قضت المحكمة الدستورية العليا، اليوم الاثنين، بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية بتعديل جداول المخدرات، كونه اختصاصًا حصريًا لوزير الصحة، ما سيعيد تلك الجداول إلى ما كانت عليه قبل إنشاء الهيئة منذ ست سنوات، ويفتح الباب أمام من أدينوا بمخالفة قراراتها للاستفادة من عقوبات أخف أو حتى باعتبار أحكام إدانتهم "كأن لم تكن".
وبدأت وقائع القضية عندما تشككت إحدى الدوائر الجنائية بمحكمة النقض في دستورية قرار رئيس هيئة الدواء رقم 600 لسنة 2023 بنقل مادة الميثامفيتامين، المعروفة شعبيًا بـ"الشابو"، من القسم الثاني بجداول المخدرات إلى القسم الأول لتشديد عقوبتها. فأحالت القرار إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستوريته، على ضوء قانون مكافحة المخدرات الذي منح سلطة تعديل جداول المخدرات للوزير وليس لرئيس هيئة الدواء.
وبالفعل، نظرت المحكمة الدستورية العليا الدعوى، وانتهت في حكمها الصادر اليوم، إلى أن رئيس هيئة الدواء "أخذ اختصاصًا ليس له"؛ معتبرة أن وظيفته هي الرقابة على الصيدليات وتداول الأدوية، أما "تحديد ما هو مخدر وتجريمه" فاعتبرته المحكمة "أمرًا خطيرًا يمس حريات المواطنين"، لذا فوَّض فيه قانون مكافحة المخدرات وزير الصحة تحديدًا.
وبناءً عليه، اعتبرت المحكمة أن كل قرارات رئيس هيئة الدواء بشأن جداول المخدرات "كأن لم تكن".
ويفتح هذا الحكم الباب أمام المتهمين في قضايا المخدرات ذات الصلة بقرارات الهيئة، لإعادة تقييم مراكزهم القانونية في القضايا، وسط تأكيدات من المحكمة في بيان حصلت المنصة على نسخة منه، بأن هذا الإجراء لا يعني بالضرورة إفلات المجرمين من العقاب، بل إعادة انضباط المنظومة التشريعية. وقالت المحكمة في بيانها إن "الدوائر الجنائية بمحكمة النقض، ومحاكم الجنايات، بدرجتيها، والنائب العام - بحسب الأحوال- ستُعمل مقتضى هذا الحكم، في ضوء مواد الدستور والمادتين 48 و49 من قانون المحكمة الدستورية العليا".
وتُحصّن المادة 48 أحكام الدستورية العليا من الطعن، فيما تنظم المادة 49 كيفية وآجال تنفيذ وسريان هذه الأحكام، وتنص فيما يتعلق بالقضايا الجنائية على اعتبار الأحكام الصادرة وفق نصوص قُضي بعدم دستوريتها "كأن لم تكن".
وإزاء ذلك، رجح مصدر قضائي على درجة رئيس محكمة جنايات، أن يُسبب هذا الحكم بطلانًا واسعًا في أحكام الإدانة الصادرة في قضايا المخدرات، مؤكدًا أن الأثر القانوني للحكم سيؤدي إلى براءة المتهمين في المواد التي استحدثها رئيس هيئة الدواء في جداول المخدرات، وتخفيف العقوبات في المواد التي نقلها من جدول إلى آخر لتشديد عقوبة تعاطيها أو الاتجار فيها.
وأضاف المصدر الذي تحدث لـ المنصة، طالبًا عدم نشر اسمه، "في الجنائي تحديدًا، النص لما بيبقى منعدم بيُبطل كل الإجراءات اللي تمت بناءً عليه"، مشددًا على أن هذا الانعدام ينسحب على كافة مراحل القضية.
وقسّم المصدر الحالات المستفيدة من هذا الحكم إلى مسارين؛ الأول هو "البراءة الكاملة" للمتهمين بحيازة أو اتجار مواد لم تكن مدرجة أصلًا في الجداول القانونية القديمة لوزارة الصحة، وأدرجها رئيس هيئة الدواء منفردًا، مُعقبًا "لو المادة دي رئيس الهيئة هو اللي كان أدرجها من الأول خالص ومكنتش مدرجة قبل كدة، يبقى دا براءة لأن الفعل مش مُجرَّم أصلًا".
أما المسار الثاني، حسب المصدر، فيخص المواد التي كانت مدرجة قديمًا لكن جرى تغليظ عقوبتها بنقلها من جداول إلى أخرى (مثل مادة الميثامفيتامين)، وهنا يرى المصدر أن العقوبات ستنخفض حتمًا، قائلًا "فيه حاجات كانت مُعاقب عليها بالإعدام والمؤبد وهي كانت في الجدول التالت وبقت في الجدول الأول، دي هترجع لقديمها وتفضل في الجدول التالت". وذلك حتى يصدر قرار جديد من وزير الصحة أو تعديل تشريعي يُصحح هذا الخلل الإداري.
ولا توجد قاعدة بيانات متوفرة توضح عدد القضايا التي أدين فيها مواطنون بموجب هذه القرارات غير الدستورية خلال السنوات الست الماضية.
وأكد رئيس محكمة الجنايات لـ المنصة أن هذا الأمر سيسري حتى بالنسبة لمن صدرت بحقهم أحكام باتة استنفدت طرق الطعن وتخطت محكمة النقض، قائلًا "الناس هتخرج أو هيُعاد محاكمتهم على الأقل"، لأن الحكم الدستوري يطبق بالأثر الرجعي في المسائل الجنائية طالما تعلق الأمر بانعدام النص العقابي.