تصوير محمد الزعتري، أسوشيتد برس
نازحون يفرون من الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان، يجلسون في صندوق شاحنة "بيك آب" على الطريق السريع المؤدي إلى بيروت، في مدينة صيدا الساحلية الجنوبية، الاثنين 2 مارس 2026.

الإغاثة أو التمكين.. ميزانيات محدودة للنساء في أزمنة الحرب

منشور الأربعاء 8 نيسان/أبريل 2026

لا يتوقف صوت ماكينات الخياطة والأعمال اليدوية في غرفِ مبادرة روح بالإسكندرية؛ حيث تحيك العاملات من المصريات واللاجئات فرصًا جديدةً للعيش بدلًا من الانتظار في طوابير المساعدات. لكنَّ ذلك كله بات مهددًا عندما استقبلت مديرة المبادرة ندى فضل رسالةً مقتضبةً تفيد بقرب تقليص الدعم على خلفية تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

"كنا في اجتماعات وتم إبلاغنا بتقليص الدعم بسبب حرب إيران"؛ تقول ندى فضل لـ المنصة، وهي تلتقط مفارقة عدم تأثر تمويل مبادرتها، التي لا تزال قيد الإشهار كمؤسسة تدعم اللاجئات وجزءًا من المصريات في المجتمع المضيف، بسبب العدوان على غزة، قدر ما تأثرت بتبعات الحرب الأخيرة.

تعتمد المبادرة بشكل أساسي على دعم من الأمم المتحدة التي تأثر عملها بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخفض معظم التمويل الأمريكي للمساعدات الإنسانية الخارجية، فضلًا عن المعونة الأمريكية (USAID) التي أُلغي أكثر من 80% من برامجها، بما أثر على خريطة الدعم العالمية. 

وبينما تلقي التوترات بظلالها على المبادرات الصغيرة، كشف تقرير حديث لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، عن تعليق 428 منظمة (ما يتجاوز الثلث) لبرامجها المعنية بحقوق المرأة والمجتمع المدني، لا سيما تلك المخصصة لإنهاء العنف ضد النساء والفتيات.

قُلصت أكثر من 40% من هذه البرامج أو أوقفت خدمات إنقاذ الحياة، مثل الملاجئ والمساعدة القانونية والدعم النفسي والاجتماعي والرعاية الصحية، بسبب فجوات التمويل. وأفادت 78% من المنظمات التي شملها الاستطلاع بتراجع فرص حصول الناجيات على الخدمات الأساسية، بينما لاحظت 59% زيادة في الإفلات من العقاب والتطبيع مع العنف.

السياسات الدولية والاستجابة الطارئة

مع دخول الحرب على إيران شهرها الثاني، ترجّح التقديرات -في غياب الأرقام الرسمية- أن ما لا يقل عن 1900 شخص لقوا مصرعهم في القصف العشوائي، بينهم نساء، كما أُصيب 20 ألفًا على الأقل في إيران منذ بدء الهجمات الأميركية الإسرائيلية عليها، واضطر 3.2 مليون إيراني إلى النزوح ومغادرة منازلهم. 

نزوح 20 ألف شخص في السودان منذ يونيو الماضي بسبب الفيضانات، 12 أغسطس 2024

وتفيد التقديرات الأولية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بأن ما بين 600 ألف ومليون أسرة إيرانية اضطرت إلى النزوح المؤقت بسبب النزاع الدائر، وهو رقم يقدر بنحو 3.2 مليون شخص. 

على أثر ذلك، بدأت دفة المنح تتجه لهذه المناطق التي تستقبل موجات نزوح جديدة، خصمًا من التمويلات الموجهة للمبادرات النسوية؛ "النسبة اللي كانت بتوصلنا هتقل لصالح العمل الإغاثي؛ المنظمات شايفة إن فيه موجات لجوء ونزوح جديدة بدأت بالفعل، زي اللي بيحصل مع الأفغان في إيران، وده معناه إن الفلوس اللي كانت بتدعم تمكين الستات هنا، هتروح لخيام وأكل هناك"، تقول ندى فضل.

