تصميم: يوسف أيمن - المنصة

باسم الشعب.. آلاء تُنهي استجداء النساء على أبواب الفنادق

منشور الخميس 30 نيسان/أبريل 2026

قبل سنوات، اجهشَّت صفاء جلال، طبيبة النساء والتوليد في مستشفى المبرة بأسيوط، بالبكاء في بهو أحد فنادق الإسكندرية، حيث كانت تحضر تدريبًا على المناظير يستمر أربعة أيام، بسبب رفض إدارة الفندق تسكينها لأنها امرأة، وفق ما قالت لـ المنصة. ولكنّها اليوم لن تعود بحاجة إلى ذلك، بعد الحكم القضائي الصادر هذا الشهر بتجريم ذلك العُرف الذي دأبت الفنادق على ترسيخه خلال السنوات الماضية، باعتباره تمييزًا ضد النساء. 

وقتها، كانت لدى الطبيبة التي يبلغ عمرها اليوم 30 عامًا خطط كثيرة "كورس المناظير كان 4 أيام، وكانت أول مرة أسافر لوحدي، وجهزت نفسي لخطط كتير". وبالفعل وصلت إلى المدينة الساحلية قبل موعد التدريب، لكنَّ طموحاتها بشأن السفرية الأولى تحطمت على مكاتب استقبال الفنادق.

تقول لـ المنصة "أول فندق دخلته رفض يسكني وكُنا تقريبًا الساعة 9 بالليل، فلفيت على كل الفنادق الموجودة في المنطقة سواء 3 أو 4 نجوم، وكلهم نفس الرد للأسف: مش بنسكِّن بنات لوحدهم".

في كلِّ فندق دخلته، حاولت صفاء تبرير سبب وجودها بمفردها في الإسكندرية "كنت بوريهم ورق الكورس وعرضت على أكتر من مسؤول يكلم والدي وأي حد من عيلتي، والنتيجة واحدة كله رفض، تقريبًا لحد الساعة 12 بالليل". وفي مكتب استقبال الفندق الأخير، انهارت الطبيبة الشابة "دخلت في حالة عياط هستيرية، مش عارفة أعمل إيه أو هبات فين، لما وصلت للمرحلة دي صعبت على مدير الفندق وقرر إنه يسكِّني على مسؤوليته الشخصية". لا تنسى صفاء الواقعة رغم مرور سنوات عليها، وجعلتها حتى اليوم "مش قادرة أرجع اسكندرية تاني".

رفض متكرر

قيود على النساء

لا تمنع القوانين المصرية النساء من الإقامة بمفردهن في الفنادق، بل إن قانون تنظيم المنشآت السياحية يُلزم المنشآت الفندقية بمعاملة جميع النزلاء دون تمييز، مع الالتزام فقط بالإجراءات الأمنية المتعارف عليها. كما يؤكد الدستور في مواده المتعلقة بالمواطنة والمساواة، حظر أي شكل من أشكال التمييز.

لكن رغم ذلك، يبقى النمط ثابتًا ومتكررًا وإن اختلفت أسماء البطلات والمواقع؛ تمتنع الفنادق المصرية منذ سنوات عن تسكين النساء، في مخالفة لنص الوثيقة الدولية التي تحظر التمييز ضد النساء بأشكاله في التنقل أو الحركة والإقامة، والتي صادقت عليها مصر.

مِن بين مَن مُنعن من الإقامة، هاجر محمد، المخرجة الثلاثينية المقيمة في مدينة الأقصر، وتعرّضت لهذا الموقف مرتين في حياتها، وفق ما تقول لـ المنصة.

"الأولى في إسكندرية من 5 سنين، كنت رايحة رحلة ترفيهية مع صديقة من غير حجز في أي فندق على اعتقاد إن ده أمر سهل، وصلنا الساعه 12 بالليل، واتفاجئنا أول ما وصلنا إن كل الفنادق رافضة تسكنا وفضلنا في الشارع لحد الساعة 2 صباحًا". وكما حدث مع صفاء، قرر مدير فندق تسكينهما على مسؤوليته الشخصية "ومش عارفة إيه المسؤولية اللي ممكن يتحملها نتيجة تسكينه بنات في الحقيقة" تتساءل هاجر مستنكرة.

يتكرر السيناريو في وسط البلد بالقاهرة قبل 4 أشهر "الفندق الوحيد اللي وافق على إقامتي في المنطقة كانت صاحبته ست ولكن كان سعر الإقامة مضاعف، وأنا رفضته، وبعدها اضطريت أقبل لأن تقريبًا قضيت الليل كله في الشارع وبدور على فندق".

