تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
مناقشة مشروع قانون الأحوال الشخصية في البرلمان

نظرة على مشروع قانون الأسرة| محاولة إصلاح متعثرة

منشور الخميس 4 حزيران/يونيو 2026

خرجتْ علينا الحكومة أخيرًا بمشروعات قوانين الأسرة، سواء الخاص بالمسيحيين أو المسلمين، الذي يُعتبر القانون العام، ويتضمن ثلاثة أقسام كبيرة، هي الولاية على النفس، والولاية على المال، وتنظيم إجراءات التقاضي. 

وهو ما يطرح تساؤلًا حول الكيفية التي سيؤثر بها هذا المشروع حال إقراره على حياتنا، سواء في التغيرات المباشرة أو الآفاق التي يفتحها أو يسدها؟ أقصد بفتح الآفاق ما إن كانت أيٌّ من بنود القانون قد تؤدي إلى تغير في حياة الأسرة وتوزيع الأدوار فيها في المستقبل.

تفرض المنظومة القائمة منذ عقود وترسخ تقسيمًا جامدًا للأدوار في الأسرة بين حضانة للنساء وولاية للرجال، أو بين واجب إنفاق على الرجال وواجب طاعة على النساء مع محاولات تغيير جزئية على مدار السنين.

في مواجهة هذه المنظومة يوجد تياران؛ محافظ يدعو للعودة لماضٍ ذهبي فيه النساء مقهورات ومجبرات بضغط الأمومة أو ضغط الحاجة الاقتصادية على البقاء في الزواج، وتيار تحرري ينفر من هذا التقسيم الجامد ويسعى لتجاوزه لكنه لا يجد الصيغة الواقعية المتاحة لذلك. بالتوازي مع التيارين هناك ملايين الناس ليست لديهم مشكلة فكرية أو قيمية مع المنظومة القائمة لكنها لا تلبي حاجتهم في حل مشكلاتهم بسبب سوء تنفيذ الحقوق المنصوص عليها في القوانين أو تضاربها. 

لم تقدم الحكومة أي حل لزواج البهائيين أو الطوائف المسيحية غير المعترف بها رسميًا

في رأيي، يجب أن يسعى أي تغيير جاد في قوانين الأسرة إلى هدفين متكاملين؛ أولًا حل المشكلات الملحة التي تواجه ملايين الناس في المحاكم والنزاعات الأسرية وتيسير الوصول للعدالة، وثانيًا فتح المجال لإحداث تغيير عميق بالمستقبل في تقسيم الأدوار النمطية أو التقليدية داخل الأسرة.

من الواضح أن مشروع الحكومة للأسرة لا يرضي لا المتحررين ولا المحافظين. بالنسبة للمتحررين هو ما زال أسير قالب الأسرة التقليدي ويرسخه، وبالنسبة للمحافظين يعطي النساء حقوقًا أكثرَ من اللازم تسهل لهن طريق الطلاق وهدم الأسر.

المواطنة ليستْ أولًا

لم تقدم الحكومة حتى الآن أي حلٍّ لزواج فئات كاملة من المجتمع لا تنطبق عليها قوانين المسلمين أو المسيحيين٬ بالأخص البهائيون، وأيضًا الطوائف المسيحية غير الستِّ المشمولة بقانون المسيحيين. 

قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين

المسيحية المتزوجة من مسلم ما زالت محرومةً من الميراث من زوجها، ومحرومةً من الوصاية على أولادها حال وفاة الأب. الأسوأ أن المشروع الجديد يحرمها أيضًا من حضانة أولادها بعد سن السابعة وفق المادة 117.

في القانون الحالي ليستْ هناك مادةٌ صريحةٌ تمنع اختلاف دين الحاضن عن المحضون، لكن معظم المحاكم كانت تحكم بإسقاط الحضانة عن الأم المسيحية عند بلوغ الصغير المسلم سبع سنوات باعتبارها "سن التمييز"، وبحجة أنه يخشى منها على دين الصغير.

وناضلت الأمهات المسيحيات لأطفال مسلمين، سواء كانت المرأة مسيحية تزوجت مسلمًا وأنجبت أطفالًا مسلمين، أو كانت مسيحية تزوجت مسيحيًّا تحول للإسلام وتحول أطفالهما بالتبعية لدين الأب باعتباره أصلح الأديان، وفقًا لتعبير القضاء، حتى قضت محكمة النقض في 2009 بعدم سقوط حضانة الأم المختلفة عن أولادها في الدين تلقائيًا. ما يعني أن المشروع الجديد يعيدنا للوراء. 

