تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2025
كان للمدن ذات البوابات أثر في تمزيق النسيج الاجتماعي للقاهرة

ادفع لتشم الهواء.. المدينة في قبضة التاجر الكبير

منشور الأحد 14 حزيران/يونيو 2026

لنتخيل مواطنَيْن خرجا لتوهما من يوم عملٍ شاقٍ، أحدهما في ميدان المسلة بمدينة الفيوم، والآخر في ميدان محمد فريد بالقاهرة، وكلاهما لا يرغب في العودة للمنزل سريعًا، فقررا التمشي قليلًا. يقطع الاثنان مسافةً من 300 إلى 500 متر بلا شجر في الأفق، وإن وجد فهو قليل وهزيل، وعلى رصيفٍ يضيق بسائريه، وإذا اتسع تأكله المحال المجاورة. 

يرغبان في الراحة قليلًا فينظران حولهما ولا يلمحان مقاعد للعامة. يمشيان أكثر من كيلومتر. وصل مَن في الفيوم إلى بحر يوسف (تفريعة النيل) ليجد مقاهي على طول البحر، بعضها أخذ مقاعد العامة/البنشات، لحسابه، ومن يجلس عليه أن يطلب، بالتالي يدفع. أما الثاني فبعد أن مر على كل مقاهي وسط البلد، ورفض طلب قهوتها أو شايها باهظي الثمن بالنسبة له، أخذته قدماه لميدان عبد المنعم رياض، ليجد أخيرًا مكانًا للراحة، أو هكذا ظن.

جلس مَن في الفيوم وطلب كوب شاي مرغمًا ليتمتع ببحر المدينة الملوث ولو لبعض الوقت، وهو يتأمل مرة أخرى البنشات المنجدة التي أصبحت من أملاك المقاهي بعد أن كانت مجانية، ليلحظ أن بعضها ليس ثابتًا في الأرض، ما يعني أنه انتُزع من مكانه ونقل إلى هنا. يرى أيضًا صيادًا أتى بكرسيه الخاص وبجواره أدوات الصيد على الأرض وخلفه شجرات هزيلات بجوار بحرٍ يمتد لعدة كيلومترات وصوت سيارات الشرطة في الخلفية تروح وتجيء.

أما مواطننا القاهري في ميدان عبد المنعم رياض، فقد جلس على بنش إسمنتي لا يعرف مصممه معنى الجلوس والراحة، لكن لا بأس، يتأمل حوله فيجد البنشات متباعدة كأنها مصممة خصيصًا لئلَّا يتعرف الأغراب على بعضهم البعض صدفةً فتنشأ علاقة اجتماعية لا سمح الله، وبالطبع لا شجر في الأفق أيضًا.

يهم بالوقوف لبرهةٍ لإحساسه بعدم الراحة، ويتمنى لو أن هناك عربة شاي بسيطة اقتصادية بالقرب منه لكن الله لا يعطي كل شيء! وبالطبع سيارات الشرطة عند مدخل شارع شامبليون تراقب في العموم، وبالأخص من يقترب من تمثال البطل عبد المنعم رياض لسببٍ قد يعجز عن فهمه عبد المنعم رياض نفسه.

يتنهد صديقانا الاثنان ويسألان في نفَسٍ واحد "لم أطلب الكثير فلماذا أشعر أني محاصر؟".

العمارة العدائية

صورة من كمباوند على أطراف القاهرة بمدينة الشيخ زايد، تروى حدائقه بمياه النيل. 

للإجابة عن سؤال "الشعور بالحصار" نحتاج لفهم مصطلح العمارة العدائية/Hostile architecture. التعريف المادي البسيط له أنه تصميم الأماكن العامة كالحدائق ومناطق التجمع كالميادين والأرصفة بطريقة تحدد كيفية استعمال المكان وتحد من تعددية استخدامه، أو حتى تحد من فئات الأشخاص الذين يحق لهم استعمال المكان، ويمكن القيام بذلك أيضًا بإضافة بعض التعديلات على الأماكن الموجودة بالفعل لتحقيق الغرض نفسه.

مثال على ذلك إنفاق المسؤولين في مدينة بورتلاند بولاية أوريجون في الولايات المتحدة 500 ألف دولار عام 2021 لإضافة ما أطلقوا عليه الفرش الدفاعي لحديقة المدينة الوحيدة مثل البنشات المضادة للمشردين التي توضع في بعضها أشواك تتحرك بالدفع لإبعاد من يجلس عليها لفترة طويلة، أو نشر صخور الزينة على الأعشاب ليصبح من الصعب النوم عليها، أو حتى على البنشات الإسمنتية ذات التصميمات التي تصعب ليس فقط النوم بل الجلوس لمدة طويلة.

عادة ما يكون مبرر السلطات التي تطبق ذلك النوع من العمارة ضمانَ الأمن والسلامة ومنع الجريمة والأفعال غير المرغوب فيها، والمحافظة على الصورة العامة، وهنا يكمن السؤال، هل وضع بنش إسمنتي يصعب نوم المشرد، وجلوس العامة بالمجان يحد من الجريمة؟

الحرب على المشردين

قد تكمن الإجابة في فهم العمارة العدائية باعتبارها وليدة النيوليبرالية ومبنية في الأساس لمحاربة المشردين، أو من تصفهم بأنهم غير مشاركين في المجتمع بحسب مدى الانخراط في العملية الاستهلاكية، وتقوم كذلك على الفصل العمراني/urban segregation بين أصحاب الدخل المتوسط والمرتفع الذين يملكون المقدرة على استعمال المكان العام، والفقراء من الطبقات العاملة والمهمشة.