لكنَّ هذه الدائرة انكسرت، عندما رفض أحد فنادق بورسعيد، في يناير/كانون الثاني الماضي، حجز غرفة للصحفية آلاء سعد، التي تعيش في القاهرة وأرادت قضاء عدة أيام في المدينة الساحلية، بدعوى أن "عندنا تعليمات إن السنجل الحريمي غير مسموح، وشكرًا لتفهمكم". 

لم تتعدَّ رسالة الفندق سطرًا واحدًا، ولكنها غيَّرت خطط آلاء ولاحقًا ستغيّر سلوكيات الفنادق. اتصلت أولًا بخط تخصصه وزارة السياحة والآثار للإبلاغ عن هذا التمييز بعينه، لكن الرد كان مفاجئًا "كلمتهم ورفضوا يسجلوا الشكوى من الأساس"، ثم تقدمت بشكوى رسمية لمنظومة الشكاوى الحكومية الموحدة. ولاحقًا، حررت محضرًا بالواقعة مُحتجَّةً بحقها الدستوري الذي يمنحها الأهلية الكاملة التي تسمح لها بحرية الانتقال والإقامة داخل بلدها.

لكنَّ رحلة آلاء القضائية لم تكن نزهة؛ فرغم ما يؤكده الدستور، برَّأت محكمة جنح شرق الجزئية في بورسعيد صاحب الفندق من الاتهام بـ"التمييز ضد النساء"، قبل أن تُلغي محكمة الجنح المستأنفة حكم براءة مدير الفندق هذا الشهر، وتُدينه غيابيًا بالتمييز لامتناعه عن تسكين امرأة بمفردها على أساس الجنس، وتعاقبه بالحبس سنة وغرامة 50 ألف جنيه.

محاولات كسر القيد

استقبال فندق الصفوة يوتوبيا بورسعيد، 12 ديسمبر 2021

عام 2021، تقدمت النائبة إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية في مجلس النواب، بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، حول استمرار شكاوى منع النساء من الإقامة بمفردهن في بعض الفنادق أقل من 4 نجوم. وجاء ذلك على خلفية دعوى أقامها محامٍ عام 2021 أمام مجلس الدولة، يطالب فيها بإبطال قرار منع النساء من الإقامة في الفنادق منفردات، ورُفضت في 2022 لأسباب إجرائية.

حينها، نفت وزارة الداخلية في بيان إصدارها أي تعليمات أو قرارات للفنادق والمنشآت السياحية تمنع  إقامة النساء المصريات أو مواطنات دول مجلس التعاون الخليجي اللاتى تقل أعمارهن عن 40 عامًا، دون "محرم". 

لكن للصحفية غادة المصري تجربة أخرى "أنا من محافظة أسيوط وبطاقتي الشخصية موثق بها عنواني هناك، ولكن أنا مقيمة في إسكندرية. لما بسافر أسيوط بيرفضوا يسكنوني، لحد ما في مرة صاحب مكتبة قال لي على حيلة ساعدتني قال لي اكتبي عقد إيجار لأي عنوان في القاهرة وقدميه في الفندق لتأكيد إنك مغتربة عن المحافظة وبالفعل عملت ده وسكنت وقتها". 

الحيلة تحولت فيما بعد إلى واقع "اتجوزت أجنبي وبقيت لما بسافر أسيوط باخد كل الورق اللي يثبت إني مقيمة في الدولة اللي اتجوزت فيها عشان ماحدش يعترض على سكني لوحدي في الفندق"، تقول لـ المنصة

قليل من الفنادق تفصح عن سياستها الداخلية في امتناعها عن تقديم هذه الخدمة للنساء

ما سبق يوضحه أكثر إبراهيم نبيل(*)، الذي يعمل في أحد فنادق وسط البلد، "رسميًا لا يوجد أي قوانين أو إجراءات تمنع تسكين النساء بصفة خاصة، ولكن ما يعد شبه رسمي هو ممنوع التسكين الفردي للنساء من نفس المحافظة". ويضيف لـ المنصة "تم ربط تطبيقه بسياسات الزيارات الخاصة لكل فندق أيًا كان تقييمه".

ويوضح نبيل، الذي يمتلك خبرة ما يزيد على الـ10 سنوات في قطاع السياحة، أن "سياسات الزيارات في الفنادق" تعني مجموعة القواعد واللوائح التي يضعها الفندق لتنظيم دخول الأشخاص الذين لا يحملون حجزًا فندقيًا إلى مبنى الفندق أو غرف النزلاء. وتهدف إلى الحفاظ على أمن وسلامة النزلاء، والخصوصية، والهدوء.

