السينما المستقلة بعد 2011.. خوف وهامش وهيام وردي
نشأت السينما المستقلة في مصر بوصفها تيارًا فنيًا موازيًا للسينما التجارية السائدة، لا يسعى لمنافستها في شباك التذاكر بقدر ما يطمح إلى تقديم رؤية مختلفة للعالم، وللسينما ذاتها. ورغم أن ملامحها الأولى بدأت تتشكل بوضوح في أواخر التسعينيات، فإن جذورها تمتد أبعد من ذلك، سواء على مستوى الأفكار أو محاولات الخروج عن القالب التجاري السائد.
يمكن تتبع واحدة من البدايات المهمة لهذا المسار المستقل مع أفلام شركة أفلام مصر العالمية التي أسسها يوسف شاهين وشركاء أجانب، واستهلت إنتاجها في السبعينيات مثل العصفور (1972)، وإسكندرية ليه (1979)، والثمانينيات مثل حدوتة مصرية (1982)، ومنتصف التسعينيات، مثل المهاجر (1994) والمصير (1997).
ورغم الشراكات الإنتاجية مع جهات أجنبية، فإن جوهر التجربة كان قائمًا على فكرة التحرُّر من القيود التجارية ومن أي تدخل في حرية المخرج الإبداعية. لم تكن هذه الأفلام مستقلة بالمعنى الصناعي المتداول اليوم (التصوير بكاميرا ديجيتال واختيار موضوعات لا تحظى بصبغة جماهيرية)، لكنها أسست وعيًا مختلفًا بالسينما بوصفها مشروعًا فنيًا لا سلعة فقط.
بداية التحول الرقمي
يُرجع البعض البدايات النظرية للسينما المستقلة إلى محاولات أقدم، مثل تجربة "جماعة السينما الجديدة" في ستينيات القرن الماضي، التي سعت إلى كسر هيمنة السينما التجارية آنذاك، لكن التحول الحقيقي نحو مفهوم "السينما المستقلة" بشكله الحديث، المرتبط بالصناعة الرقمية وانخفاض تكاليف الإنتاج، جاء لاحقًا.
مع نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة، وتحديدًا عام 2008، بدأت السينما المستقلة في مصر تأخذ شكلها الواضح، مدفوعة بالتصوير الرقمي الذي أتاح إمكانيات أوسع لصناع الأفلام خارج المنظومة الإنتاجية التقليدية. في هذا السياق، برزت أفلام مثل بصرة للمخرج أحمد رشوان (2010) وعين شمس للمخرج إبراهيم البطوط (2009)، بوصفها علامات مبكرة على هذا التحول.
لم يكن الاختلاف هنا تقنيًا فقط، بل فكريًا وجماليًا. هذه الأفلام اشتغلت على موضوعات هامشية، وشخصيات بعيدة عن مركز البطولة المعتاد، ولم تعتمد على نجوم الصف الأول، بل راهنت على التجريب وعلى بناء لغة سينمائية مختلفة، ترى في السينما وسيلة للتفكير في الواقع لا مجرد حكاية تُروى.
تبلورت هذه الروح بشكل أكثر وضوحًا مع فيلم ميكروفون (2010) للمخرج أحمد عبد الله السيد، الذي تناول عالم فنون الشارع، من موسيقى الراب إلى الجرافيتي، وجعل من الفن نفسه موضوعًا للفيلم. هنا لم تعد الحكاية وحدها هي المركز، لكن صارت عملية الخلق الفني، وأدواته، وهمومه جزءًا من بنية العمل. السينما، في هذا السياق، لم تعد مجرد انعكاس للواقع، لكن فعلًا واعيًا به، ومساءلة له.
ما بعد الثورة
عقب ثورة يناير 2011، دخلت صناعة السينما المصرية مرحلة ارتباك واضحة. شركات الإنتاج الكبرى تراجعت عن ضخ استثماراتها، خاصة في أفلام شباك التذاكر، نتيجة حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. ويشير الفنان خالد أبو النجا، في بودكاست Calgary Arabia، إلى أن انسحاب التمويل العربي لعب دورًا أساسيًا في هذا التراجع، ما دفع عددًا كبيرًا من المخرجين والممثلين إلى اللجوء للإنتاج المستقل في واحدة من أكثر لحظات الصناعة توترًا.
هذا الفراغ الذي تركته الشركات الكبرى، ملأته السينما المستقلة بسرعة لافتة. لكن، بحسب ما قاله الناقد محمود عبد الشكور لـ المنصة، فإن كثيرًا من الأفلام التي تناولت الثورة في تلك المرحلة جاءت انفعالية، تميل إلى التوثيق المباشر أكثر من امتلاكها رؤية فنية واضحة. ورغم ذلك، ظلت السينما المستقلة هي الواجهة التي تمثل مصر في المهرجانات الدولية، بحكم بعدها عن منطق السوق وشباك التذاكر.
