تصميم: أحمد بلال - المنصة

بعد حكم "الدستورية".. المشكلة ليست في الجداول

منشور الأحد 22 شباط/فبراير 2026

ليست غريبةً نتائجُ ما يُسمى "الحرب على المخدرات"؛ إذ أخفقت بكل ما اتخذته من عقوباتٍ وحبسٍ وقتلٍ ومنعٍ ووصمٍ في إنتاج الحدّ الأدنى من الأمان الاجتماعي. على العكس، فتحت الباب أمام مزيدٍ من الصلاحيات للأجهزة الأمنية، وأطلقت سباقًا لابتكار طرقٍ جديدةٍ للتحايل على الرقابة، كما وفّرت غطاءً لتبرير العنف والحبس بحقّ المتعاطين.

يجب أن نتذكّر فشلَ هذه الحرب بعدما أصدرت المحكمة الدستورية العليا، يوم الاثنين الماضي، حكمًا بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية بتعديل جداول المخدرات، حتى لا نلقي اللوم على المواد التي يتم تعاطيها ذاتها، فنحمّلها كامل المسؤولية، ونغضّ الطرف عن الجذور التي تُنتج ما هو أشدّ كارثية: الكبت والعنف والاغتراب والأنانية والتفكك الاجتماعي والانتحار.

لماذا ندمن؟

مثالٌ من تجربتي الشخصية مع التعاطي، وكمدمنٍ سابق، كانت مادة الأبتريل موصومةً بالعنف، كأنّ من يتناولها تراوده أفكارٌ شيطانية عن الرغبة في العنف والإيذاء. غير أنّها كانت تجعلني أكثر حساسيةً وخضوعًا. ومن خلال تجربتي وتجارب أخرى سمعتها من مدمنين، تأكّدت أنّ المواد ليست المتهمة الأولى والوحيدة في الظواهر المرتبطة بها. فلا بدّ من وجود استعدادٍ ما، وظروفٍ ما، لظهور هذا العنف وتمكّنه من الشخص.

لقد حان الوقت لأن نسأل عن الذات المتعاطية نفسها اليوم: لماذا يتعاطى الناس بعنف، حتى الموت؟ ولماذا ازداد الإقبال على مواد كانت موصومةً لدى معظم المتعاطين في السابق؟

تشير الدراسات والبيانات إلى أنّ التجريم والإجراءات الأمنية المشدّدة لا يغيّران الوضع القائم تغييرًا جذريًا

هذه هي الأسئلة الأهم في لحظتنا الراهنة، فاختفاء "أصحاب الكيف" مقابل ما نراه اليوم من "أمواتٍ أحياء" ليس سببه الأكبر انتشار مخدراتٍ بعينها، لكن بنية اجتماعية تُنتج ذواتًا معرّضةً للخطر، ويتجلّى هذا الخطر في جوانب الحياة المختلفة، لا في التعاطي وحده، بل كذلك في العلاقات العاطفية والأخلاقيات وغيرها.

ثنائية "أصحاب الكيف" مقابل "الأموات الأحياء" تعبّر رمزيًا عن ذاتٍ متعاطيةٍ تمتلك حدودًا تمكّنها من الاستمتاع، وتميّز بين مواد مباحة وأخرى محظورة، في مقابل ذاتٍ لا تعرف الحدود، لا تبحث عن المتعة فحسب، لكن عن التلاشي والاختفاء.

ماذا يمكن أن نتخيّل عن هذه الذات؟ وعن الظروف الموضوعية التي شكّلتها؟ هنا يكمن البحث الأساسي عن حلّ مشكلة الإدمان: لا عبر يوتوبيا مجتمعٍ خالٍ من المخدرات، ولا من خلال شنّ حربٍ على المتعاطين. فأكثر ما يبدو بديهيًا في الإدمان أنّنا نستمر في التعاطي رغم وعينا بالعقوبات، ورغم وجود الرقابة. وتشير الدراسات والبيانات إلى أنّ التجريم والإجراءات الأمنية المشدّدة لا يغيّران الوضع القائم تغييرًا جذريًا، وإن كانا قد يزدانه سوءًا، ويسهمان في انتشار الأمراض المنقولة بين المدمنين، وفي الغشّ بالمواد بما يفضي إلى الوفاة.

في عالم الإدمان والمدمنين لا يهمّ ما إذا كان المخدّر مُدرجًا في الجدول الأول أو الثاني، ولا حتى إن كان مباحًا؛ المهمّ هو ما إذا كانت الذات تريد التلاشي والاختفاء، وهل يحقق لها المخدّر هذا أم لا.

الذات المدمنة

يوسّع مؤرخ الإدمان الأمريكي ديفيد كوترايت في كتابه The Age of Addiction إطار النظر إلى الإدمان ليُدخل فاعلًا مهمًا هو السوق. يصوغ كورترايت مفهوم الرأسمالية الحوفية/limbic capitalism ليشير إلى نمطٍ من الرأسمالية يستثمر في الجهاز الحوفي في الدماغ، أي في دوائر المكافأة والرغبة والدوافع عبر تصميم سلعٍ وخدماتٍ تُعظّم قابلية التكرار والاعتماد النفسي والجسدي. ولا يتعلّق الأمر بالمخدرات غير المشروعة فحسب، بل بطيفٍ واسعٍ من السلع القانونية من التبغ والكحول إلى الوجبات السريعة، ومن المقامرة إلى المنصّات والتطبيقات الرقمية.