ويشرح نبيل أن هذه القواعد الداخلية تحظر في أغلب الفنادق الزيارات في الغرف المفردة حتى في الفنادق ذات الخمس نجوم، أما في الفنادق ذات التقييم الأقل، لا يقتصر المنع عند الزيارات فقط بل يمتد تسكين النساء المصريات، وأحيانًا العربيات. بل إن بعض الفنادق تعلن سياستها الداخلية التمييزية ضد النساء في موقع بوكينج الشهير للحجوزات. 

ويوضح نبيل أن موظف الاستعلام في أي فندق، عندما تطلب امرأة حجزًا، يستعلم أولًا عن نوع الغرفة، فإذا كانت "سنجل" يعتذر لها بدعوى عدم وجود غرف متاحة تجنبًا للدخول في نزاع. ويضيف أن "قليلًا من الفنادق التي عملت بها كانت تفصح عن سياستها الداخلية" للنساء.

معركة النفس الطويل

تغيب البنية التشريعية التي تكافح التمييز ضد المرأة                                                                                                                                

ربما تكرار السيناريو وتعدُّد الوقائع هو ما دفع آلاء، وهي ناشطة نسوية بالإضافة إلى كونها صحفية، إلى الإصرار على إيصال شكواها إلى المحكمة، مدعومةً من مؤسسة المرأة الجديدة التي تبنت القضية باعتبارها حقًا عامًا.

نيفين عبيد، المديرة التنفيذية للمؤسسة، ترى أنَّ التقاضي خيارٌ استراتيجيٌ لكنه يحتاج إلى نفسٍ طويلٍ. وتوضح أن المؤسسة لم تتوقع أن تنتهي القضية في الدرجة الأولى. قبل أن تستدرك في حديثها إلى المنصة "لكن رغم طول هذا المسار فإنه يضمن عدم تكرار حالة آلاء مرة أخرى".

ومع تقديم الدعم لمن تلجأ لخيار التقاضي، تعتبر مؤسسة المرأة الجديدة أن ما رسَّخ هذا العرف التمييزي ضد النساء في الفنادق،  هو غياب البنية التشريعية التي تعمل على مكافحته، خاصة مع تقاعس الدولة لأكثر من عشر سنوات عن تنفيذ الاستحقاق الدستوري بتشكيل مفوضية مستقلة لمناهضة التمييز.

تشير نيفين عبيد إلى أن الدولة تستند إلى المادة 161 مكرر في قانون العقوبات، التي تعاقب بالحبس والغرامة كلَّ من "قام بعمل أو امتناع يؤدي للتمييز بين الأفراد بسبب الجنس، الأصل، اللغة، الدين، أو العقيدة، إذا ترتب عليه إهدار لمبدأ تكافؤ الفرص، العدالة الاجتماعية، أو تكدير السلم العام"، باعتبارها كافية لمكافحة التمييز. لكنها ترى أن "لكن المادة دي لوحدها محلّش مشكلة تسكين البنات لوحدهم في الفنادق". 

فيما ترى آية حمدي، محامية ومسؤولة مكاتب المساندة بمؤسسة المرأة الجديدة، ومحامية آلاء سعد، أن القضية ليست فراغًا تشريعيًا بقدر ما هي مظهر من مظاهر هيمنة الثقافة والأعراف "وسُمُوِّها على القانون" حد وصفها. وتضيف لـ المنصة "ظهر ده في حكم البراءة بوضوح". 

سيطرة الأعراف تبدو متسقة مع حديث عماري عبد العظيم، الخبير السياحي ورئيس شعبة السياحة والطيران الأسبق بالغرفة التجارية، لـ المنصة، بأن "المشكلة بتظهر بشكل واضح في الفنادق أقل من 4 نجوم، وجاية من حس أمني". ويضيف "ما فيش تعليمات، بس هما حسب اعتقادهم بيمنعوا بكده حدوث مشاكل".

فيما لم تتلق المنصة ردًا من غرفة المنشآت الفندقية للتعليق على القضية حتى موعد النشر رغم الوعود المتكررة من المسؤول الإعلامي بالرد.

يدعو الخبير السياحي النساء بالمبادرة والاتصال بالنجدة في حالة امتناع أي فندق عن إقامتها لحفظ حقها وفرض إقامتها. فيما ترى آلاء أن الحكم يمثل خطوة قانونية لمواجهة الممارسات التمييزية ضد النساء، لا سيما مع ندرة الوقائع القضائية في مثل هذه القضايا، ما سيدعم موقف أي امرأة تواجه رفض تسكينها في فندق، ويمنحها أدوات للمقاومة عدا البكاء والاستجداء في مداخل الفنادق، بحثًا عن مدير طيب القلب، يُخاطر بوظيفته بتسكينه امرأةً.


(*) اسم مستعار بناء على طلب المصدر.