تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
وجدت دول الخليج نفسها فجأة في قلب الحرب

"اللحظة الخليجية" لتكريس "السيادة الإسرائيلية"

منشور الاثنين 9 آذار/مارس 2026

قبل شهرين من توقيع اتفاقيات اتفاقيات أبراهام بين دولة الاحتلال الإسرائيلي ودولٍ عربية برعاية أمريكية، دعا الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله في مقال نشرته جريدة الشروق عام 2020 وأثار جدلًا واسعًا آنذاك، الدولَ العربيةَ للاعتراف بأن "دول الخليج العربي هي وحدها المؤهلة لقيادة الأمة المنهكة"، على اعتبار أن الراية والقيادة انتقلتا إلى الخليج "طوعًا ومهرولة"، وستبقيان كذلك حتى إشعار آخر، لتحقيق مشروع حضاري ونهضوي وتنموي عربي طال انتظاره.

لم يتردد الأكاديمي الإماراتي، المعروف بقربه من دوائر صنع القرار في أبوظبي، في توجيه نقد لاذع لما وصفه بـ"القيادات الزعامية والأحزاب المؤدلجة" التي رفعت، حسب تعبيره، شعارات "جوفاء" مثل الوحدة العربية وتحرير فلسطين، معتبرًا أن تلك المشاريع انتهت إلى فشلٍ ذريع.

وقبل تقديم مبرراته لقيادة الخليج للعالم العربي، أصدر حكمًا قاطعًا بخروج مصر من المعادلة، قائلًا إن "تجربتها القومية في الستينيات انتهت بهزيمة.. وتوقيعها اتفاقية كامب ديفيد أنهى دورها القيادي.. وأخيرًا انشغلت بأزماتها الداخلية". وفي ظل ما وصفه بـ"انكفاء الكل العربي"، رأى أن الخليج الغني والمستقر نسبيًا هو الطرف العربي الأكثر قدرة على حمل الراية.

غير أن الأحداث التي تلت تلك الدعوة بدت وكأنها تسير في اتجاه مختلف.

الاتفاقات اللامُجدية

فبعد أسابيع قليلة فقط، وقعت الإمارات اتفاق التطبيع مع إسرائيل، رغم أنها ليست من دول الطوق التي خاضت حروبًا مباشرة مع الاحتلال. وبررت أبوظبي الخطوة بأنها جاءت مقابل تعهد إسرائيلي بوقف خطة ضم أجزاء من الضفة الغربية.

لكن التطورات اللاحقة كشفت أن الأمر كان أبعد من مجرد خطوة سياسية تكتيكية تسعى من خلالها أبوظبي إلى تخفيض التصعيد الإسرائيلي ضد الفلسطينيين أو وقف عمليات الاستيلاء على أراضي الضفة وشرعنة الاستيطان.

خلال سنوات قليلة، تحولت العلاقة بين الإمارات وإسرائيل إلى أسرع علاقات التطبيع نموًا في المنطقة

فخلال سنوات قليلة، تحولت العلاقة بين الإمارات وإسرائيل إلى أسرع علاقات التطبيع نموًا في المنطقة. ووفق بيانات اقتصادية إسرائيلية، قفز حجم التبادل التجاري بين البلدين من نحو نصف مليار دولار في السنة الأولى إلى أكثر من ثلاثة مليارات دولار خلال العام الأخير، لتصبح الإمارات الشريك التجاري العربي الأكبر لإسرائيل.

جاء ذلك في وقت ارتكاب إسرائيل جريمة الإبادة الجماعية في غزة، فضلًا عن استمرارها في توسيع الاستيطان والاستيلاء على مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية، وهو ما وضع أبوظبي في مواجهة محرجة مع الرأي العام العربي.

لكنَّ التحول الأخطر لم يكن اقتصاديًا، وإنما استراتيجيٌّ. فخلال السنوات التي أعقبت التطبيع بدأت تتكشف ملامحَ دور إماراتي متزايد في ملفات إقليمية حساسة، من السودان إلى ليبيا والقرن الإفريقي. وصار معلومًا، بحسب شهادات وتحليلات متواترة، أن أبوظبي باتت لاعبًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية بما يتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية لإعادة رسم خريطة المنطقة.