لا يلبي مشروع القانون طموحَ الأسر الكافلة في مساواتها بالأسر البيولوجية في الولاية على أبنائها

بالنسبة للأسر الكافلة التي كانت تُنظَم شؤونها عن طريق قانون الطفل وقرارات وزارة التضامن الاجتماعي، تذكرهم قانون الأحوال الشخصية (أو الأسرة) لأول مرة، وأعطاهم الوصاية على أبنائهم في المادة 210 من القسم الثاني (الولاية على المال) بناءً على بحث اجتماعي تضطلع به وزارة التضامن الاجتماعي وطلب تقدمه لمحكمة الأسرة، ما يعتبر تحسنًا في أوضاعهم عن الوضع القائم الذي يترك الأمر لقرار الوزارة تمامًا بدون تدخل قضائي وبدون أساس قانوني، لكنه مع ذلك لا يلبي طموح الأسر الكافلة في مساواتها بالأسر البيولوجية في الولاية على أبنائهم، خصوصًا أن الابن المكفول عادةً ما يكون مجهول النسب، وليست لديه أي أموال سوى ما أعطته إياه أسرته الكافلة.

كذلك لا يتناول المشروع وضع الطفل المكفول من حيث قواعد الإنفاق والحضانة وخلافه حال طلاق أبويه الكافلين، رغم مطالبات الأسر الكافلة بتطبيق هذه القواعد عليها حماية لحقوق الأطفال المكفولين.

الزواج والأهلية.. تحسن طفيف 

من الجيد التخلي عن المادة المؤسفة التي وردت في مشروع الحكومة لعام 2021 وسابقه مشروع الأزهر 2019 التي تنص على حق الولي في طلب فسخ العقد قبل الدخول، والتي حفّزت انطلاق حملة الولاية حقي في 2021. 

يحظر القانون توثيق الزواج قبل سن الـ18 ولا يمنعه

ويحدد المشروع الجديد في المادة 16 سن الأهلية للزواج بـ18 سنة للرجل والمرأة في صياغة صريحة بدلًا من صياغة قانون الأحوال المدنية التي كانت تحظر "توثيق عقد زواج" من دون الـ18 وليس التزويج نفسه. تضمن مشروع الحكومة أيضًا تغليظ العقوبة في المادة 168 على الشخص والمأذون الذي يُزوج طفلًا بالحبس والغرامة والعزل.

أما بين سن 18 و21 فيحتاج الشخص لولي أمر، ليس لنص صريح في قانون الأسرة، إنما لقواعد الأهلية العامة في القانون المدني المصري التي تحدد سن الرشد بـ21 عامًا. 

فماذا عن المرأة فوق 21 سنة التي لم يسبق لها الزواج؟ لم يتضمن المشروع مادة صريحة تلزم البِكر بأن يزوجها ولي وهو ما يثير غضب المحافظين كثيرًا.

ما لا يقوله هؤلاء الغاضبون أن القانون الحالي أيضًا لم يتضمن مادة صريحة تمنع البكر الرشيد من تزويج نفسها بدون ولي، لكن في الواقع العملي يرفض الغالبية الساحقة من المأذونين ذلك رغم جوازه وفق المذهب الحنفي الذي تتبعه مصر في كل ما لم يرد به نص قانوني، إذ يتضمن مشروع القانون في مادته الأولى إشارة إلى هذه القاعدة القانونية. 

كان الأجدر بالحكومة النص على هذا الحق صراحةً، مع توجيه صريح للمأذونين بتزويج من تخطت سن 21 سنة بدون ولي لتقليل إسقاط قناعاتهم على الناس.

لا تزال القواعد المنظمة لحالة المفقود تتعامل مع المرأة كشيء إن تزوجت وظهر زوجها المعلن وفاته

تتضمن المادة 18 أيضًا صياغة أكثر تحديدًا لحالات الزواج بالوكالة، وهي مفيدة في حالات القران من أفراد يعملون بالخارج. لكن تبقى القواعد المنظمة لحالة المفقود (الشخص المعلن وفاته بسبب غيابه في ظروف يغلب عليها الهلاك) كما هي ولا تزال تتعامل مع المرأة كشيء إن كانت تزوجت وظهر زوجها المعلَن وفاته، فرأيها لا يهم بل تطبق عليها قواعد جامدة، حسب نص المادة 114.

