عن مظالم الرجال في قوانين الأحوال الشخصية
وكأنها موجات متتابعة؛ تنشط على السوشيال ميديا مجموعات وصفحات خصصها رجال لمهاجمة قوانين الأحوال الشخصية بدعوى انحيازها للنساء، وتحويلها الطلاق إلى "سبوبة" لهن مما زاد من نسبته في المجتمع. وهو جزء من حراك تصاعد منذ سنوات أعلى موجاته كانت بعد ثورة 2011.
ليأتي عرض الأعمال الدرامية في موسم رمضان 2026، التي تناول أربعةٌ منها مشاكل الأحوال الشخصية من منظور الآباء. وقبل نهاية رمضان فوجئنا بمظاهرة لعدد من الآباء أمام مجمع المحاكم بالرحاب تطالب الحكومة بالإسراع في إصدار قانون جديد للأحوال الشخصية ويرفعون شعارات نفس هذه المجموعات.
تتبلور مطالب الرجال بخصوص قانون الأحوال الشخصية في قضايا محددة مترتبة على الطلاق، بينها: تغيير ترتيب الحاضنين ليكون الأب تاليًا للأم، وتقليل سن حضانة الأم، وإتاحة الاستضافة للأب وليس الرؤية فقط، وأن تكون الولاية الكاملة للأب وذلك بعدم إعطاء الولاية التعليمية للحاضن، وتوحيد قضايا النفقات في قضية واحدة، وإلغاء الحبس فيها. أما فيما يخص الزوجة، فتتمثل المطالب في تقييد الخلع وقائمة المنقولات، وإلزام الرجل وحده بالإنفاق.
تقوم السردية الأساسية لهؤلاء الرجال على أن الأسر في مصر كانت على ما يرام حتى حدثت ثلاثة تغييرات أساسية: رفع سن الحضانة (سنة 1985 ثم 2005) - الخلع (2000) - الولاية التعليمية للحاضن (2008). من وقتها تجبّرت النساء وأصبحن أكثر قدرة على هدم الأسرة لأنها "ضامنة عيالها". وبغض النظر عما ينضح من هذه السردية من رغبة في الإبقاء على النساء أسيرات أمومتهن في زيجات ظالمة أو تعيسة٬ ورغم أنها تتجاهل ما مر به المجتمع المصري من تغيّرات اقتصادية وثقافية واجتماعية خلال الأربعين عامًا الماضية، فإنني سأحاول التعاطي مع هذه المطالب.
الرؤية/الاصطحاب/الاستضافة
أبدأ بأكثر النقاط وجاهةً ومعقوليةً من هذه المطالب. نظام الرؤية الحالي لا يتيح علاقة صحية بين الابن وأبيه وعائلته، فبضع ساعات في الأسبوع في مكان عام لا تكفي لخلق مثل هذه العلاقة.
لكن وفقًا للإحصاءات، تمثل طلبات الرؤية 4% فقط من قضايا الأسرة في المحاكم. وذكر المجلس القومي للمرأة أن الهجوم على قانون الرؤية مبالغ فيه؛ إذ ترفع الأمهات نحو نصف هذه الطلبات لأن القانون يُطبق عليهن أيضًا، كما تحكم بعض محاكم استئناف الأسرة بالاستضافة رغم أن القانون لا ينص عليها.
لا أفضّل تعبير "استضافة". لا يجب التعامل مع الطفل كضيف في بيت أبيه، والأفضل مصطلح الاصطحاب أو الاستزارة. لكن قبل الاستقرار على المصطلح علينا التفكير في المعايير والضمانات التي يجب توافرها لتطبيق الاصطحاب دون آثار جانبية، ودون خطف الطفل أو إيذائه أو التنكيل بالحاضن القائم على رعايته وفقًا لخصوصيات كل حالة.