حب من طرف واحد

وخلال فترات التوتر بين الرياض وأبوظبي على خلفية الحرب في اليمن، خرجت أصوات سعودية تتحدث صراحة عن الأدوار الإقليمية المتشابكة للإمارات وعلاقاتها المتنامية مع تل أبيب.

وفي خضم هذه التحولات، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعلن بوضوح ما يريده. فبعد حديثه المتكرر عن "تغيير خرائط المنطقة"، كشف خلال اجتماعه بقيادات جهاز الأمن العام الإسرائيلي الشاباك عن تدشين محور إقليمي جديد لمواجهة ما سماه "المحور الشيعي الجريح"، في إشارة إلى إيران وحلفائها، و"المحور السني الذي يتشكل" قاصدًا مصر والسعودية وتركيا، مستخدما التعبير التوراتي "من الهند إلى كوش" لوصف المجال الجيوسياسي الذي تسعى إسرائيل إلى بناء شبكة تحالفات داخله.

وفي اليوم التالي، وقبل ساعات من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، أضاف نتنياهو خلال اجتماع مع حكومته أن إسرائيل تعمل على تعميق علاقاتها مع الهند ودول عربية ودول إفريقية واليونان وقبرص، إلى جانب تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.

لم يكن من الصعب تخمين الدول العربية التي يُراد ضمها إلى هذا الحلف. لكن المفارقة أن الأكاديمي الإماراتي الذي بشر قبل خمس سنوات بـ"اللحظة الخليجية"، تحدث في اليوم التالي لتصريح نتنياهو عن محور جديد أسماه "محور الاستقرار والاعتدال"، مؤكدًا أن الإمارات ستكون في قلب قيادته، مُتهمًا من يصف بلاده بأنها "دولة وظيفية" أو "مطية ركبتها الصهيونية" أو "حصان طروادة"، بتنفيذ خططٍ لتقسيم الدول العربية.

الموقف الأمريكي من الهجوم الإيراني على أهداف في دول الخليج أحدث صدمة في عواصم تلك الدول

الحرب الأخيرة التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران وضعت هذه الرؤية في اختبارٍ قاسٍ؛ فبعد ساعات من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، بدأت طهران ردها العسكري الواسع، مستهدفة دولة الاحتلال والقواعد والمصالح الأمريكية في دول الخليج.

وهنا وجدت دول الخليج نفسها فجأة في قلب الحرب؛ فالقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة على أراضيها، والتي يفترض أنها وُجدت لحمايتها، تحولت عمليًا إلى أهداف مباشرة للصواريخ والمسيرات الإيرانية.

الموقف الأمريكي من الهجوم الإيراني على أهداف في دول الخليج أحدث صدمة في عواصم تلك الدول. فبحسب تقرير لأسوشيتد برس، أبدى مسؤولون خليجيون حالة من "الإحباط والغضب" تجاه واشنطن بسبب عدم تقديم دعم عسكري كاف لحمايتهم من الهجمات الإيرانية، في الوقت التي تركز فيه العمليات العسكرية الأمريكية بالأساس على الدفاع عن إسرائيل والقوات الأمريكية، بينما تُركت دول الخليج لتدافع عن نفسها.

هذه التطورات سلطت الضوء على حقيقة جيوسياسية طالما جرى تجاهلها؛ فدول الخليج تقع ضمن المدى المباشر للصواريخ الإيرانية، وتضم في الوقت نفسه أكبر تجمع للقواعد العسكرية الأمريكية في العالم؛ بعبارة أخرى، هي الساحة الأكثر هشاشة في أي حرب إقليمية كبرى.

وما يجري الآن، وما جرى من قبل عندما استهدفت إسرائيل العاصمة القطرية الدوحة قبل شهور في محاولة لاغتيال عدد من قيادات حركة حماس، وسبق ذلك وصول صواريخ جماعة الحوثي اليمنية إلى أهداف سعودية وإماراتية، يؤكد أن القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج لا تحمي سوى إسرائيل، الدولة التي تعتبرها واشنطن قاعدة عسكرية متقدمة لها في الشرق الأوسط.