تنظيم عادل للطلاق؟

بشكل عام هناك توجّهان مختلفان يدعوان لتقنين الطلاق؛ توجه نسوي وآخر أبوي. يهدف الأول لتقليل الفجوة بين حق الرجل المطلق في الطلاق بالإرادة المنفردة وبأي شكل حتى لو شفهيًّا أو غيابيًّا وبدون ترتيب وضع المرأة والأطفال بعد الطلاق، وحق المرأة المقيد جدًا في إنهاء العلاقة الزوجية.

تنظيم الطلاق بهذا المعنى كان من أهداف الحركة النسوية منذ عشرينيات القرن العشرين على الأقل، وملخص هذا التوجه أن الطلاق يجب أن يكون إجراءً تنظيميًا لا يتم إلا موثقًا كالزواج بحيث تُرتب الأوضاع والحقوق التالية عليه حماية للزوجة من التشريد أو التضرر.

حافظ المشروع على الخلع وأشكال التطليق للضرر والشقاق وغيرها كسبل متاحة للمرأة

على الجانب الآخر٬ هناك توجه أبوي يهدف إلى تقليل الطلاق في ذاته، ويعتبر الطلاق مؤشرًا على التفكك المجتمعي، وينعكس هذا التوجه في خطاب كبار المسؤولين في الدولة.

يلتقي التوجهان في الموقف الرافض للطلاق الشفوي والغيابي باعتبارهما شكلين غير مقننين من الطلاق، ويصطدمان بموقف التيارات والمؤسسات الإسلامية التي تعتبر الطلاق رخصة أعطاها الشرع للرجل وما على الدولة إلا تنظيمه دون المساس بالرخصة نفسها، بالطبع هناك توجه ذكوري فج يهدف لتقليل الطلاق على يد المرأة فقط وإطلاقه تمامًا بالنسبة للرجل وهو ما تعبر عنه مجموعات الرجال المهاجمة للخلع والرافضة لتقنين الطلاق الشفوي والغيابي.

ماذا فعل مشروع الحكومة بالنسبة لمسألة الطلاق؟ 

حافظ على الخلع وأشكال التطليق للضرر والشقاق وغيرها كسبل متاحة للمرأة مع بعض التغيرات متناقضة الاتجاهات، إذ حصّن الخلع من الحكم بالبطلان في المادة 83، وهذا تطور كبير، حيث إن الخلع منذ تبنيه في مصر كان محصنًا من استئناف الزوج عليه، لكن الطعن عليه بالبطلان متاح خاصة في حالة الخطأ الإجرائي مثل إعلان الزوج على عنوان خاطئ. كذلك احتاط المشروع لدعاوى بعض الرجال بأن المهر المكتوب في قسيمة الزواج مهر صوري، وذلك بالنص الصريح في مادة 40 على أنه لا يعتد بعاجل أو آجل الصداق (المهر والمؤخر) إلا بما هو ثابت بالوثيقة أو بورقة موثقة مستقلة عنها. 

في المقابل وضع المشروع بندًا قد يجعل الخلع مكلفًا بدرجة أكبر على المرأة عن طريق اعتبار الشبكة من المهر لو جرى العرف بذلك (مادة 2 ب) رغم أن مادة الخلع لا تنص على أنها جزء من المهر، ورغم أن المواد المعرفة للمهر (39 إلى 46) لا تعتبر الشبكة جزءًا منه، بل هدايا تخضع لقواعد متعلقة بالخطبة والعدول عنها في المواد من 1 إلى 4.

كذلك أسقط في المادة 83 حق الزوجة في النفقة عن الفترة السابقة، وهو ليس مبدأً جديدًا وكانت تطبقه المحاكم دون نص.

الفسخ للطرفين

أتاح المشروع في المادة "7-ب" فسخ العقد بسبب ادعاء الزوج ما ليس فيه، وتُبين المذكرة الإيضاحية (ص 5) المقصود بـ"ما ليس فيه"، وهي الأمور الاجتماعية مثل مركز اجتماعي أو تاريخ مشين، وليس كما ظن الكثيرون أنها تشير إلى الأسباب الصحية.