ذلك يكون من خلال إجابة الأسئلة التالية: هل يجب السماح لأب معنِّف أن يبيت معه أولاده؟ وهل يجب أن يكون المعيار تعنيف الأبناء فقط أم تعنيف الأم أيضًا؟ ألا يحتاج هذا تطوير نظام الإبلاغ عن العنف الأسري وتجريمه وخلق شرطة متخصصة للأسرة؟ هل يعقل أن يُسمح لأب مُمتنع عن دفع نفقة الصغار أو تعنت في تسليم مسكن الحضانة لهم أن يأخد الأطفال "ويك إند" أو مصيف وهو لا يقدم لهم احتياجاتهم الأساسية؟ هل هناك شروط لمسكن الاصطحاب كما توجد شروط لمسكن الحضانة؟
في كل الأحوال الاستزارة أو الاصطحاب تحتاج لدور تنفيذي قوي من الدولة لضمان عدم الخطف من قبل الآباء
في تقديري، الضمانات المنصوص عليها في مشروع القانون المقدم من مؤسسة قضايا المرأة المصرية في المواد من 109 إلى 116 ملائمة، وكذلك الضوابط التي أقرها مجمع البحوث الإسلامية في 2009، حيث قال "إنه يجوز لغير الحاضنين عند بلوغ المحضون العاشرة من العمر أن يطلب اصطحابه داخل الوطن لفترة محددة بعد موافقة الحاضن وأخذ رغبة المحضون"، وإن كان سن العاشرة مرتفعًا أكثر من اللازم. كما يمكن تعزيز نظام الرؤية باستحداث الرؤية الإلكترونية، خصوصًا لو كان الأب غير موجود في نفس المحافظة التي يسكنها الطفل.
في كل الأحوال تحتاج الاستزارة أو الاصطحاب لدور تنفيذي قوي من الدولة، لضمان عدم الخطف من قبل الآباء وعائلاتهم في ظل الضعف الشديد في تنفيذ أحكام ضم الصغير وعدم معاقبة خاطف ابنه من حاضنته. وأيضًا لضمان عدم التلاعب بالاصطحاب لإيقاع الحاضنة في المساءلة القانونية كما يحدث أحيانًا في نظام الرؤية حيث تعاقب الأم التي لا تنفذ حكم الرؤية بإسقاط الحضانة وبالتعويض أيضًا.
وهذا يحتاج تدخلًا من لجان حماية الطفولة المنصوص عليها في قانون الطفل أو أي جهة تنفيذية جديدة، ففي حالة الرؤية يثبت التنفيذ عن طريق كشوف تسجيل الدخول إلى النادي أو مركز الشباب، أما في حالة الاصطحاب في البيوت أو أي مكان كيف ستتم الرقابة، وكيف سيضبط الجانب التنفيذي؟
سن الحضانة
يعد تخفيض سن الحضانة المطلب الأساسي في جروبات الرجال، باعتباره تذكرة العودة للزمن الجميل قبل أن تتجبر النساء. يربط هذا الطرح سن الحضانة بسن التمييز، وهو منطق عجيب خاصةً مع اقتراح إلغاء تخيير الطفل، مبررين هذا المطلب بالرغبة في الرعاية المشتركة بتقسيم مرحلة الطفولة لفترة يعيشها الطفل بين أمه وأبيه.
سن التمييز في القانون هي السن التي يبدأ الشخص اكتساب الأهلية فيها، لكنه يبقى ناقص الأهلية باعتباره "صغيرًا مميزًا" حتى يبلغ سن الرشد على مرحلتين؛ الأولى 18 سنة والنهائية 21 سنة. كانت سن الحضانة في مصر 7 للولد و9 للبنت، وفي عام 1929 أصبح يمكن للقاضي رفعه إلى 11 سنة وفقًا لمصلحة الصغير. وفي عام 1985 أصبحت سن الحضانة رسميًا 10 للولد و12 للبنت ثم أصبح 15 في 2005.
في ظني يؤثّر البعد الاقتصادي في هذا المطلب... يرغب بعض الآباء في التخلص من مسؤولية توفير مسكن الحضانة والنفقة
يجب أن ترتبط سن الحضانة بسن الرعاية والتعليم الأساسي التي تستمر في مصر حتى انتهاء المرحلة الإعدادية على الأقل، وكثير من الأمهات يطالبن برفعها إلى 18 سنة لتتسق مع سن الطفولة الرسمية.
في معظم البيوت المصرية التي يعيش فيها الأم والأب المتزوجان تتولى الأمهات أعمال الرعاية، سواء الجسدية (الطعام والاستحمام.. إلخ) أو المتابعة الدراسية. ويقدَّر الوقت الذي تبذله النساء في العمل المنزلي والرعائي بأكثر من أربعة أضعاف ما يبذله الرجال، فكيف يتصور أن يرعى هذا الرجل أطفاله إلا في حالة زواجه من أخرى؟
في ظني يؤثر البعد الاقتصادي في هذا المطلب؛ يرغب بعض الآباء في التخلص من مسؤولية توفير مسكن الحضانة، وأتوقع في حال إلغاء التخيير أن كثيرًا من الأمهات ستطالب وديًا بالأطفال وتستمر في رعايتهم بدون أن تكون حاضنتهم رسميًا، بالتالي لا يحق لها المطالبة بمسكن الحضانة.
