الرحالة العرب واكتشاف أوروبا.. استغرابٌ يواجه الاستشراق
ربما بسبب الفارق في التقدم بين الشرق والغرب لصالح الأخير نما إحساسنا كعرب، أو كمصريين، بالدونية أمام الغرب المتقدم، ثم تنوعت صور الدونية وانقلبت على وجهها الآخر، وهو إحساس التعالي والفوقية على تلك الحضارة المادية غير المؤمنة.
وسط هذا السياق السجالي ظهرت نظرية الاستشراق لإدوارد سعيد 1978، التي تعتبر بداية دراسات ما بعد الاستعمار، لتبحث في العلاقة بين المعرفة والسلطة.
هذه السلطة المعرفية تحولت إلى صور نمطية خاطئة عن الشرق، تم الترويج لها، ليس فقط من قِبل الدول والإمبراطوريات، ولكن من قِبل الفنانين والكتاب والرحالة الأجانب الذين سافروا إلى الشرق ورووا حكاياتهم عنه وقاموا بتصنيعه خياليًا بداية من القرن الثامن عشر، كما يشير إدوارد سعيد، عبر حصره داخل أنماط ارتبطت بالتخلف والجنس والشهوانية، مما سهل الطريق فيما بعد لتبرير الاستعمار والسيطرة على هذا الشرق المتخلف غير العقلاني بالقياس بالغرب العقلاني.
علم الاستغراب
في التسعينيات ظهرت نظرية الاستغراب التي نادى بها حسن حنفي، وخصص لها كتابًا، يقوم على أهمية دراسة الغرب ورسم صورة له ناتجة عن احتكاك العرب به، بالنظر إليه كآخر يُدرس تاريخيًا وثقافيًا وفلسفيًا، وتحليل بنيته الفكرية كي نتمكن، كعرب، من ضبط ميزان الدونية التي نشعر بها أمامه، وللخروج من دائرة سيطرته، وخلخلة المركزية الغربية والتحرر من سجنها الذي أوصلنا إلى تغريب ذواتنا، كما يشير حسن حنفي، في مقدمة كتابه المعنون "مقدمة في علم الاستغراب": "علم الاستغراب يهدف إذن إلى فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر، والجدل بين مركب النقص عند الأنا ومركب العظمة عند الآخر".
ربما أول مستغرِب حديث تعرفت عليه، قبل أن أعرف هذا المصطلح، كان الصحفي والكاتب محمد التابعي في كتابه القصصي الممتع بعض مَن عرفت، والذي يحكي فيه عن علاقاته بفتيات أوروبيات تعرف عليهن، خاصة في باريس، زمن ما بين الحربين. في قصصه ينزع، كرحالة، الرحلة من جغرافيتها ويحولها لتجربة فكرية أو عاطفية، ولكن تظل هناك خريطة لمطاعم وبارات وفنادق ومنتديات المجتمع الراقي.
رغم ذاتية الطرح، كان التابعي في موقع يسمح له بالرصد الموضوعي، وليس هناك مكان لتفضيل الآخر على نفسه، أو العكس. فعلاقات الحب، أيًا كان زمنها، تجارب حقيقية وليست متخيلة، كما سيتبلور بعد ذلك في رصد إدوارد سعيد لكتب الرحالة الأجانب عن الشرق، عبر علاقات حب تجسد تماسات روحية عميقة، شهوانيتها متأنقة ومغلفة بحس رومانسي به تضحية وإيثار. ربما هناك رغبة متوارية أو مكبوتة، غير مصرح بها، ولا حتى عن تفاصيلها الحميمة، ولكن هناك مواقف وحوارات متصاعدة بين طرفي المعادلة.
هناك غيرية في شخصية محمد التابعي، سمحت له بهذه العلاقات الندية، ربما بسبب ما كان يتمتع به من ثروة منحته المساحة التي يتحرك فيها داخل الأوساط الأرستقراطية في أوروبا. وإجادته الفرنسية، وسفره الدائم للعمل والمتعة.
كان يملك ذاتًا أكثر اتساعًا وثقة من ذات مصطفى سعيد بطل الطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال. فلم يكن هو الطرف الأضعف كما يبدو في نموذج المحب في النصف الأول من القرن العشرين، وكذلك لم يكن الطرف الأقوى. كانت قوته تنبع من تعاطفه مع الجانب الهش لفتياته. فالآخر ليس هو الممثل للثقافة الاستعمارية، بل الكائن الهش الذي يشبه الكاتب. المكان يقع في الخلفية والإنسان في المقدمة، والجغرافيا نفسية تمامًا، حيث تعقد مقارنات بين الأنا والآخر، بندية، ودون مركزية لأحدهما.
