الصورة لـ Steve Rhodes من فليكر - برخصة المشاع الإبداعي
مظاهرة في عام 2011 تطالب بالإفراج عن علاء عبد الفتاح إثر القبض عليه بعد أحداث ماسبيرو

أن تنجو كمسخ.. لكن جميل

في كهف التنين

منشور الجمعة 28 أبريل 2023

في سجن عنبر الزراعة، الذي يقع داخل مجمع سجون طرة بالقاهرة، استيقظت صباح اليوم التالي للحكم عليَّ بالسجن لمدة عامين بتهمة خدش الحياء، على صوت يهمس في أذني "الحاجات دي من عند علاء". فتحت عيني فوجدت صاحب الصوت يغادر مسرعًا من باب الزنزانة الذي أُغلق خلفه، تاركًا كيسًا بلاستيكيًا بجوار رأسي، بداخله وجدت علب سجائر كليوباترا، وملابس بيضاء وزرقاء، وأكياس شاي.

لا يتلقى المحكوم زيارات عائلية أول أربعين يومًا وهي الفترة التي تعرف باسم "الإيراد". وبالتالي لا تكون معه علب السجائر الكليوباترا التي تستخدم كبديل للنقود، ولا ملابس أو غيارات داخلية إلا ما يستلمه من إدارة السجن عند دخوله.

دخلت السجن في فبراير/شباط 2016، وكان علاء سبقني في 2013 بعدما كسرت قوة أمنية باب منزله واعتدت عليه وعلى زوجته بالضرب، ثم حُكم عليه بالسجن خمس سنوات بتهمة التظاهر بدون تصريح. لنصبح بعد سنوات من الجيرة في شارع فيصل، جيران زنزانة في عنبر الزراعة. وككلِّ مرة غمرني علاء بكرمه، مرسلًا كل ما يحتاجه سجين في ليلته الأولى، الليلة الأكثر أرقًا، والأثقل ألمًا.

في اليوم التالي، حين فتح باب زنزانتنا في ساعة التريض، اتجهت إلى الزنزانة التي قالوا إنه فيها، وقفت على الباب وناديت، لكن فجأة تكهرب الجو، وهرول الشاويش والحرس ناحيتي يدفعونني بعيدًا عن باب الزنزانة. نبهني أحدهم بأن ما فعلته ممنوع، فقلت إني رأيت سجناء آخرين يفعلونه، فردَّ "التعليمات أنت وعلاء تبعدوا خالص، وممنوع تتكلموا مع بعض".

ظل الوضع هكذا بضعة شهور، خلالها كنا نلتقي كثيرًا أنا وعلاء في غرفة الزيارة، نجلس بين عائلتينا، نسابق الوقت لقول كل ما يمكن قوله، ولاستنشاق عبير المحبة، نضحك من توتر الحراس حين نتبادل جملتين أو تحيات عابرة. ثم في الشهر السادس، أيقظني صوت زاعق هذه المرة "اجمع فرشتك وحاجاتك وتعالى، ياللا".

يوميات اللعب بالماء

نقلوني إلى زنزانة علاء، بل ووضعوني في المصلب (السرير) المجاور لمصلبه. ضحكنا من عبثية الأمر. سألت الشاويش "طيب ليه كان ممنوع نتكلم، ودلوقتي تحطونا جنب بعض؟"، فهز كتفيه بمعنى "الله أعلم"، وانصرف.

عدنا لاستئناف أحاديثنا من حيث توقفت، كأن السنين التي مرت كانت يومًا أو بعض يوم. أحيانًا كانت النقاشات بيننا تتحول لخلافات يعلو فيها الصوت، أو السخرية والتنابز، وكان الزملاء في الزنزانة يتابعون والعصافير المسؤولة عن نقل كل ما نقوله لإدارة السجن يحتارون في فهم نقاط الخلاف.لا عجب، فكنا نتعارك على البرمجيات الحرة، وكيف ابتلعتنا وابتلعتها الشركات الكبرى.

أصبحنا نتناول الطعام معًا كل يوم، وكان لوجوده معي أكبر دعم نفسي يمكنني الحصول عليه. وبحكم الأقدمية والخبرة بقوانين ولوائح السجون، علمني الكثير عن حقوقي كسجين، وما يمكن أو لا يمكن، وكيف أناوِر لأحصل على ما أريد، ومتى أصطدم مع إدارة السجن ومتى ألين، ومتى أترك الغضب يأكلني في السجن، ومتى أكظمه حتى لا يأكل عقلي واتزاني النفسي.