توضح مديرة مبادرة روح أن السياسات الدولية تعتمد في الحروب على ما يسمى الاستجابة الطارئة، وهي آلية تحول مسار الأموال في لحظات من التنمية المستدامة إلى العمل الإغاثي الذي يهتم في المقام الأول بالحفاظ على حياة الإنسان؛ وهو ما يسبب مشكلة على الجانب الآخر للمبادرات الداعمة للفئات المهمشة والمستضعفة، مثل النساء واللاجئات.

هذا ما تؤكد عليه مي صالح، مديرة برنامج النساء والعمل والحقوق الاقتصادية بمؤسسة المرأة الجديدة، لـ المنصة فالاهتمام بتمكين النساء ودعمهن غالبًا ما يتراجع في أوقات الحروب "لأن النزوح واللجوء والإغاثة بتبقى هي الأولوية في التمويل بدل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وده بيرجع ملفات ومكتسبات للحركة النسوية للخلف".

"المشكلة إننا لسه في مرحلة التجهيز يعني التمويل لسه منقطعش رسميًا، بس الخطط كلها بتقول إنه هيتقطع أو يقل، وساعتها مش هنلاقي جهات بديلة، ببساطة لو عندي 10 جهات بتدعمنا، العشرة هيوجهوا دعمهم لمنطقة النزاع الجديدة، مش واحدة ولا اتنين بس"، تقول ندى فضل التي لا تخفي مخاوفها من خذلان مئات الأسر  التي تعتمد على المبادرة؛ "السنة اللي فاتت لما ترامب وقف المعونة، أنا كنت بخدم 6000 ست، دلوقتي بقوا 3000 بس، وخايفة الرقم ينزل لأقل من النص بعد ما عرفنا بتقليص الدعم، بقت كل اجتماعاتنا دلوقتي عبارة عن سؤال واحد ملوش إجابة واضحة: هنتعامل ازاي مع المرحلة الجاية".

غزة وتحويل التمويل

موجة نزوح جديدة من شرق رفح إلى وسط غزة، 6 مايو 2024

اتخذت مؤسسة قضايا المرأة المصرية موقفًا رافضًا لحرب الإبادة على غزة، فكان عليها أن تدفع ثمنه، حيث أوقف تمويل مشروع مناهضة الاتجار بالنساء، الذي تنفّذه، كنوع من العقاب لرئيسة مجلس أمناء المؤسسة عزة سليمان التي وقعت على بيان يدعو لوقف الحرب ومقاطعة البضائع الإسرائيلية وقطع العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب.

القطع العقابي للتمويلات أو تقليصها بات ممارسة متكررة؛ ففي وقت قطع التمويل عن مؤسسة قضايا المرأة أعلنت السفارة الألمانية بالقاهرة في بيان مقتضب أن أحد معاييرها للتمويل الحكومي هو أن تكون المنظمات غير متحالفة مع حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) أو تدعو بأي شكل من الأشكال إلى مقاطعة الكيان الصهيوني، مشيرة إلى أن عوامل مثل معاداة السامية ليست معيارًا لهذه القرارات. 

تلقت مؤسسة قضايا المرأة، وهي مؤسسة غير ربحية معنية بقضايا النساء في مصر، رسائل عدة من السفارة الألمانية في القاهرة، تفيد بتوقفها عن دعم أحد مشروعات المؤسسة وتمويله، والذي كان يدور حول مناهضة الإتجار بالنساء. أرجعت السفارة السبب إلى موقف المؤسسة من غزة.

"إحنا من أول المؤسسات اللي اتعاقبت على موقفها تجاه غزة"، تقول عزة سليمان لـ المنصة موضحة أن تقليص التمويل لم يبدأ كإجراء تقني لتوفير مخصصات الإغاثة، بل جاء كعقاب سياسي مباشر على موقف المؤسسة من أحداث غزة، ليتحول الموقف السياسي إلى أزمة تمويل ممتدة على مدار سنوات. 

وتضيف "إحنا كجمعيات أهلية بنعاني من تقليص الدعم وإلغاء المشاريع بسبب التوترات الدولية، وبنعاني في الحصول على الموافقات محليًا ومفيش حد بيوضح سبب عدم الحصول عليها، ودي كارثة لوحدها".