ترتيب الأب بين الحاضنين
ترتيب الأب بين الحاضنين متأخرٌ، حيث يأتي بعد أمِّ الأمِّ ثم أمِّ الأب ثم نساء العائلتين، وثابتٌ في حالات الوفاة والطلاق. للوهلة الأولى يبدو أن تقديم الأب مطلبٌ منطقيٌّ، خاصة في حالة الأرمل الذي فقد أم أولاده لسبب قدري وبدون نزاع أو ضرر. لكن ما لا يتحدث فيه هؤلاء الآباء المطالبون بالتغيير أن التنظيم القانوني القائم مستندٌ لرؤية دينية تقسم المسؤولية عن الطفل إلى قسمين: الحضانة (التربية) وهي مسؤولية الأم وبعدها المحارم من النساء، وعلى رأسهم أم الأم، والولاية على النفس والمال وهي للأب وبعده العصبة من الرجال.
تقترح المشروعات التقدمية أن يصبح الأب الثاني في الترتيب مع عدم سقوط الحضانة تلقائيًا عن الأم في حالة زواجها مادة 100، وهو ما ساندته بعض الآراء الفقهية الإسلامية، من بينها المذهب الحنفي. ودينيًا ابنة الزوجة هي ربيبة محرمة على زوج أمها تحريمًا أبديًا كما يُحرّم الولد على زوجة أبيه أبديًّا، لكن مجموعات الرجال المطالبين بتغيير ترتيب الأب يصرون على الإبقاء على هذا الشرط التمييزي.
الولاية الكاملة
تعارض مجموعات الرجال المطالِبة بالتغيير منح الأم حق الولاية التعليمية حال كونها حاضنة، لأنه ينتقص من الولاية الطبيعية التي منحها الشرع للأب، فهي جزء من الولاية على النفس.
نالت الأم هذا الحق عام 2008 مع تعديل قانون الطفل، لكنه لا يُطبق تلقائيًا؛ إذ يتطلب إجراءات معقدة تبدأ بتوجه الحاضنة للقضاء لاستصدار أمر وقتي. ويسقط هذا الأمر إذا لم يُنفذ خلال 30 يومًا. وتحكم المحاكم للحاضنة بمصروفات الدراسة فقط، دون المشتملات الأخرى مثل الزي المدرسي أو الأنشطة أو الأتوبيس. وتعد قدرة الأب المادية هي المعيار الأساسي؛ فلا يحق للحاضنة إلحاق الأطفال بمستوى تعليمي يتجاوز قدرات الأب المالية الحالية، أو ما اعتاد عليه الأبناء قبل الطلاق، وإلا يحق للأب الاعتراض. كما تلتزم الحاضنة بدفع المصروفات أولًا، ثم المطالبة بها من الأب.
وليس أبلغ من ردٍّ على مطلب منع الحاضنات من الولاية التعليمية إلا كلمات المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 6 لسنة 34 ق د بتاريخ 2016 حين قالت "إن إسناد الولاية التعليمية على الطفل للحاضن تم من أجل مواجهة ضرورة اجتماعية كشف عنها الواقع العملي. إذ يتعمد بعض ذوي النفوس الضعيفة من الآباء أو غيرهم ممن لهم الولاية على النفس نكاية في الحاضنة، أو لإرغامها على التنازل عن بعض أو كل حقوقها أو حقوق الأبناء الشرعية - عدم تقديم طلب لإلحاق الطفل بأي من دور التعليم رغم بلوغه سن التعليم، أو سحب ملفه التعليمي".
في الحقيقة، ولاية الأم على الأبناء بحاجة للتوسع لا التضييق، ويجب أن تكون القرارات اليومية الأساسية المتعلقة بالطفل مثل التعليم، الرعاية الصحية، والأنشطة الرياضية من اختصاص الطرف الحاضن بالأساس، مع ضمان حق الطرف الآخر في المشاركة والإشراف دون إقصاء.
وطرحت بعض الأحزاب في "الحوار الوطني" أزمات الولاية الرياضية والعلاجية؛ إذ يحتاج الأطفال المتفوقون رياضيًا للاشتراك في بطولات ومسابقات، وتعجز الأم عن ذلك في حال عدم تعاون الأب أو غيابه. وينطبق الأمر نفسه على القرارات العلاجية الكبرى، إضافة إلى "الولاية المالية"؛ حيث لا تملك الأم حق السحب من حسابات الصغير، حتى لو كانت هي من أودعت الأموال، سواء كانت العلاقة الزوجية قائمة أو انتهت بالطلاق.