تدفعنا مقالات علاء إلى محاولة تجاوز القفص القومي الضيق، وتصور أن كل ما يحدث هو خناقة على السلطة

في شهورنا الأخيرة حُرمنا من التريض، كانت تمر أسابيع علينا لا نرى الشمس، ولا يُفتح باب زنزانتنا. لكن علاء لم يتوقف عن المشي في الممر الوحيد في الزنزانة، ذهابًا وإيابًا. قال أن طول فترة الرقاد في السجن تؤدى لتآكل العضلات وضمورها بسبب عدم استخدامها. دفعني إلى المشي وممارسة الرياضة بزجاجات المياه.

يبلغ وزن زجاجة المياه ذات سعة اللتر ونصف عند ملئها بالمياه حوالي كيلو ونصف، وخاط زميل من الفرش والملابس الميري ما يشبه الحقيبة القماش، تتسع لأربع زجاجات، فصار لدينا أوزان ثلاثة كيلو وستة كيلو يمكن استخدامها في التدريب.

شاهدته أيضًا ينهار ويفقد إيمانه ببقايا مؤسسات الدولة بعد حكم النقض في قضيته. حين دخلت السجن كان مر على حبس علاء نحو ثلاث سنوات، وكان ينتظر نظر محكمة النقض في قضيته، ،يعوّل على عدم دستورية قانون "منع التظاهر"، وأن سجنه هو وكل المتهمين في قضية مجلس الشوري سيكون ثمنًا في سبيل إلغاء ذلك القانون المقيد لحق أساسي من حقوق الشعب المصري.

لكنه عاد بعد الحكم محبطًا، ليس فقط لأنه سيقضي مدته كاملة، بل لما بدا له من عدم أهمية الحقوق الدستورية للمواطنين لدى المؤسسات التي ينبغي عليها حمايتها.

كنت أحاول التخفيف عنه باقتراحات مثل "لماذا لا تستغل الوقت الباقي لك في الدراسة مثلا أو عمل ماجستير". وكان يهزُّ رأسه رافضًا. كان يرى في مثل هذه الخطوات تطبيعًا مع وضعه كسجين، ونقاط قوة يمنحها لإدارة السجن للتضييق عليه، قال "تخيل أذاكر وبعدين يوم الامتحان يمنعوني مثلًا، أو حتى يضيقوا على دخول الكتب وأدوات الدراسة".

في أسبوعي الأخير في السجن وصلت لحالة غير مسبوقة من الغضب والغيظ. كانت الأخبار وصلتني من أكثر من مصدر أن محكمة النقض قضت بإعادة المحاكمة وإيقاف العقوبة والإفراج عني. ومع ذلك مرت الأيام، ومازالت محبوسًا في الزنزانة، وكلما سألت عسكريًا أو ضباطًا، يقول إن التعليمات لم تصل بعد، وورق الإفراج لم يُرسل بالفاكس.

قلت لعلاء إني أفكر في إعلان الإضراب عن الطعام إذا لم يفرج عني. صمت وانتظر زوال فورة الغضب، ثم جلس يشرح لي خطورة ذلك التصعيد. حكى بالتفصيل كل ما يحدث للجسم عند الإضراب عن الطعام، وطبيعة الاجراءات القانونية للوائح السجون، ثم نصحني بتأجيل الخطوة.

في اليوم التالي، خرجت من السجن في 24 ديسمبر/كانون الأول 2016. بعدها كان آخر اتصال بيننا مكالمة هاتفية حين تم الإفراج عنه. كنت أنا في أمريكا وهو وسط أسرته أخيرًا بعد خمس سنوات قضاها في السجن.

دروس عن العالم

خرج علاء من السجن لكنه ظل مقيدًا بقيود المراقبة الشُرطية، حيث عليه تسليم نفسه مساء كل يوم لقسم الشرطة، وقضاء 12 ساعة في ضيافتهم. ومع هذا النمط من حياة الحرية المنقوصة، كان من الصعب أن يُعيد علاء بناء حياته المهنية. حاول ترميم روحه وعلاقاته الإنسانية خصوصًا مع ابنه خالد، لكنه لم يتوقف عن حثنا على كسر الحصار بقوة الخيال.

في رأيي أن سلسلة المقالات التي كتبها علاء بعد خروجه من السجن، مع خطاباته للنيابة وأمام المحكمة بعد إلقاء القبض عليه في سبتمبر/أيلول 2019، هي مجموعة من أهم النصوص التي قبضت على جوهر اليأس الذي يصبغ قلوبنا ويحاصر واقعنا، واقترح علاء فيها مجموعة من التدريبات بهدف تحويل اليأس إلى طاقة حركة، والغضب إلى خيال جديد، لا طاقة تدمير للذات.