أفلام مثل الشتا اللي فات (2012) لإبراهيم البطوط، الذي عُرض في مهرجان فينيسيا، والخروج للنهار (2013) لهالة لطفي، الذي شارك في مهرجان برلين، لم تحظَ بفرص عرض جماهيري واسعة داخل مصر، لكنها لعبت دورًا مهمًا في توثيق لحظة الثورة وتبعاتها. الطابع التوثيقي كان السمة الغالبة على كثير من هذه الأعمال، ما جعلها لاحقًا مرجعًا بصريًا لمن يريد استعادة تلك المرحلة.
بين يناير و30 يونيو
عقب أحداث 30 يونيو، بدأت السينما، خصوصًا المستقلة، رصد حالة من التشتت والضياع بين ثورتين، والتقاط شعور عام بفقدان اليقين والهوية. هذه الأفلام لم تتناول الحدث بشكل مباشر، بقدر ما عكست أجواءه في الخلفية: صعود جماعات الإسلام السياسي، والعنف، والقلق الاجتماعي الواضح حول مستقبل البلاد.
على عكس موجة أفلام يناير، تأخر ظهور الأعمال التي ناقشت 30 يونيو بشكل مباشر. من أبرزها اشتباك (2016) لمحمد دياب، وآخر أيام المدينة لتامر السعيد، الذي رغم تأخر عرضه، قدّم قراءة عميقة لحالة مدينة وشعب يعيشان على حافة الانهيار.
في السنوات الأخيرة، أصبحت منصات مثل يوتيوب فضاءً بديلًا لعرض الأفلام المستقلة والقصيرة، سواء لطلاب معهد السينما أو لمخرجين شباب يبحثون عن مساحة عرض بلا قيود رقابية أو إنتاجية. هذا التوجه أفرز أسماء جديدة، من بينها المخرج الشاب يوسف شرشر، الذي عرض فيلميه القصيرين أقل من ساعة وحُرّ على يوتيوب بإمكانيات ذاتية.
يقول شرشر لـ المنصة إن دافعه الأساسي ليس الربح، وإنما الشغف بالسينما، مشيرًا إلى ندرة سوق حقيقي للأفلام المستقلة على المنصات الرقمية. فيلمه "حُرّ"، الذي عُرض في مهرجان القاهرة السينمائي 2024، يتناول موسيقى الراب وفناني الشارع، وتحت ضغط الخوف من أن يتورط في مشكلات أمنية ورقابية بسبب لقطة مرتبطة بثورة يناير قرر حذفها، لكنه أعادها إلى الفيلم مرة أخرى حين طلبت منه إدارة المهرجان نسخة كاملة للمناقشة.
"ريش" وصِدام الرؤى
أحد أكثر الأفلام إثارة للجدل في السنوات الأخيرة كان ريش (2021) للمخرج عمر الزهيري، الذي قُدم لأول مرة في مهرجان كان. الفيلم، الذي اعتمد على ممثلين غير محترفين، استخدم الكوميديا السوداء والفانتازيا لرسم صورة رمزية لأسرة فقيرة، يتحول عائلها إلى دجاجة في حادث عبثي.
الجدل لم يكن فنيًا فقط، بل سياسي واجتماعي. فخلال عرضه في مهرجان الجونة، انسحب بعض الفنانين اعتراضًا على ما اعتبروه إساءة لصورة مصر. في المقابل، حصد الفيلم جوائز دولية وإشادات نقدية واسعة، ما كشف عن فجوة واضحة في تصور دور السينما: هل هو تلميع الصورة أم مساءلة الواقع؟
في السياق ذاته، أثار منع عرض فيلم آخر المعجزات، المقتبس عن نص لنجيب محفوظ، تساؤلات عديدة، خاصة بعد حصوله على موافقة رقابية مبدئية سُحبت في لحظة غامضة، ما أعاد النقاش حول حدود الرقابة وتناقضاتها.
في جوهرها، تشتغل السينما المستقلة على تفكيك الواقع، لا إعادة إنتاجه بشكل مريح. تحاول الاقتراب من الأسئلة المسكوت عنها، حتى لو واجهت اتهامات جاهزة مثل "خدش الحياء" أو "الاعتداء على القيم الأسرية". هذه الاتهامات، كما يرى كثير من صناع السينما، ليست سوى غطاء واهٍ يمنح السلطة حق الوصاية على وعي المجتمع.
ورغم كل القيود، تظل السينما، بحيلها الجمالية وقدرتها على المراوغة، واحدة من أدوات المقاومة الناعمة. فكل محاولة فنية جادة، حتى لو حوصرت أو مُنعت، تفتح شقًا صغيرًا في جدار الصمت، وتؤكد أن الواقع، مهما بدا صلبًا، قابل دائمًا لإعادة النظر.