التجربة التي يعيشها المسافر
في كتابها الصادر حديثًا الرحالة العرب واكتشاف أوروبا تتتبع رندة صبري سير حيوات وأفكار الرحالة المصريين وبعض الشوام، مثل رفاعة الطهطاوي، صاحب أول كتاب منشور عن باريس تخليص الإبريز في تلخيص باريز عام 1834، وحسن توفيق العدل وأمين باشا فكري وأحمد شفيق باشا وأحمد زكي باشا.
ومن الشوام تتبع الأديب أحمد فارس الشدياق صاحب رواية الساق على الساق، في معرفة الفارياق عام 1855، حيث سافر إلى باريس خلال عصر النهضة، الذي تحدده رندة صبري من بداية الربع الأول من القرن التاسع عشر، حتى نهاية العقد الثاني من القرن العشرين.
كان هناك العديد من مثقفي النهضة، يملكون نفس الاعتزاز بالانتماء لثقافة عريقة
هذه الكتب التي كتبها المبعوثون إلى الغرب تُعتبر "السلاح الأنجع لهدم الأفكار أو الصور المسبقة عن بلد ما، هو التجربة التي يعيشها المسافر".
عبر هذه التجربة يعاد تفكيك مركزية هذا الآخر الغربي، كما ظهر في رواية فارس الشدياق، التي اتسمت بلغة ساخرة ناقدة للغرب، حيث "يسجل الشدياق تأملاته في باريس مرتديًا قناع قرين يشابهه، ويبتعد عنه في آن".
كان هناك العديد من مثقفي النهضة، مثل حسن توفيق العدل، يملكون نفس الاعتزاز بالانتماء لثقافة عريقة سبقت الثقافة الأوربية، "مما يجعله يخاطب محاوريه على قدم المساواة". بالرغم من عيشه تحت الاحتلال البريطاني في مصر، الذي لم يؤثر عليه ويسلب منه هذه الندية.
هذه النصوص الوليدة التي كتبها هؤلاء الرحالة إلى أوروبا، شكَّلت ما تسميه رندة صبري بدايات علم الاستغراب، التي تتعدد سياقاتها حسب غرض رحلاتهم، والثقافات المتنوعة التي ضمنوها داخل هذه النصوص.
ينطبق هذا بوضوح على كتاب حسن توفيق العدل "رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا في سنة 1899"، الذي ضمَّنه نصوصًا وقصصًا تدور حول شخصيات تاريخية وسير ذاتية لأشهر الرحالة العرب وغيرها، وأخرى تنتمي إلى ثقافات متنوعة ضُفرت داخل الكتاب.
رغم أن رحلاتهم تمت تحت الاحتلال البريطاني على مصر إلا أنها لم تعكس أي عداوة معلنة تجاه الغرب
رصد العدل عنصرية ألمانيا ضد اليهود، وكشف هذا التعارض الكامن داخل الثقافة نفسها، ليقوض الإدعاء بالتعارض بين الشرق والغرب، وكشف في مكان آخر أن التقدم يرجع للعقل ومكانته داخل هذه الحضارة، فهو بمثابة السلطان الأكبر "الذي شملهم بعدله، وغمرهم بهاطل جوده".
يرى العدل أيضًا أن المعرفة هي الشكل الأسمى للمشاركة الثقافية بفضل قدرتها على الانتقال بين حضارة وأخرى واستيعاب ما لدى الآخرين، فالأفكار لها أجنحة. هذه المعرفة يمكن نقلها وإعادة تشكيلها تبعًا لطبيعة الثقافة التي تتبناها.
والملاحظة المهمة التي ترصدها رندة في كتابات الرحالة العرب نزاهة حكم ورأي أصحابها، ورغم أن رحلاتهم تمت تحت الاحتلال البريطاني على مصر، فإنها لم تعكس عداوة معلنة تجاه الغرب. كأنهم يقابلون الغرب في مكان جديد، وربما لهذا السبب دعى العدل، وآخرون، لاكتشاف الوجوه المتعددة لكل ثقافة.
كان هدف الرحالة العرب اكتشاف سبل تقدم الدول الأوربية ومنها بالطبع المكتبات، كما يظهر في كتاب أمين باشا فكري "إرشاد الألبا إلى محاسن أوروبا" وتبرر رندة هذا الميل "فالمكتبة تجذب الرحالة كرمز للذاكرة الإنسانية بما فيها الذاكرة العربية، ومدى تأثيرها على حضارة أوروبا وأيضًا كدليل على ما وصلت إليه الحداثة وروح الاختراع، خاصة في كل ما يرتبط بالحفاظ على هذه الكنوز والاستفادة منها في الحاضر".
ساعدت المكتبات الرحالة في التعرف على أنفسهم، واكتشاف جوانب مفقودة من تراثهم الأدبي، كأنها تعيد علاقتهم، ليس بالآخر الغربي، بل بأجزاء مفقودة من الأنا.
