى أن الأم الجيدة هي التي تحمي ابنتها بإغلاق الأبواب، اختارت أن تحميني بطريقة مختلفة: أن تعطيني مفاتيح هذه الأبواب. ربما لم تكن تدرك كم كان هذا القرار كبيرًا. ربما كانت تفعل ذلك ببساطة لأنها تحبني. لكن الحب نفسه يمكن أن يكون فعلًا ثوريًا أحيانًا. أن تحب امرأة ابنتها بما يكفي لتمنحها الحرية، هذا ليس أمرًا بسيطًا في عالم يخاف من النساء الحرات.

اليوم أكتب هذه الكلمات وأنا بعيدة عنها بآلاف الكيلومترات، هنا في بريطانيا. لم أكن أتخيل يومًا، وأنا طفلة في بيت صغير في الصعيد، أنني سأجلس في بلد آخر وأكتب عن حياتي وأحلامي التي أحققها بفضل أمي وشجاعتها، لكن الطريق إلى هنا لم يبدأ في المطار. بدأ في بيتنا، في اللحظة التي قررت فيها أن تثق بي.

لم تسافر أمي يومًا خارج بلدها. لكنها فتحت لي الطريق إلى العالم، وإن كان هناك ما أتمنى أن تعرفه اليوم، فهو أن كل خطوة أخطوها في هذا العالم تحمل شيئًا منها.

في عيد الأم هذا قررت أن أكتب لها بدلًا من الهدية. هذا المقال هدية صغيرة لامرأة أعطتني الحرية لأكون نفسي.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.