تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
التعاطف الشعبي مع إيران موجه ضد آلة الحرب الأمريكية والإسرائيلية وليس ضد دول الخليج.

الغمز واللمز.. ماذا يريد الخليجيون من مصر؟

منشور الثلاثاء 31 آذار/مارس 2026

في فندق بمنطقة حفر الباطن على الحدود السعودية-الكويتية، وفي أولى مهامي الصحفية خارج مصر لتغطية حرب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي مطلع عام 1991، التقيت مسؤولًا كويتيًّا يدير المركز الإعلامي لبلاده. نقلت له تعاطف الشعب المصري بشهامته المعهودة مع الأشقاء الكويتيين، بالأخص الآلاف منهم ممن كانوا يقضون صيفهم كالمعتاد في العاصمة المصرية وفوجئوا صباح الثاني من أغسطس/آب 1990 بأنهم بلا دولة ولا نظام حكم ولا موارد مالية، مجرد "المحافظة التاسعة عشر" في دولة العراق برئاسة صدام حسين.

في ذلك الزمن البعيد، استضاف مصريون أسرًا كويتيةً في منازلهم، ورفض آخرون تلقي الإيجارات من السائحين، وكان يكفي أن يقول الشخص إنه كويتي ليتلقى التضامن والدعم من شعب يشتهر بكرمه وعاطفته الجياشة.

نظر لي المسؤول الكويتي باستخفاف، وكان رده ثقيلًا، متعجرفًا "اسمعني زين. احنا ما نبغى شي من المصريين. اللي راح يحرر الكويت هما الأمريكان. أنتم موقفكم معانا عشان تبغون فلوس الكويت وإسقاط الديون".

صورة من احتفال لجنود أمريكيين في قاعدة عريفجان العسكرية الأمريكية في الكويت

  

ورغم مساهمة مصر وسوريا بقوات في تحرير الكويت، وإعلان تشكيل دول إعلان دمشق، الذي ضم الدولتين بجانب دول الخليج الستة كتحالف عربي في مواجهة أي أخطار تهدد أمن المنطقة دون تدخل قوات أجنبية، فإن قادة دول الخليج اعتمدوا على حماية القوات الأمريكية فقط واستضافوها في قواعد دائمة على أراضيها.

ماذا يريدون من مصر؟ 

تذكرت الحوار الذي دار مع المسؤول الكويتي قبل 35 عامًا بينما أتابع السجال بشأن موقف مصر من حرب أمريكا وإسرائيل ضد إيران، والغمز واللمز من بعض المعلقين المشهورين، خصوصًا من الإمارات والكويت، حول تقصير مصر في دعمهم ضد إيران التي تمطر سماء دول الخليج بالصواريخ والمسيرات، رغم ما قدمته تلك الدول من دعمٍ لمصر على مدى العقود الماضية، فضلًا على عمل ملايين المصريين الذي يعد مصدرًا مهمًا للدخل يفوق عائدات قناة السويس والسياحة.

وجدت صعوبةً في فهم المطلوب من مصر في الحرب التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقرار منفرد مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فمن يقرأ بعض التعليقات الخليجية يتصور أن المتوقع من مصر فور بدء الحرب أن تعلن استعدادها لإرسال قواتها إلى دول الخليج من أجل الدفاع عنها في مواجهة الصواريخ الإيرانية في وقت لم تتخذ هذه الدول نفسها حتى الآن قرارًا بخوض الحرب بشكل مباشر.

هذا القرار المؤجل حتى الآن، رغم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية العلنية، يُحسب لهم، ويعكس إدراكًا للواقع المعقد. فأمريكا وإسرائيل تستطيعان القيام بما تشاءان من مغامرات عسكرية وقصف واسع للأهداف الإيرانية، لتعودا بعدها من حيث أتيتا، بينما دول الخليج ستبقى دائمًا مجاورة لإيران، فحقائق الجغرافيا لن تتغير.

وسواء اتبعت إيران نهج الثورة الإسلامية، أو عاد نظامها الملكي أو سادتها الفوضى والحروب الأهلية، ستبقى قوة مؤثرة على دول الخليج وأمنها واستقرارها بحكم الجوار. وإذا قررت دول الخليج التورط بشكل مباشر في الحرب ضد إيران ذات التاريخ العريق التي تشعر دائمًا بالعظمة، فإنها تخاطر بثأر لن ينساه الإيرانيون.

حرب من؟

الأهم والأكثر واقعية هو سؤال ماذا يمكن لمصر تقديمه إذا طلب منها قادة دول الخليج المشاركة بالحرب؟ في ظل القصف الأمريكي الإسرائيلي المتواصل منذ شهر، تقول أمريكا إنها ضربت نحو 11 ألف هدف داخل إيران منذ بدء الحرب، وشنت إسرائيل ما يزيد عن أربعة آلاف ضربة باستخدام أحدث الأسلحة. ولو قررت دول الخليج خوض الحرب بنفسها بما لديها من جيوش صغيرة الحجم، فما الذي ستضيفه لهذا الكم من التدمير والقصف؟ القرار الخليجي واضح، وهو الاعتماد على الجهد العسكري الأمريكي فقط.

