لا حرية ولا صحافة
عندما يختل مؤشر الحرية ويجتاح القمع العالم
في مطلع مايو/أيار من كل عام، أنتظر صدور تقرير مؤشر حرية الصحافة العالمي الذي تعده منظمة مراسلون بلا حدود للوقوف على حال الصحافة المصرية والعربية، كيف كانت وأين أصبحت. لكن هذا العام، ترقبت صدور التقرير لا لأعرف حال صحافتنا، فهي كما هي "محلك سر"، بل لأتابع كيف تعاطى التقرير مع حال الصحافة بالعالم، تحديدًا في الغرب الذي طالما اعتبرناه نموذجًا يُحتذى به.
لم يُخلف مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، الصادر مطلع الشهر الجاري. ما إن طالعت الخريطة المصاحبة حتى لاحظت طغيان اللون الأحمر القاني بدرجاته، وهو ما يشير إلى أن أوضاع الصحافة في معظم دول العالم تتأرجح بين "الإشكالية" و"الصعبة" و"شديدة الخطورة".
تدهور
حسب التقرير، فإنها المرة الأولى في تاريخ التصنيف العالمي لحرية الصحافة، التي يندرج فيها أكثر من نصف بلدان العالم ضمن المنطقة التي يُوصف فيها الوضع بأنه "صعب" أو "خطير للغاية"، إذ لم يسبق أن هبط متوسط سجل البلدان التي يشملها التقييم إلى هذا الحد من التدني خلال السنوات الـ25 الماضية.
ما يعني أنه منذ عام 2001، ساءت أحوال الصحافة، حتى في بعض أعتى الديمقراطيات في العالم، بعدما جرى تقويض الحق في الوصول إلى المعلومات بشكل تدريجي، تحت وطأة اتساع ترسانة تشريعية آخذة في التقييد وتشديد الخناق، لا سيما مع تنامي سياسات الأمن القومي.
خلافًا للتراجع الذي لحق بعدد من الدول، منها الولايات المتحدة الأمريكية، التي فقدت سبع مراتب على مؤشر حرية الصحافة في عهد رئيسها دونالد ترامب، فإن معظم دول العالم اجتاحتها دوامة العنف والقمع التي ظلت سنوات وعقودًا حكرًا على دول الشرق الأوسط والأدنى التي لا تزال تتنافس على المراتب الأخيرة في المؤشر.
جاءت إسرائيل في مرتبة متقدمة نسبيًّا مقارنة بدول أخرى في المنطقة
الملاحظة اللافتة في التقرير، الصادر عن منظمة مفترض أنها مستقلة ومحايدة، إسهابه في إدانة ما يُمارس ضد صحافة العالم من خنق وتضييق ممنهج، مستنكرًا الانتهاكات التي تطول الحق في الوصول إلى المعلومات، ورافضًا إفلات من يحاصرون حق الصحفيين في الوصول إليها من العقاب، ومطالبًا الدول الديمقراطية وشعوبها بالوقوف في وجه من يحاولون إحكام جدار الصمت، انطلاقًا من أن "عدوى الاستبداد ليست قدرًا محتومًا".
بمكيالين
إلا أنه، ورغم كل ما سبق، مر مرور الكرام على الجرائم الإسرائيلية ضد الصحفيين الفلسطينيين واللبنانيين، الذين سقط منهم عشرات الشهداء، فقط لأنهم قرروا ممارسة حقهم في نقل الحقيقة.
اكتفى التقرير بالإشارة إلى أن إسرائيل تراجعت أربع مراتب على مؤشر حرية الصحافة هذا العام (116 من أصل 180 دولة)، على أثر الحرب التي تشنها حكومة بنيامين نتنياهو، والتي قتلت في غزة أكثر من 260 صحفيًا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، من بينهم 70 على الأقل أثناء أداء عملهم.
التقرير أشار إلى أن حكومة نتنياهو ومنذ عام 2023 سارعت في إصدار تشريعات ضمن ترسانة قوانين "مكافحة الإرهاب"، التي في الواقع جرى تسخيرها لاستهداف الصحافة؛ ناهيك عن زجها بعشرات الصحفيين الفلسطينيين والأجانب في السجون.
لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تُذكر فيها إسرائيل وجرائمها بحق الصحافة بشكل عابر في تقارير المنظمة. تقرير العام الماضي لم يختلف كثيرًا، رغم أن دولة الاحتلال لا تكتفي باغتيال الصحفيين، بل تمنع، ولا تزال، وسائل الإعلام الدولية والإقليمية من دخول قطاع غزة لتوثيق ما أحدثته آلة الحرب من دمار وإبادة جماعية، كما تفرض رقابة مشددة على تدفق المعلومات بدعوى حماية الأمن القومي.
مع ذلك، جاءت إسرائيل في مرتبة متقدمة نسبيًّا مقارنة بدول أخرى في المنطقة؛ قد تفرض تلك الدول قيودًا على الصحافة وقد يلاحق بعضها الصحفيين، لكنها لا تقتلهم علنًا، ولا تتباهى بجرمها وإفلاتها من العقاب كما تفعل إسرائيل.
الشعب الإيراني يعاني من الاستبداد نعم لكنه يتعرض أيضًا لعدوان أمريكي إسرائيلي
وفي حين لم يصف التقرير ما ترتكبه إسرائيل بحق الصحفيين بـ"القمع"، استخدم تعبير "حدة القمع" لوصف الأوضاع في إيران التي جاءت في المرتبة 177 من بين 180 دولة، وأشار إلى أن سلطاتها "تواصل تهديد الصحفيين وأفراد أسرهم واعتقالهم بشكل ممنهج".