يصبح البحث في الإدمان تبعًا لذلك بحثًا في البنية السياسية - الاقتصادية التي تستغل الرغبات وتستثمر فيها

تتشكّل "الذات المدمنة" اليوم داخل بيئةٍ اقتصاديةٍ تُنتج عمدًا سلعًا مُحسّنة إدمانيًا يعمل عليها علماء الأعصاب، وتطوّر تقنيات تسويقٍ وضبطٍ سلوكيّ تجعل الاستهلاك أكثر كثافةً واستمراريةً. فالشركات الخاصة لا تنتظر "ذاتًا راغبة في التلاشي" كي تعرض عليها ما يلبّي رغبتها، بل تسهم في صوغ هذه الرغبة وتوجيهها، عبر هندسة المتعة وتسريع إيقاعها وفصلها عن أيّ حدودٍ رمزية أو اجتماعية.

يصبح البحث في الإدمان، تبعًا لذلك، بحثًا في البنية السياسية - الاقتصادية التي تستغل الرغبات وتستثمر فيها، وتتجاهل تمامًا صحة البشر ومجتمعاتهم. وإذا كانت بعض الذوات تميل إلى الاختفاء والتخلّص من عبء الحياة، فإنّ هناك منظومةً كاملةً تعرض عليها أدوات الاختفاء، وتراكم الأرباح من هشاشتها واعتماديتها. ويتّضح أنّ "الحرب على المخدرات"، حين تختزل المشكلة في المادة أو في المتعاطي، فإنّها تغفل عمّن يُنتج الشروط ذاتها التي يتغذّى منها الإدمان، خصوصًا في الأجيال الجديدة.

ففي عصر الإدمان، وفي مصر على وجه التحديد، يعيش الفرد تناقضًا شديدًا بين الرغبة والحرمان، يظهر في نزعاتٍ تدميرية موجّهة إلى الذات والخارج.

التجربة الصينية

هناك نموذجٌ تاريخي يستعمله المؤرخون والباحثون في الإدمان فيما يتعلّق بالقضاء على الإدمان: الصين خلال حكم ماو تسي تونغ، إذ كان شعبها يعاني من إدمان الأفيون بعد حرب الأفيون الشهيرة المدمّرة للمجتمع الصيني. في أعقاب انتصار الثورة الشيوعية عام 1949 بقيادة ماو تسي تونغ، أطلقت الدولة الصينية حملةً وطنيةً شاملةً لمكافحة الأفيون والمخدرات، تعاملت فيها مع الإدمان بوصفه مسألةً سياسية واجتماعية، ردًا على التفكك الاجتماعي في الصين وقتها، لا مجرد مشكلة فردية أو طبية أو قانونية.

نجاح حملة القضاء على الإدمان كان نتيجة الردع الجنائي والقانوني بالإضافة إلى إصلاحات اجتماعية أوسع

تشير تقديرات تاريخية إلى أنّ عدد مدمني الأفيون قبيل عام 1949 تراوح بين 10 و20 مليون شخص، أي ما يقارب 4 إلى 5% من السكان آنذاك. وخلال الأعوام 1950-1953 نُفِّذت حملة واسعة تضمنت اقتلاع زراعة الخشخاش واستبدال محاصيل غذائية بها، وإغلاق أوكار التدخين، واعتقال عشرات الآلاف من التجار، وإعدام عدد من كبار الموزعين، إضافةً إلى إخضاع المدمنين لبرامج "إعادة تأهيل" ضمن تعبئة جماهيرية شاركت فيها أجهزة الحزب والجيش والمنظمات الشعبية.

بحلول عام 1953 أعلنت الحكومة القضاء شبه الكامل على استهلاك الأفيون داخل الصين، ويشير عدد من الباحثين إلى أن نجاح الحملة كان نتيجة الردع الجنائي والقانوني، إضافة إلى إصلاحات اجتماعية أوسع شملت إعادة توزيع الأراضي، وفرض التشغيل شبه الكامل، وإعطاء الفلاحين هوياتٍ جديدةً، وضبط الهجرة الداخلية، وإنشاء وحدات عمل توفّر وظيفةً دائمةً وسكنًا وتموينًا ورعايةً صحية وبناء جهازٍ رقابي مركزي واسع النطاق، وهو ما غيّر الشروط المادية والاجتماعية التي كان يتغذّى منها التعاطي في العقود السابقة.

اتفقنا أم اختلفنا مع النموذج الماوي، فهو نموذج لم يكن عقابيًا فحسب، يجرّم المخدرات وحدها، إنما تناول أيضًا الشروط المادية التي تُنتج الإدمان، وتعامل مع جذور المشكلة. وهذا ما نحتاجه اليوم، في عصر الإدمان: أكثر من قوانين عقابية جديدة، نحتاج إلى تجريم الأوضاع التي تخلق جمعًا ممن يريدون التخلّص من إنسانيتهم، وممارساتٍ بديلة تعيد للإنسان مكانته، وتعمل على المحددات الاجتماعية للتعاطي والإدمان.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.