هذا هو ما يتضح من التغريدات المتلاحقة لضاحي خلفان المقرب من حكومة الإمارات، الذي قال صراحة: "أثبتت هذه الحرب أن الدول الغربية هي الدول الصديقة.. وأن من نسميهم بالشقيقة.. منشقة عنا في الواقع.. إلا الدول الملكية التي تنسجم معنا وتشعر بمشاعرنا"، وأضاف "‏سلاحنا لا نشتريه من الدول العربية.. حاجتنا الضرورية ليست عند من يطلقون على أنفسهم عربًا.. حاجتنا لدى الأمم المتحضرة التي تملك حاجات العصر الحديث". واختتم بالنصيحة التالية "أهل الخليج العربي.. وثقوا التعاون مع إسرائيل.. نصيحة.. لا خير في دول المنطقة البتة".

لا مجال للحديث عن غياب تنسيق المواقف الرسمية بين مصر وقادة دول الخليج

مع دخول الحرب شهرها الثاني، تتوارد التقارير في الصحف الأمريكية ووكالات الأنباء العالمية مؤكدةً أن إسرائيل ليست وحدها مَن يضغط على ترامب لمواصلة الحرب حتى إنهاك النظام الإيراني وإسقاطه، بل إن قادة دول الخليج، تحديدًا في السعودية والإمارات، يدفعون بقوة نحو تحقيق الهدف ذاته، إذ يرون أن إنهاء الحرب فجأة سيترك دولهم عرضةً بشكل دائم لتهديد الصواريخ والمسيرات الإيرانية بعد أن أثبتوا أنهم لن يترددوا في استخدامها.

بدورهم، يدرك الإيرانيون جيدًا أنه ليس في استطاعتهم هزيمة أمريكا وإسرائيل عسكريًا، لكن يمكنهم إجبار أمريكا تحديدًا على وقف الحرب في حال اشتعلت منطقة الخليج النفطية برمتها واستهدفت القواعد الأمريكية المنتشرة بها وانهارت الأسواق العالمية على أثر ذلك. أما إسرائيل فلا يعنيها بقاء منطقة الخليج مشتعلة، أو أن تعم إيران الفوضى والحروب الأهلية في حالة سقوط النظام طالما يضمن لها ذلك الخروج منتصرة من الحرب ومهيمنة على المنطقة لعقود مقبلة.

في ظل هذا الموقف المعقد، لا يمكن القول إن مصر الرسمية تقاعست عن إبداء الدعم المطلوب لدول الخليج. ولو اشتكى أستاذ العلوم السياسية الإماراتي، عبد الخالق عبد الله، في تغريدة له، من عدم قيام أي وزير دفاع عربي بزيارة بلاده بينما استقبلت أبوظبي وزيرة الدفاع الفرنسية، يبدو أنه لا يدرك تراتبية صنع القرار في مصر، وأن رئيس الدولة الذي زار الإمارات وقطر والبحرين والسعودية الأسبوع الماضي وسط أجواء الحرب هو القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية الذي يصدر الأوامر لوزير الدفاع.

بالتالي لا مجال للحديث عن غياب تنسيق المواقف الرسمية بين مصر وقادة دول الخليج، أو حتى تصور أن ما تبذله مصر مؤخرًا من جهود دبلوماسية مكثفة بالتنسيق مع تركيا وباكستان يتم دون اطلاع من قادة دول الخليج، تحديدًا السعودية والإمارات وقطر.

غالبًا ما يُغضب المعلقين الخليجيين هو الموقف الشعبي المصري أكثر من الموقف الرسمي، الذي يُبدي ميلًا لدعم إيران، متجاهلين أنه دعم لوقوفها في وجه أمريكا وإسرائيل، وليس للهجمات التي تشنها ضد دول الخليج التي يعيش فيها ملايين المصريين. طبيعي أن تميل مشاعر غالبية المصريين للوقوف إلى جانب أي طرف يُلحق الأذى بحكومة نتنياهو المتطرفة ويكبح جماحها وخططها التوسعية، بالأخص بعد حرب الإبادة الإسرائيلية الدموية ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

الأولوية والأمل هما انتهاء هذه الحرب التي تؤذي الجميع، على رأسهم الأشقاء في دول الخليج، كما تؤذينا نحن في مصر حكومةً وشعبًا، ولا يستفيد منها سوى مجرم الحرب بنيامين نتنياهو. وإذا كان الرئيس الأمريكي ترامب يهوى الوجبات السريعة والانتصارات السريعة، فإن تاريخ هذه المنطقة يؤكد أن لا شيء يحدث سريعًا، وستبقى هناك حاجة دائمة لاستمرار التنسيق والدعم بين مصر وأشقائها في دول الخليج بما يحقق مصالحنا المشتركة أولًا، التي لا تتضمن حماية مصالح العدو الإسرائيلي.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.