على شرف "الميثاق".. أزمة جندر في أروقة الصحفيين
ما بينَ دفعٍ وصَدٍ، اشتعلت معركةٌ في أروقة نقابة الصحفيين في الطريقِ نحو إقرار مسودتي لائحة القيد الجديدة وميثاق الشرف، بسبب تضمين كودٍ يخص الجندر لأول مرة في الميثاق الذي يمثل المرجعية الأخلاقية للعمل الصحفي.
وتضمن مشروع الميثاق إضافة فصول جديدة مثل "كود النوع الاجتماعي أو الجندر" و"الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته"، وهما ما لم يكونا موجودين في ميثاق الشرف الصحفي المعمول به منذ عام 1998، المكون من 53 مادة.
في 3 مارس/آذار الماضي، أرسلت "الصحفيين" مسودتي لائحة القيد وميثاق الشرف إلى أعضاء الجمعية العمومية عبر الإيميل تمهيدًا لمناقشتها في اجتماعها، ثم تكررت دعوات مجلس النقابة من أجل اجتماع عادي للجمعية العمومية في أيام 6 مارس و20 مارس و3 أبريل/نيسان، لكن لم تنعقد الجمعية في أي مرة لعدم اكتمال النصاب القانوني للموافقة على اللائحة والميثاق.
وتقدمت مجموعةٌ من الصحفيين بمذكرةٍ لرفض تضمين مصطلح "الجندر" ضمن الأكواد الصحفية، نظرًا لما اعتبروه مخالفةً لقيم المجتمع المصري، كما عقد مجلس النقابة جلسة مع عدد من الصحفيين، ليقرر بعدها تعديل نسخة الأولى بحذف "الجندر" واستخدام لفظ "المساواة"، وإعادة إرسال النسخة مرة أخرى بالإيميل إلى أعضاء الجمعية العمومية يوم 16 أبريل قبل الدعوة الرابعة والأخيرة لانعقاد الجمعية في الـ17 من أبريل.
رغم ذلك لم تجتمع الجمعية العمومية، ليبقى إقرار الميثاق واللائحة معلقين دون تحديد زمن لإقرارهما، ويكتفي مجلس النقابة بما أثمرت عنه محاولاتها الأخيرة من وضع أكواد جديدة لتنظيم بعض الممارسات الصحفية.
تغطية منصفة لقضايا النوع
تضمن كود النوع الاجتماعي أو الجندر 9 بنود تسعى لتغطية منصفةٍ ومسؤولةٍ لقضايا النوع الاجتماعي من خلال الالتزام بعدة معايير؛ على رأسها عدم استغلال الضحايا، وتجنب الصور النمطية، وضمان تمثيل متساوٍ في تغطية الأخبار، وحماية الضحايا وتجنب اللوم، وعدم استخدام لغة مهينة عند تغطية قضايا النوع الاجتماعي، وهو ما تعتبره المرشحة السابقة لمجلس نقابة الصفيين فيولا فهمي "خطوةً شديدةَ الأهمة طالما طالبوا بها منذ سنوات".
تشدد فيولا فهمي لـ المنصة على ضرورة إقرار الكود في ظل انتشار حالة الفوضى في تناول قضايا النساء والنوع الاجتماعي، سواء في الصحف أو المنصات الرقمية، وما حملته التغطيات من مخالفات على مستوى استخدام اللغة غير المنضبطة مهنيًا وإنسانيًا وإعادة إنتاج صور نمطية للنساء.
يشير مفهوم الجندر إلى الأدوار والمسؤوليات والهويات التي تتشكل اجتماعيًا للنساء والرجال، وكيفية تقييمها والتفاعل معها في المجتمع. وتحدد الهويات الجنسانية كيف ينبغي للنساء والرجال التفكير والتصرف، وهنا يبرز الخلاف المهني عند امتداد التعريف ليشمل الهوية الجنسية؛ التي تتعلق بتعريف الفرد لنفسه، وحريته المطلقة في ممارساته الجسدية وعلاقاته، سواء كانت غيرية أو مثلية.
تضرب فيولا مثلًا على ذلك بأنه لا يجوز استخدام الصحف مصطلحاتٍ كــالشواذ بدلًا من المثليين على صفحاتها أو منصاتها أو "الزوج قتل زوجته لشكه في سلوكها أو ليغسل عاره"، ويجب استخدام لغةٍ حقوقيةٍ تحترم كرامةَ البشر، دون إسقاط مواقفهم الشخصية أو الأخلاقية على المعالجة الصحفية.
انهيار "الحصون"
في مقابل الرؤية الداعمة للتوسع في قضايا النوع في ميثاق العمل الصحفي، تشكلت جبهةُ رفض اعتبرت تضمين الجندر وقضاياه إقحامًا، بل ورأى بعضهم في ذلك هدمًا لقيم الأسرة والشريعة.