الأزمة تتفاقم بسبب الانخفاض الكبير في حجم التمويل في ظل وجود أزمات إنسانية حادة

تشير عزة سليمان إلى أن تراجع الدعم المقدم للجمعيات بدأ قبل الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وتربطه بصعود اليمين المتطرف في الدول الأوروبية، موضحة أن الأزمة تتفاقم في ظل وجود أزمات إنسانية حادة في دول مثل لبنان وسوريا واليمن والسودان، ما أدى إلى توجيه الموارد نحوها، وهو ما يضطر الجمعيات إلى تقليل الخدمات المقدمة؛ "التحدي الأكبر أحيانًا يكون في الحفاظ على فريق العمل نفسه، إحنا بنبني كوادر على مدار سنين طويلة، وفجأة ممكن نلاقي نفسنا مش قادرين ندفع لهم رواتب".

تأثير توقف المعونة الأمريكية

في فبراير/شباط 2025، كانت الكثير من منظمات العمل المدني على موعدٍ مع ضربة قاصمة جاءت مع إلغاء واشنطن 92% من تمويل البرامج الخارجية للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) التي تبلغ ميزانيتها السنوية 42.8 مليار دولار، أي 42% من المساعدات الإنسانية في العالم؛ مما دفع وكالات الأمم المتحدة إلى العمل دون أموال أمريكية.

كان من المفترض أن يتلقى صندوق الأمم المتحدة للسكان 377 مليون دولار لتوفير الرعاية الصحية الأساسية للأمهات والحماية من العنف وعلاج ضحايا الاغتصاب وغيرها من ضروب الرعاية الأساسية في أكثر من 25 دولة تعاني أزمات، ولكن هذا لم يحدث، ما ترك أثرًا كبيرًا على العمل النسوي في العالم كله.

تأثرت منظمات المجتمع المدني في مصر بشكل مباشر وحاد جراء تقليص تمويل الأمم المتحدة، حيث أدى تراجع الموارد الدولية إلى تجميد العديد من المشروعات التنموية التي كانت تعتمد على الشراكات الأممية، لاسيما في مجالات الرعاية الصحية الأولية وتمكين المرأة.

لم تنجُ حتى المؤسسات الدولية الكبيرة من قطع المعونة، فمنظمات مثل "منظمة الصحة العالمية مبقتش قادرة تقدم خدمات تتعلق بالحقوق الجنسية والإنجابية، وده تأثير مباشر على النساء"، كما تقول مي صالح، موضحةً أن هذه المعونة كانت تغطي أنشطة ومشروعات لدعم وتمكين النساء والمجتمعات المحلية؛ "فيه جهات غير أمريكية كان جزء من التمويل اللي بييجي لها من أمريكا، ولما اتأثر التمويل عندهم قلصوا هم كمان الدعم".

خضعت مؤسسة المرأة الجديدة، التي تنشط بها مي، لتقليص التمويل ما أثر بشكل مباشر على الخدمات التي تقدمها؛ "مش هقدر أقدم استشارات أو دعم نفسي، ومفيش تغطية لقضايا الأحوال الشخصية أو العنف، وبنكتفي بالاستشارات القانونية".

حالة ضبابية

قضايا المرأة والسلم والأمن، تعبيرية

ليس لدى أحد علمٌ بما يخبئه الغد بخصوص التمويلات المخصصة للمجموعات النسوية والمجتمع المدني التي بدأ تقليصها قبل الحرب الحالية من بعدها، وترى نجوى إبراهيم المديرة التنفيذية لمؤسسة إدراك للتنمية والمساواة أن الوضع ضبابي ولا تتوفر أي معلومات عن شكل خريطة التمويل في المرحلة المقبلة.

"فيه 3 برامج حتى الآن كنا مشاركين فيهم أو وصلنا فيها للقائمة القصيرة، يا إما اتقطع التمويل يا إما اتوقفت المنحة كلها لأجل غير مسمى، لأن الدول الغربية، والأوروبية تحديدًا، بدأت تقلص حجم التمويل وتوجهه للدعم العسكري عندها" تقول نجوى لـ المنصة .

وحسب تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة، أدى التحول في التركيز نحو المساعدات الإنسانية إلى تقليص الموارد المتاحة لمنظمات المرأة في مناطق النزاع، إذ لا تتجاوز نسبة المساعدات الإنسانية الموجهة نحو المساواة بين الجنسين 17%، مقارنةً بنسبة 50% في قطاع السلام والأمن. 