يصف محمد عبده هذه المكتبات في كتابه "رحلة إلى صقلية" فيقول "تجهز هذه المكتبات لقاءً مجيدًا مع الماضي المجيد لتراثه، في مكان تغير مع مرور الزمن، حتى أصبح مرتبطًا بالغرب". كأن هذا الماضي أصبحت له أجنحة وانتقل للحاضر عبر حضارة أخرى، ليبدو المسافر وهو يقابل تاريخه الأدبي في مكان جديد، فيرى نفسه عبر مسافة وضوء جديدين.
بذرة خطاب استغرابي
هناك ميل من المؤلفة لالتقاط الحس الذاتي في الكتابة، خاصة عند أحمد زكي باشا صاحب كتاب السفر إلى المؤتمر. حيث تكشف عن "ملاحظات شخصية تنبض بالحيوية"، أي الجزء الذاتي للرحالة وللكاتب بشكل عام، عندما يورط أناه في التفسير والاشتباك والملاحظة، فعبر هذه الملاحظات الشخصية يظهر المكان/الآخر وتفاصيله، وتكوينه، بل وتظهر أصالة موهبة الكاتب؛ فهذه الحيوية التي تتجسد عبر الملاحظات الشخصية تكشف عن نزاهته في الحكم على الآخر، كونها أداة شفافة.
في كتابه" السفر إلى المؤتمر" الذي يدور حول حضوره مؤتمر للمستشرقين، يكتب أحمد زكي باشا أنه كان ينوي أن يكتب كتابًا آخر بعنوان "الرحلة الكبرى"، يتحرى فيه البحث بوصفه مسلمًا شرقيًا يعنيه من عمله التنقيب عن أداب الشرقيين والغربيين، والمقارنة بين أخلاقهم ومذاهبهم ومبلغ ارتقائهم.
تربط رندة صبري هذا الحلم، الذي لم ير النور، بمشروع حسن حنفي في الاستغراب، ولكنها تعتبر أن نسخته المختصرة "السفر إلى المؤتمر"، ممثلة لحلمه، و"ستشهد فور ظهورها استقبالًا حماسيًا".
"أدرك أحمد باشا أن إنتاج عمل نافع هو كتابة نص صاغت أعماقه نظرته الخاصة، ولمحته الانتقائية وكل ما أثار فضوله"، وربما هذه الأشياء هي ما تكون حيويته وذاتيته ومكان تميزه في النظرة للآخر، وتَلمح المؤلفة حس "التمرد على هيمنة خطاب يصوغ به الغرب صورته الخاصة"، بجانب "إطلاقه العنان للتعبير عن أهوائه وانطباعاته المعيشة، ورفض كل تصلب أيديولوجي، وهو الرفض الذي لا ينتقص من حساسيته للاختلافات".
وهكذا تكون لدى أحمد زكي باشا بذور خطاب استغرابي، لا لكونه يتحدث عن الغرب فقط، بل أيضًا لشدة حرصه على الاحتفاظ بمسافة فاصلة ناقدة. ربما هي المسافة الموضوعية، أو مكان الندية التي تعيد تفكيك هذه الهيمنة ومنح ذاته بدايات فك عقدة النقص. فالمسافة هامة جدًا، للتخلص من استعمار المخيلة، فهي التي منحته هذه الشجاعة في "استخدام النهج المقارن في أوجه الشبه بين الآخر، أو الآخرين، والذات".
"كان يتخذ الآخر كمحفز لا كقدوة، لكي لا يتجاوز ذاته بل ليصلحها". ربما هي الجملة الأهم أن يأتي الآخر ليسكن الذات، ويوسع من حدودها، بدلًا من أن ينسلخ صاحبها عنها، بمعنى أن يكون هناك مكان حواري وغير سلطوي مع الآخر، فالمعرفة أصبحت مادة عاطفية انفصلت عن السلطة.
استغراب لا يعرف الغطرسة
يسعى كتاب رندة صبري، الممتع وشديد الأهمية، لاكتشاف "استغراب داخل ثقافتنا، لا يعرف الغطرسة، مقابل الاستشراق المتغطرس. استغراب تنحل فيه الرابطة بين المعرفة والسيطرة"، وهي الرابطة التي تشكل حسب ميشيل فوكو، برأي الكاتبة، أساس الخطاب، ففي "قلب الاستغراب بُعد انعكاسي متجه إلى إصلاح الذات، كما يسعى إلى التعرف على أفضل ما في الآخرين، من سمات، وليس ما في الآخر بوصفه خصمًا".
وتضيف الكاتبة خلاصة حلمها "الاستغراب الذي تنطبق عليه صيغة الاستضافة الإنسانوية التي تتسع لاستقبال ثقافة الآخر، بفضول لا متناهٍ داخل الذات، وفقًا لمثل أعلى نادي به إدوار سعيد في مقدمته الأخيرة لكتاب الاستشراق".