وأصدرت مبادرة "الوعي النقابي" بيانًا رفضت فيه مشروع الميثاق، وانتقدت إقحام كود النوع الاجتماعي/الجندر لأول مرة، بما "يشي بأن الهدف الأساسي من التعديلات اختراق نوعي لتقاليد المجتمع من بوابة أعرق حصون الدفاع عن الحريات والقيم المصرية، بمفهوم غامض لدي المجتمع، وكذلك لدى كثير من الصحفيين أنفسهم".
البند الأول من كود الجندر ينص على أن تتم التغطية الإخبارية بشكل متساوٍ للجميع في الأخبار بغض النظر عن النوع الاجتماعي أو الدين أو الجنس
ويبرر أبو السعود محمد، عضو مجلس نقابة الصحفيين الأسبق ومؤسس مبادرة "الوعي النقابي"، رفضه طرح باب جديد كالنوع الاجتماعي في مشروع الميثاق الجديد بأن ذلك جاء دون تمهيد للصحفيين وتعريفهم بمعناه.
"في زملاء عندهم تحفظات دينية وأخلاقية على المصطلح، وشايفين إنه خارج عن قيمنا المجتمعية والثقافية، وفي ظني باب المخاوف كان نتيجة طبيعية لغلق نوافذ النقاش والحلقات النقاشية التي كان ينبغي على المجلس فتحها مع أعضاء الجمعية حول هذا الباب الجديد، قبل فرضها على مشروع الميثاق مباشرة"، يقول أبو السعود لـ المنصة.
ويعبر مؤسس مبادرة الوعي عن مخاوفه من أن تصبح النقابة، وفق رؤيته الشخصية، "واحدةً من المدافعين عن أفكار واتجاهات تدعم حقوق مجتمع الميم"، لافتًا أيضًا لعدم منطقية بعض بنود الكود، من بينها البند رقم 1 الذي ينص على "أن تتم التغطية الإخبارية بشكل متساوٍ للجميع في الأخبار بغض النظر عن النوع الاجتماعي أو الدين أو الجنس".
يتساءل العضو السابق "كيف يفرض على الصحفي الاستعانة بمصادر متساوية من الرجال والنساء في كتابة التحقيق الصحفي، لأن كلنا كصحفيين عارفين إن كل موضوع بيفرض مصادر بعينها، سواء نساء أو رجال أو كليهما معًا، لكن كيف نحقق مبدأ التوازن دائمًا، هي مش كوتة".
لماذا حذف الجندر؟
"هدفنا وقف الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في مصر من التغطيات الإعلامية والصحفية، لأن أحد أهداف المهنة الدفاع عن الفئات الأضعف، وهي مهنة طول الوقت تلتزم بالشرف، لذا الموضوع بعيد تمامًا عن كل التصورات الشيطانية لمفهوم مصطلح الجندر"؛ تدافع إيمان عوف مقررة لجنة المرأة بنقابة الصحفيين، رافضةَ الاتهامات التي طالت الميثاق الجديد، ومخالفة فصل الجندر لقيم الأسرة المصرية، أو أنها كلمة غربية قد تنضوي على ما يخالف الشريعة الإسلامية.
تشدد إيمان على أن كلَّ ذلك "كلامٌ خاطئٌ بنسبة 100%، وغير دقيق وفي غير محله"، مؤكدةً لـ المنصة متابعتها بعض الأصوات المستاءة أيضًا، التي فسرت كود الجندر بأنه تغليبٌ لمصالح وقضايا النساء على الأكواد المهنية والتغطية الصحفية، و"هذا غير صحيح والمجلس يحترم الجمعية العمومية ومنفتح على كافة الآراء".
حسب إيمان، ظهرت الحاجة إلى إدراج كود الجندر بسبب تصاعد معدل الانتهاكات التي شهدتها التغطيات الصحفية في الفترة الأخيرة فيما يتعلق بقضايا النساء، التي تلفت إلى التغطيات غير المهنية "التي تتضمن انتهاكًا واضحًا وصريحًا لحقوق النساء، تحمل إلقاء اتهامات وخوضًا في شرفهن وأعراضهن بشكل مؤسف".
وتفسر مقررة لجنة المرأة بنقابة الصحفيين حذف مصطلح "الجندر" من باب النوع الاجتماعي في المسودة الثانية من مشروع الميثاق بأنه من أجل إزالة سوء الفهم واللغط المثار حول المسودة الأولى، التي اعترض عليها عدد من أعضاء الجمعية العمومية.