تعهّدت دول حلف شمال الأطلسي بزيادة إنفاقها على الدفاع والأمن ليصل إلى 5% من إجمالي ناتجها المحلي بحلول عام 2035، ويتضمن ذلك تخصيص ما لا يقل عن 3.5% للإنفاق العسكري و1.5% لتعزيز الأمن العام، بما يشمل حماية المنشآت الحيوية والشبكات. كما جدّدت الدول الأعضاء التزامها القوي بمبدأ الدفاع المشترك، في ظل شكوك أُثيرت سابقًا حول موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من هذا الالتزام.

حلول التكيف: التشبيك والشراكات

في عام 2024، اعتمدت لجنة المساعدة الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توصية بزيادة التمويل المخصص لحقوق المرأة المحلية والمنظمات التي تقودها النساء، والحركات النسوية، وصناديق دعم المرأة، والشركاء الحكوميين لتعزيز المساواة بين الجنسين.

غير أن ذلك لم يجد صدى على أرض الواقع، وهو ما دفع ممثلي مؤسسات المجتمع المدني إلى ابتكار حلول تمكنهم من الاستمرار في تقديم خدماتهم؛ "بقينا بنعمل فعاليات بالشراكة والتشبيك عشان نتحمل التكلفة سوا، والحملات بنعملها مع بعض بحيث كل مكان يوفر التيم بتاعه بدل ما نجيب ديزاينر وكاتب محتوى لينا بس، وبنعتمد على الموجودين داخل مؤسسات أخرى"، تقول المديرة التنفيذية لمؤسسة إدراك.

ندوة بعنوان "العدالة والنساء في ظل التحديات الاقصادية والقانونية" نظمتها مؤسسة قضايا المرأة المصرية، 21 مارس 2025

وتضيف "بندخل أكتر من مبادرة ومؤسسة في حملة واحدة عشان نوسع التأثير ونقلل التكلفة، والفعاليات بتكون بالشراكة بيننا، وفيه أنشطة قليلة التكلفة زي الويبنارز والفعاليات الأونلاين وإصدار أوراق بحثية مشتركة، وبنبحث إن يكون فيه نظام إحالة بيننا، يعني كل مؤسسة تتحمل 5 أو 10 حالات، ونستغل الموارد المتاحة عندنا كمؤسسات لتخطي الوضع الاقتصادي اللي بنمر بيه".

تؤكد نجوى إبراهيم أنه لا يمكن الاعتماد على التمويل المحلي لأنه محدود رغم أهميته،؛ "كمان بعض الجهات تفضل الدعم المادي، بيشوفوا إن شراء جهاز طبي أنسب ليهم يحطوه في تقاريرهم ويقلل عليهم الضرايب، لأنهم بيعتمدوا على المسؤولية الاجتماعية للإعفاء الضريبي، وبيكون تقبلهم أقل للإنفاق على التوعية أو التمكين"، مطالبة بحوار مجتمعي "عشان يفهموا حجم الخدمات اللي بتقدمها المؤسسات والمبادرات النسوية بعيدًا عن الدعم الاقتصادي والخيري".

بدورها تلفت عزة سليمان إلى أن البديل المحلي يعاني بدوره في ظل الأزمة الاقتصادية؛ "الناس اللي كانت بتتبرع قبل كده حتى بجنيه، دلوقتي ممكن متقدرش تلتزم بيه"، في حين أن الدعم من رجال الأعمال أو القطاع الخاص يكاد يكون غائبًا.

ومع استمرار النزاعات وغياب الآفاق القريبة للحل، وجدت المنظمات الدولية الكبرى نفسها أمام معادلة صعبة؛ حيث تفرض الأزمات الطارئة إعادة توجيه التمويل نحو الاستجابات العاجلة. هكذا، تراجعت الأولوية لتمويل مشروعات مستقرة كـ مشاغل الخياطة في الإسكندرية، لصالح عمليات إنقاذ الأرواح الملحّة على حدود النزاعات المشتعلة. إنها اللحظة التي تضطر فيها ميزانيات التنمية والتمكين للتحول إلى إغاثة عاجلة، لتظل آمال المجتمعات المحلية معلقة بين استقرار مفقود وواقع إنساني يفرض أولوياته القاسية.