وفق المُحاضر في جغرافيا الإنسان بجامعة أوكلاند، توم بيكر،  فإن "الطبقات المختلفة من المجتمع قد تعيش في المكان نفسه ولكنهم مع ذلك يعيشون في عوالم مختلفة، فيهرول أبناء الطبقة المتوسطة والغنية بين أجزاء مختلفة من المدينة معزولين تمامًا عن باقي الطبقات، وفي اعتقادي أن المشردين ليسوا إلا رأس حربة أو ذريعة لهذا العملية".

عندما تصبح المدينة شركة تهتم بالربح فقط تتحول الأماكن العامة إلى مجرد وسيلة تسليع وربح

هنا يمكن استنتاج أن المكان الذي يسمى بالعام يحمل في طياته كل طباع الخصوصية، ويُهمل الجانب الأهم من كونه عملية مجتمعية مستمرة، ومساحة حرة للمجتمع لخلق أنشطة فيه، فالسُلَّم على سبيل المثال له غرض رئيسي، ولكن عن طريق التصميم الجيد وترك المساحة للمستخدم يمكن أن تخلق أنشطة جانبية كالجلوس والاجتماع أو حتى أنشطة رياضية يخلقها المستخدم قد لا تخطر على بال المصمم، ولكن عندما يعامل المكان كمنتج أو سلعة فقط يؤدي ذلك حتمًا إلى التعامل السلطوي مع المكان العام.

في الوقت الحالي، أصبح المكان العام، وفق الفيلسوف الماركسي الفرنسي هنري لوفيفر في كتابه الإنتاج الاجتماعي للمكان، أحد منتجات المرحلة النيوليبرالية، بالتالي ليس غريبًا أن تنشأ بداخله العمارة العدائية. هو ليس فقط مجرد وسيلة لتقوية الحالة الرأسمالية، وبما أنه جرى تسليعه بالفعل بحيث يُفرق بين من يملكه، ومن يستخدمه.

بالتالي ليس غريبًا أن يرضى قطاع كبير من المجتمع بخصخصة الأماكن العامة، ويصبح سؤال موضع الأماكن العامة في علاقة الحكومة بالقطاع الخاص أكثر غموضًا، فعندما تصبح المدينة شركة تهتم بالربح فقط، تتحول الأماكن العامة إلى مجرد وسيلة تسليع، لذلك يُطرد السكان لصالح المستهلكين إن لم يشاركوا في الاستهلاك فتُدمر فكرة المدينة كمكان لكل العامة وتصبح ساحة للصراع الطبقي يطيح فيها الغني بالفقير.

سبوبة المكان العام

في مصر تخطت الأماكن العامة مرحلة الصراع الطبقي، فكل ما يمكن وصفه بأنه مكان عام تحول لفرصة للانتفاع؛ بداية من أي كورنيش مهما بلغت درجة انحداره، حيث تتحول رؤية المسطح المائي لرفاهية بسبب سوء التصميم من جهة، والاستيلاء على قطاعات كبيرة منه لصالح خدمات مدفوعة مثل المقاهي من جهة أخرى.

مرورًا بالكباري التي استغلت المساحات أسفلها كمقاهٍ ومحلات ومواقف للسيارات في نزعة تتسم بطابع العمارة العدائية الذي يهدف للسيطرة على كل شبر يمكن أن ينام فيه من ليس له مأوى، انتهاءً بالمناطق الخضراء التي تكاد تكون خُصخصت بالكامل عن طريق إزالتها، بحيث لم تعد تتوافر إلا في المناطق الإيجيبتية والكومبوندات.

هذه السردية تعززها بياناتٌ حديثةٌ للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تشير إلى انخفاض العدد الكلي لحدائق النباتات والمتنزهات الحكومية بين عامي 2022 و2024 من 1256 إلى 1115.

تتسم الأماكن العامة الأخرى كالميادين بخضوعها لرقابة شرطية مستمرة تحد من حرية الاستعمال، إضافةً لفقرها التصميمي وعدم وجود أماكن للجلوس أو وجودها المحدود مع رداءة مكوناتها كأن تكون إسمنتية غير مشجعة على البقاء لمدة طويلة.

أما الرصيف الذي يفترض أن يكون مكانًا للمشاة فيخوض صراعًا مستمرًا مع حارات السيارات المجاورة له من جهة، ومن المحلات والمقاهي التي تأكل جزءًا كبيرًا منه من جهة أخرى، في مظهر آخر من مظاهر السبوبة، إضافة لسوء تصميمه وافتقاره إلى التنظيم بحيث يوفر حارة للدراجات، ثم مكان للأشجار، ومكان للبنشات، يليه مكان للمارة يسمح لهم بالحركة بحرية دون الحاجة للمشي السريع والهرولة المستمرة وإلا داسوا بعضهم بعضًا، انتهاءً بمكان لامتداد المقاهي إذا سمحت سعة الرصيف بذلك.

إذا كانت تجربة المشي للمواطن الذكر السليم جسديًا تواجه هذه الصعوبات، فكيف حال الأطفال والعجائز وذوي الاحتياجات الخاصة، أو كيف الحال بالنساء في هذا الزحام الذي يوفر بيئة أكبر لحوادث التحرش والمضايقات.