"لاحظنا في اجتماعنا يوم 8 أبريل الماضي حالة من سوء الفهم الكبيرة لاستخدام كلمة جندر أو نوع اجتماعي، وفوجئنا بحالة تخوف كبير من جانبهم بالمفهوم الواسع للجندر وخاصة ما يتعلق بالهوية الجنسية والميول الجنسية لهذا عدلنا المصطلح، وقلت عايزين تسموه كود عدم تمييز أو كود المساواة، مفيش مشكلة، أنا يهمني البنود اللي داخل هذا العنوان، وبالفعل البنود الموجودة كما هي دون تغيير، تقول إيمان.
مع ذلك لم يرضْ أبو السعود عن النسخة الأخيرة من الميثاق، بل واعتبرها مخيبةً للآمال ورأى أن التعديلات لم تسفر عن جديد، فهي بمثابة تغيير صوري، لا يعكس ما تم الاتفاق عليه في جلسة للصحفيين مع مجلس النقابة، لافتًا إلى أن استبدال مصطلح "الجندر" بلفظ "المساواة" لم يصاحبه أي تغيير فعلي في الفلسفة الحاكمة للنصوص، حيث تم الإبقاء على ذات المضامين والمعايير، بما يعكس استمرار المفهوم ذاته بصورة غير معلنة، كصياغة لغوية لا تمس الجوهر.
"تجذير" ثقافة النوع
حتى لو تغير عنوان هذا الكود من الجندر إلى المساواة ومنع التمييز، فإن نيفين عبيد المديرة التنفيذية لمؤسسة المرأة الجديدة تثمن تخصيص باب للنوع الاجتماعي في الميثاق الصحفي وتعتبرها خطوة إيجابية.
تُرجع نيفين في تصريحها لـ المنصة المخاوف من مصطلح الجندر إلى "الجهل بمعناه، فالبعض يفسر الجندر بأنه الجنس، والثاني الدولة نفسها مش عايزة تتكلم عن الجندر، وبتفضل تستخدم النوع الاجتماعي، وبتخاف زي الصحفيين، وإشكالية المساس بأشياء غير مرغوبة اجتماعيا كما ذكروا!".
بينما تؤكد فيولا فهمي على أن تفعيل كود الجندر يحتاج لما هو أبعد من مجرد إقرار الميثاق، فيجب أن تكون غرف الأخبار متوازنة جندريًا، سواء على مستوى توزيع المهام والمسؤوليات التحريرية أو تطبيق تكافؤ الفرص والترقي بين الجنسين.
ووفقًا لنتائج تقرير المشروع العالمي لمراقبة وسائل الإعلام (GMMP) لعام 2025، تمثل النساء 26% فقط من الأشخاص الذين يتم الحديث عنهم، أو سماعهم، أو رؤيتهم كمصادر في الأخبار (المطبوعة، الإذاعة، والتلفزيون)، ولم تزد نسبة ظهور النساء في الأخبار سوى 9% فقط على مدار ثلاثة عقود منذ إعلان بكين 1995.
وتنوه فيولا بأهمية دور النقابة في متابعة مدى التزام غرف الأخبار بالأكواد، وتشير إيمان عوف إلى أن المؤسسات تبدي استجابةً وهو ما حدث في ثلاث وقائع، بمجرد مناشدة النقيب خالد البلشي على حسابه الرسمي بفيسبوك، الصحفيين، وهي واقعة الطفل "س" والطفلة ضحية التنمر والاعتداء على شاب وإجباره على ارتداء ملابس نسائية، وهو ما مثّل التزامًا بما تطلقه النقابة من أكواد.
رغم أن تصاعد الجدل حول "الجندر" قد يكون تسبب في تأجيل إقرار الميثاق واللائحة، لكنه من جانب آخر منح فرصةً أكبر للحوار ومحاولة فهم قضايا النوع ومدرى ارتباطها العضوي بالعمل الصحفي، وهو ما تؤكد عليه نيفين عبيد، معتبرة أن الحوار هو الحل والنقاشات المستمرة حول هذه القضايا تعبر عن مناخ إيجابي تشيد به بدورها إيمان عوف، لكونه "يدفع بقوةٍ لمزيد من الفهم الصحيح للمصطلح بعيدًا عن التشوية المتعمد الذي يحدث الآن"، متمنية أن تساهم هذه النقاشات في الوصول لنسخة أخيرة للميثاق مدعومة بالمعرفة وليس بالخوف والتشكيك.
فيما يوصي أبو السعود بتشكيل لجنة من الخبراء والمتخصصين وكبار الصحفيين لإعادة صياغة ميثاق الشرف الصحفي؛ "فلا يُعقل أن اللجنة التي صاغت النسخة الأولى تقوم بتعديل النسخة الثانية، ولا يدار حوار مهني حول الميثاق ليخرج معبرًا عن إرادة حقيقية للجمعية العمومية".