في نصه البديع "خمس استعارات عن التعافي" والمنشور في كتابه لم تهزم بعد/You have not yet been defeated، يحدد علاء التقنيات الخاصة التي طورها للتأقلم، وإعادة خلق معنىً للحياة. يقر في هذا النص أن الألم جزء من الحياة، وأنه لا يوجد فردوس مفقود يمكن العودة له، ولا معنى لتفضيل الماضي عن الحاضر.

"لن تنجو لوحدك.

لا المعاناة تضحية ولا الجسد آلة، بل إن ألمك لا يخص شخصك؛ فالفرد ينتمي لمجتمع والمجتمع نتاج حركة التاريخ. لكنك فاعل في هذا التاريخ، لا تكن ضحية له. اجعل من ألمك ثورة ومن معاناتك نضال، اهدم مصادر الألم، وبحطام القديم سنبني الجديد معًا كجماعة فاعلة في التاريخ".

وحتى تحت الرقابة، والمبيت كل ليلة في قسم الشرطة، كان علاء يدرك أنه لا نجاة شخصية، وكان يتحدث في مقالاته عن ثورة السودان، وعن ضرورة انتباهنا لقضايا البيئة، والتأكيد على أن ما يحدث في مصر مرتبط بمصير الكوكب. تدفعنا مقالات علاء إلى محاولة تجاوز القفص القومي الضيق، وتصور أن كل ما يحدث هو خناقة على السلطة، أو حرب على الإرهاب ومؤامرة على مصر. يذكرنا علاء أننا في مواجهة فاشية عالمية، ومصر جزء من تلك الموجة السوداء.

أثناء انعقاد قمة المناخ في مصر، حين كان علاء مضربًا عن الطعام، وقفت كل لقمة أتناولها في حلقي، والمياه ظلت مالحة ولا تروي

يدرك علاء أن الهدف من الضغوط الاقتصادية ومن هدم أركان الدولة والمجتمع ومن إضعاف النقابات والكيانات الاجتماعية والسياسية التي بناها المصريون عبر قرنين من الزمان، هو نزع أي معنى عن حياة سكان هذه الأرض وإجبارهم على الانحناء بحثًا عن لقمة العيش واتقاء البطش، وعدم ترك أي وقت أو مساحة ليتخيلوا إمكانية رفع الرأس. أو كما يقول:

"إن أصروا على معاملتنا كحيوانات بلا أهلية فليكن. ولكن لنتخطى الماشية والدواب والحيوانات الأليفة والمدربة ولنستلهم من الزواحف ونجوم البحر وديدان الأرض؛ تلك الكائنات القادرة على التجدد بعد أي إصابة مهما عظمت.

لنتقبل فقط أن ما ينمو عند موضع الإصابة قد لا يطابق القديم، قد يبدو شائهًا. لكن -تمعن قليلًا سترى جمال المشوه، فالمسخ وحده يحمل تاريخ الحلم والأمل وواقع الهزيمة والألم معًا. المسخ وحده لا ينسى جراحه القديمة ولا يخشى جراحًا جديدة..".

عاد علاء للسجن وحُكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات جديدة، هذا المرة لم يُحل إلى سجن عنبر الزراعة الذي كنت مسجونًا فيه معه، بل في السجون الحديثة التي بناها النظام، حيث الأوضاع وظروف الحياة أبشع كثيرًا من وضع سجن طرة. ومع ذلك استمر في النضال، استمر في التفكير، وفي محاولة الحفاظ على المنطق، وألا ينحدر لمرتبة البهائم.

***

أنهيت قراءة كتاب علاء، مستعيدًا الأيام والسنين وأنا في مفترق طرق واختيارات. كل يوم تتضاءل فرص العودة أو زيارة مصر، لكن يزداد يقيني بأنه لا يوجد "هنا" أو "هناك". رفرفة الفراشة في أقصى الغرب ستبعث الحزن في القلب وإن كان في أقصى الشرق، والعكس صحيح. أثناء انعقاد قمة المناخ في مصر، حين كان علاء مضربًا عن الطعام، وقفت كل لقمة أتناولها في حلقي، والمياه ظلت مالحة ولا تروي.

حين اشتكيت لصديقة أمريكية هنا، كانت نصيحتها أن أفصل نفسي عن العالم وأخبار مصر حتى أحافظ على صحتي النفسية والعقلية، شخرت ضاحكًا؛ وهل تكون هناك صحة نفسية أو عقلية إن فعلت ذلك؟ ماذا يتبقى للإنسان إن تحول لبهيمة؟

إن البحث عن معنىً للحياة هو أهم ما يميزنا عن البهائم، وإذا أجبرنا أنفسنا على غلق الحواس، و"التبهم"، فلا معنى لكل ما كان، والنتيجة يقف المرء لا يعلم أين يخطو في المستقبل، ولا يدرك للحاضر طعمًا.

الحرية لعلاء.. الحرية لكل المعتقلين.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.