بديل واحد ممكن

دول الخليج التي دعا صاحبنا في بداية المقال إلى قيادتها للعالم العربي، وجدت نفسها اليوم بين شقي رحى؛ فلا هي قادرة على الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران للدفاع عن أراضيها ومؤسساتها النفطية، ولا هي قادرة على الضغط على واشنطن لتسخير قواعدها العسكرية للدفاع عنها، رغم أنها تضخ تريليونات الدولارات في سندات الخزانة الأمريكية وشركات التكنولوجيا والمشروعات العقارية في الولايات المتحدة.

ورغم محاولات جرها للمشاركة في الحرب على إيران، ظهرت أصوات خليجية سياسية مخضرمة تحذر من الانجرار إلى هذا السيناريو. إذ اعتبر رئيس الوزراء القطري الأسبق الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني أن إشعال الحرب يمثل "انزلاقًا واستنزافًا لموارد الطرفين".

القواعد العسكرية الأمريكية التي ضخت فيها دول الخليج تريليونات تحولت إلى عبء

وأضاف بن جاسم "هناك قوى تريد أن تشتبك دول الخليج مباشرة مع إيران، وهي تعلم أن الاشتباك الحالي سينتهي. لكن علينا أن ندرك أنه بعد انتهاء هذه المعركة ستكون هناك قوى جديدة في المنطقة، وسيكون لإسرائيل سطوة على منطقتنا".

وهو موقف يقترب كثيرًا مما طرحه رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق الأمير تركي الفيصل، الذي انتقد في مقابلة مع CNN حرب نتنياهو التي جرَّ إليها الولايات المتحدة ويحاول الآن توسيعها لتوريط الخليج فيها، مُشددًا على أن السعودية يجب ألا تُجر إلى الصراع.

الواقع الذي كشفت عنه الحرب أجاب عمليًا عن سؤال "القيادة" الذي طرحه عبد الخالق عبد الله قبل خمس سنوات، فالقوة الاقتصادية وحدها لا تكفي لبناء نظام إقليمي أو قيادته، كما أن التحالفات الأمنية مع الأعداء لن توفر بطبيعة الحال الحماية، فالقواعد العسكرية الأمريكية التي ضخت فيها دول الخليج تريليونات الدولارات تحولت إلى عبء يجب التخلص منه.

لهذا، ربما يكون الدرس الحقيقي للحرب الجارية أن أمن الشرق الأوسط واستقراره وازدهاره لا يمكن أن يُبنى إلا عبر صيغة تعاون إقليمي حقيقية بين قواه الكبرى.

صيغة تقوم على شراكة بين الدول العربية الرئيسية إلى جانب تركيا وباكستان وإيران –إن خرجت من هذه الجولة دون أن تتفكك– ضمن معادلة توازن ردع جماعي قادرة على مواجهة محاولات إسرائيل فرض هيمنتها على المنطقة.

شراكة تستند إلى التعاون الاقتصادي والأمني، بدل الاستقطاب المذهبي والتحالفات الخارجية. فالتاريخ القريب أثبت أن أي فراغ في النظام الإقليمي العربي سرعان ما تملؤه القوى الخارجية، وعلى رأسها المشروع الإسرائيلي.

ومن هنا، فإن الأموال الخليجية التي تدفقت طوال عقود في شرايين الاقتصاد الأمريكي والغربي بهدف شراء الحماية، يمكن أن تتحول إلى رافعة حقيقية لبناء نظام إقليمي مستقل، يستثمر في تنمية الدول العربية وتحديث جيوشها وأنظمتها التعليمية والصحية، ويقيم شبكة مصالح متبادلة بين شعوب المنطقة.

أما الاستمرار في المسار الحالي، فلن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: أن تتحول "اللحظة الخليجية" التي جرى الحديث عنها قبل خمس سنوات إلى لحظة تاريخية أخرى تتكرس فيها الهيمنة والسيادة الإسرائيلية على الشرق الأوسط.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.