الطلاق

جدير بالذكر أن القانون الحالي ينص على فسخ العقد لعيوب صحية مستحكمة "سواء كان ذلك العيب بالزوج قبل العقد ولم تعلم به أم حدث بعد العقد ولم ترض به"، ولا تزال المادة ببعض تعديل في الصياغة موجودة في مشروع القانون الحالي. 

لم يتوقف المشروع عند هذا الحد، إنما أتاح للرجل فسخ العقد وفق المادة 82 الفقرة الأولى، التي تنص على أنه "إذا وجد بالآخر عيب كان قائمًا قبل العقد ولم يعلم به أو يقبله" وبدون تحديد مدة زمنية، وهذه مادة جديدة على القانون المصري، فالفسخ لم يكن متاحًا للرجال استنادًا للمذهب الحنفي لأن الرجال يملكون حق الطلاق أصلًا.

يبدو أن الحكومة سمعت شكاوى الرجال من تكلفة الطلاق، فأعطتهم خيار الفسخ لكي لا تتهم بمحاباة النساء. لكن وبشكل عام يظل الفسخ صعب التطبيق وإثبات أسسه في المحاكم سواء للرجل أو المرأة.

كذلك أعطى المشروع المرأة الحق في الطلاق لغياب الزوج خارج البلاد لستة أشهر بلا عذر في المادة 80 بدلًا من سنة، كما ينص القانون الحالي. غير أنه قيد حقها في طلب الطلاق للضرر لو تزوج عليها إذ يسقط هذا الحق بعد 6 أشهر وليس سنة مثل القانون الحالي.  

إذن بالطلاق

لم تستجب الحكومة للمطلب النسوي التاريخي بأن يكون الطلاق إجراءً موثقًا من البداية، لكنها حاصرت قليلًا حرية الرجل في الطلاق الشفهي والغيابي عن طريق إلزامه بتوثيق الطلاق الشفهي خلال 15 يومًا (مادة 75) وليس ثلاثين كالقانون الحالي، مع تشديد عقوبة الزوج والمأذون في حالة عدم التوثيق أو إعلام الزوجة بالطلاق الغيابي في المادتين 171 و173.

ابتكر المشروع تدخلًا جديدًا في حالات الطلاق خلال أول ثلاث سنوات بإلزام الرجل بالذهاب إلى قاضي الأمور الوقتية ليطلب الإذن بالطلاق

لكن الباب لا يزال مفتوحًا للرجل ليرد زوجته إلى عصمته خلال فترة العدة رغمًا عنها وكأنها مجرد شيء، لكنه مثله مثل القانون الحالي لا يعتد بالرجعة الغيابية إلا لو كانت موثقة، وهي مسألة حاول رجال كثيرون الطعن في دستوريتها مطالبين بأن يعتد بالرجعة الشفوية الغيابية وفقًا لقول الرجل وحده باعتباره حقه الشرعي، وهو ما رفضته المحكمة الدستورية في عدة أحكام.

وتحت شعار الحد من الطلاق ابتكر المشروع تدخلًا جديدًا في حالات الطلاق خلال أول ثلاث سنوات، إذ تلزم المادة 84 الرجل بالذهاب إلى قاضي الأمور الوقتية ليطلب الإذن بالطلاق، ويحاول القاضي الصلح بينهما فإن رفض يقر له بالطلاق عند المأذون.

في المقابل وضعت المادة الإجراء نفسه شرطًا للخلع خلال أول ثلاث سنوات من الزواج، رغم أن الخلع يتضمن محاولة صلح أو محاولتين حال وجود أطفال. ولا أرى مبررًا لهذا الإجراء الإضافي في حالة الخلع سوى رغبة الحكومة في درء الاتهام بمحاباة النساء. 

قد تبدو هذه المادة للولهة الأولى استجابةً للمطلب النسوي بتقنين الطلاق أمام المحكمة، وفي تقديري لو أقرها الأزهر سيكون هناك أمل في تقنين الطلاق أمام القاضي بشكل عام في المستقبل. لهذا نرى تلك المناشدات على السوشيال ميديا من رجال يطالبون رئيس الجمهورية وشيخ الأزهر بعدم إقرارها.

لست أرى هذه المادة نسوية أو تقدمية، على العكس هي أبوية، حتى سلطوية، فهي لا تقتضي ترتيب الحقوق بعد الطلاق، إنما محاولة لإثناء الراغب/ة عنه إعلاء لقيمة مؤسسة الزواج.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.