الخلع
الخلع هو المتهم الأول في ارتفاع نسب الطلاق في مصر، رغم أنه فتح مجرد نافذة صغيرة تخرج من خلالها النساء من علاقة الزواج في ظل صعوبة الحصول على الطلاق للضرر رغم نصوص القانون.
عدد حالات الطلاق التي تحصل عليها المرأة بالمحكمة في 2024 هي 14195 منها 11906 حالات خلع، في مقابل 259697 إشهاد طلاق عند المأذون حصل عليها الرجل؛ أمام كل طلاق برغبة المرأة يوجد 18 طلاقًا على يد الرجل.
اشتراط حضور الزوج أو موافقته في قضايا الخلع يُفرغ القانون من معناه
تتعرض النساء لإجراءات معقدة وتكاليف مرتفعة في المحاكم مقارنةً بسهولة إجراءات الطلاق لدى المأذون. ويبدو أن إقرار "الخلع" أحدث توازنًا في القوى بين النساء والرجال؛ إذ يُرجح أن نسبة من الرجال الذين يختارون الطلاق عند المأذون، ما كانوا ليفعلوا ذلك لولا إدراكهم وجود سبيل قانوني لفكاك المرأة من الزواج. ولا يمكن الجزم بدقة هذه التقديرات إلا بمعرفة نسبة "الطلاق على الإبراء" لدى المأذونين؛ وهو إحصاء غير متوفر رسميًا.
يستند معارضو الخلع في دعواهم بعدم شرعيته إلى سببين؛ الأول هو عدم اشتراط حضور الرجل أو موافقته لإتمام الإجراءات، والثاني هو صورية المهر، إذ يزعمون أن المهر المكتوب في العقود لا يمثل القيمة الحقيقية لما دفعه الزوج، وبناءً عليه يطالبون بمنح الرجل حق الاستئناف على الحكم. بالرغم من قدرة الزوج على إثبات المهر من فواتير أو شهود أو إيصالات يقدمها للمحكمة وستأخذ بها لو تأكدت.
كما تروج جروبات الرجال الغاضبين لفرضية تعمُّد بعض الزوجات إخطار الأزواج بالدعوى على عناوين صورية لتمرير الخلع دون علمهم، وهو ما قد يترتب عليه استمرار العلاقة الزوجية جهلًا بوقوع الانفصال، أو زواج المرأة من آخر دون علم زوجها الأول. وهذا سيناريو أقرب للدراما منه إلى الواقع.
إن اشتراط حضور الزوج أو موافقته في قضايا الخلع يُفرّغ القانون من معناه، ويفتح باب المماطلة والتعجيز. وبدلًا من ذلك، يمكن سد ثغرة الإعلان الصوري بتطوير نظام الإعلانات القضائية لضمان النزاهة في إخطارات الزواج بأخرى، أو النفقة، وقائمة المنقولات. لكن هذا التطوير يواجه ممانعة لأنه يفيد الطرفين ولا ينحاز للرجال فقط. علماً بأن القضاء يملك بالفعل سلطة إبطال أحكام الخلع إذا ثبت تعمد الزوجة التزوير في عنوان السكن، وهو ما حدث في قضايا سابقة.
الخلع إجراء معقد يتطلب تقديم المرأة طلب تسوية أولًا ثم جلستين أو ثلاث في حالة وجود أبناء ثم تعرض على حكمين ويتضمن تقرير خبير اجتماعي وتقرير النيابة، ولا تحال الدعوى إلا لو رفض الزوج الخلع بالتراضي ورفضت الزوجة الصلح وهذه الخطوات تستغرق بين شهرين إلى تسعة شهور.
أما إتاحة الاستئناف على حكم الخلع فردت عليه المحكمة الدستورية منذ سنوات في القضية رقم 201 لسنة 23 والتي رفضت فيها دعوى عدم دستورية الخلع لعدم إتاحة حق الاستئناف.
هناك "مظالم" أخرى يتحدث عنها الرجال المتصدرون المشهد حاليًا، منها مسألة تعدد قضايا النفقات والإلزام بالإنفاق ومسكن الحضانة وقائمة المنقولات وغيرها. التي قد أتفق معهم في كون تنظيمها الحالي سيئًا، لكنها لا تُحل وفق رؤيتهم. إن هناك ضرورة حقيقية لإصلاح شامل وعميق في منظومة الأحوال الشخصية باتجاه العدالة والمساواة والكفاءة لا باتجاه العودة لأوضاع أكثر ظلمًا وقهرًا من الوضع الحالي يتباكى عليها بعض الرجال.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