ما يثير الانتباه أكثر أن المنظمة أعلنت، قبل أيام من نشر تقريرها السنوي، إطلاق إذاعة جديدة باللغة الفارسية تستهدف الجمهور داخل إيران، بالتعاون مع منظمة "راديو من أجل السلام الدولي"، معتمدةً على تكنولوجيا "الموجات القصيرة" لتجاوز الرقابة الرقمية التي تفرضها طهران.
يكشف خبر إطلاق تلك الإذاعة انحيازًا فجًّا؛ إذ لم نسمع عن مبادرة مشابهة لإطلاق إذاعة باللغة العبرية تستهدف كسر القيود التي تفرضها إسرائيل على ما يجري في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، أو الوصول إلى الجمهور الإسرائيلي المحاط بستار كثيف من السرديات الكاذبة التي تبرر لما يسمى الجيش الأكثر أخلاقية في العالم انتهاك كل الحقوق والقوانين.
لأن الشيء بالشيء يُذكر، فالمنظمة أطلقت العام الماضي باقة قنوات وإذاعات باللغة الروسية، بهدف "إتاحة الوصول إلى مصادر موثوقة للأخبار في مناطق غارقة في مستنقع الدعاية والتضليل"، حسب بيانها، وذلك من داخل المؤسسات الأوروبية وبمشاركة مسؤولين في الاتحاد الأوروبي.
في نهاية النفق
لا يحتاج الأمر إلى جهد كبير لاكتشاف حجم الانحياز في مواقف المنظمة من دول تخوض صراعات مع الغرب، الذي اعترفت هي نفسها في تقريرها الأخير بأنه لم يعد بعيدًا في ممارساته عن أنماط الاستبداد الشرقي التي يدينها التقرير.
الصورة تكتمل حين نضع عناصرها جنبًا إلى جنب؛ الشعب الإيراني يعاني من الاستبداد، نعم، لكنه يتعرض أيضًا لعدوان أمريكي إسرائيلي سافر وتهديدات بتدمير حضارته وضرب منشآته المدنية، فهل يحتاج هذا الشعب إلى إذاعة تُبث من الخارج لتلقنه "الحقيقة" وفق منظور مموليها؟ وهل تحتاج الشعوب الروسية، التي تعاني بدورها من أنظمة لا تختلف في قمعها عن غيرها، إلى منصات إعلامية تُدار من داخل أوروبا، في خضم حرب مفتوحة مع موسكو؟!
الإذاعة الفارسية وباقات القنوات الروسية التي أطلقتها المنظمة ليست في جوهرها سوى أدوات تحريض سياسي، لا تنطلق فقط من رفض الاستبداد، بل من موقع الصراع مع حكومات تخوض مواجهات مع الغرب، الذي يرتكب ممارسات تخالف القوانين الدولية ويضفي حماية سياسية واقتصادية وعسكرية على كيان إرهابي مجرم تمرس في الإفلات من العقاب.
عبر عقود، إن لم يكن قرونًا، مارَس هذا الغرب القتل والاستعمار والإبادة تحت لافتات "التحرير" و"نشر الديمقراطية"، ثم بات اليوم يَقتل من أجل القتل، لأن زعيمًا متغطرسًا مثل دونالد ترامب لا يقبل بحقيقة أنه فشل، ويحمي القتلة والمجرمين لأنهم يقومون بـ"الأعمال القذرة" نيابةً عن الدول الغربية وفق تصريح المستشار الألماني فريدريش ميرتس.
رغم الصورة القاتمة فإن التوقف عن المطالبة بحرية الصحافة ليس خيارًا
بعيدًا عن المنظمة، التي حاولت الاقتراب من واقع الصحافة لكنها أخفقت وصارت تقاريرها محل شك، فإن أحوال الصحافة والصحفيين في العالم ليست بخير، ولن تكون كذلك ما دام العالم يرزح تحت حكم زعماء من طراز الرئيس الأمريكي النرجسي المتغطرس الذي لا يستمع إلا لما يرغب.
زعماء الشرق ليسوا وحدهم من يحتقرون الصحافة؛ فالرئيس الأمريكي جعل من استهدافها ومن مهاجمة الصحفيين سياسة ممنهجة، لا تختلف كثيرًا عما يحدث في دول العالم الثالث.
عن أي صحافة حرة نتحدث إذًا؟ المنصات الإعلامية في معظم أنحاء العالم باتت تتحدث بلسان الحكومات، وتلتزم بسياسات تحريرية تفرض عليها من قبل مموليها الذين هم إما أجهزة تابعة للسلطات أو رجال أعمال يستغلون قربهم من دوائر صنع القرار، فيما تحولت المنظمات المفترض أن تدافع عن حرية الصحافة إلى كيانات تُكيل بمكيالين.
ورغم هذه الصورة القاتمة، التي تدفع إلى الإحباط، فإن التوقف عن المطالبة بحرية الصحافة ليس خيارًا، فلا بد من الاستمرار في السعي إلى مساحات أوسع من الاستقلال، حتى يتمكن الصحفيون من أداء دورهم الأساسي في إخبار الناس وكشف الحقائق، ومواجهة الفساد والاستبداد.
الصحافة الحرة ليست ترفًا بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الدول، وترتبط به مصالح الشعوب ارتباطًا وثيقًا، عبر قدرة الصحفيين على إنتاج ونشر الأخبار بشكل مستقل، بعيدًا عن الضغوط السياسية والاقتصادية، وفي بيئة آمنة.
دعونا نحلم بيوم تتحول فيه خريطة مؤشر حرية الصحافة من اللون "البني القاتم" حيث العداء للصحافة، إلى "الأخضر الفاتح"، حيث يُحترم الحق في المعرفة، وتُصان حرية التعبير، وتُدرك الدول أن الصحافة إحدى أهم ركائز التنمية والتقدم والرخاء.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.


