
المطلقة والفستان الأبيض
لم أكن عروسة جميلة في حفل زفافي، كنت أرتدي فستانًا حصلت عليه من إحدى الجمعيات الخيرية، موديل تسعيناتي ساتان مطرز بأكمام منتفخة وفيونكة على الخصر، أجريت عليه بعض التعديلات؛ غيرت الأكمام ورفعت الخصر المنخفض ما حسّن من شكله القديم غير المتناسق، لكنه لم يكن أبدًا فستان أحلامي الرقيق البسيط.
بعد سنوات من زواج انتهى بالطلاق تصادف أن كنتُ في زفاف صديقتي نورهان طمان التي كانت تتزوج للمرة الثانية، وارتدت فستانًا أبيضَ في عرسها.
كنتُ سعيدة وأنا أراها إلى جوار زوجها تستمتع بحفل بسيط مع الأصدقاء والورود، لكن تعبيرها عن فرحتها لم يعجب الكثيرين.
"فيه ناس ما عجبهمش إني عملت فرح تاني ولبست فستان أبيض" تقول لي صديقتي وهي تضحك.
في المرة الأولى تزوجتْ نورهان في العشرينيات من عمرها، لكنّ تعرضها لعنف المتكرر دفعها للطلاق بعد التنازل عن حقوقها من مؤخر ونفقة، وحتى ما ساهمت به من أثاث.
لم تتوقع صديقتي تكرار التجربة، واستغرق الأمر سنوات لتخوض قصة حب جديدة، وتتخذ القرار.
عُقد القران في حفل بقاعة بسيطة أعلى مطعم يطل على النيل، ووسط الزهور والزغاريد أطلّت نورهان بفستان أبيض مطرز بلآلئ جميلة.
حضرتُ الحفل مع صديقاتنا، لم يكن مرَّ وقت طويل على طلاقي. منحني مشهد جلوسها إلى جوار زوجها بفستانها وضحكتها أملًا في تحقيق حلم الحياة الجديدة، لكن ذلك لم يكن رأي باقي الحضور.
وصلتْ نورهان تعليقاتٌ متتاليةٌ بعد الحفل، وبعد نشر صورها على فيسبوك لاقت ردودًا مثل "هي بتعمل فرح تاني ليه؟ وفستان أبيض ليه؟ هي فاكرة نفسها صغيرة؟".
"دا أنا لسه 30 سنة يا ولاد اللذينَ" تضحك نورهان مجددًا بينما أفكر أنا ابنة الـ42 بأني لو تزوجت ثانية "هعمل فرح"، وأسرح مع الفكرة.
نورهان زوجة مُعنفة ومطلقة، سُرقت حقوقها الشرعية والمدنية، ومع الزواج الجديد تواجه نظرة مجتمعية تسلبها حتى الحق في الفرح، فالمطلقة في العُرف وفي نظر الأكثرية لا حق لها في الزواج، وإذا حدث فليكن "سُكيتي"!
ختم الجودة
لجأت 10 آلاف و683 امرأة للمحكمة خلال عام 2023 للحصول على الطلاق، 8 آلاف منهن فضلن إبراء أزواجهن من حقوقهن، وطلبن الخلع. أما إجمالي شهادات الطلاق في مصر حسب بيانات جهاز التعبئة العامة والإحصاء فيبلغ 255 ألفًا.
وفي اللحظة التي يكون فيها الطلاق بوابة نجاة، يظهر الحراس من الأهل والجيران ممثلين لقوة المجتمع التي تُملي شروطها؛ المطلقة لا تخرج كثيرًا، ولو كانت تعمل فلا تتأخر مساءً، ويفضل أن تكون محجبة.
إذا أرادت الزواج فلا بأس، لكن بلا حفل أو فستان. هذه الشروط لا يسلم منها حتى المشاهير، فالانتقادات طالت الفنانة نيللي كريم حين تزوجت مجددًا منذ عامين وارتدت فستانًا وطرحة، بدعوى أنها كبرت على ارتداء الفستان الأبيض.
والعام الماضي واجهت المطربة مي فاروق الانتقادات ذاتها وأكثر لزواجها في حفل كبير وبفستان أبيض، بل وزادت الأمور فداحة بظهور أولادها إلى جانبها.
يتسع ما تتعرض له المطلقات ليشمل كل ما يتعلق بشكل الحياة، فسارة سالم في أوائل ثلاثينياتها وعندما انفصلت عن زوجها لم تجد مكان إقامة ثابت تستقرر فيه، "بنتي كانت لسه في KG، وفضلت أتنقّل بيها من مدرسة للتانية".
وفقًا لقانون الأحوال الشخصية فالحضانة من حق الزوجة لحين انتهاء حضانتها، وعلى الزوج أن يهيئ لها مسكن، وإلا استقلت بمسكن الزوجية حضانة للصغار حتى بلوغهم 15 سنة. لكن طليق سارة لا يملك عملًا مستقرًا وليس له دخل ثابت، لذلك لا يُنفق على ابنته بانتظام "ممكن يعدّي شهرين من غير ولا مليم منه".
قررت سارة العيش مع أمها في بيت أهلها في محاولة للتخلص من عبء الإيجار الذي لا تتحمله ميزانيتها. كان هذا مناسبًا لها ولوالدتها المُسنة، لكن ليس بالنسبة للجيران "بيتضايقوا إني بارجع من الشغل متأخر".
بحكم عملها في مدينة الإنتاج الإعلامي، ولأنها لا تملك سيارة خاصة، تضطر يوميًا للقفز بين الميكروباصات ذهابًا وإيابًا من مدينة 6 أكتوبر لمنزل أسرتها، وأحيانًا كثيرة تعود متأخرة، وهنا وجدت سارة نفسها أمام أزمة.
منزل العائلة في منشأة البكاري، وهي منطقة شبه ريفية، بالقرب من المريوطية بالجيزة، "بابا أصر أكمل تعليمي في الجامعة على عكس منطقتنا، البنات بتاخد الإعدادية وتتجوز، والناس كانت بتضغط عليه عشان يجوّزني بس هو رفض".
"وقتها الناس قالتله إنت كده هتفتح عينين بناتنا ع التعليم والجامعة"، تتذكر سارة التي عادت أخيرًا إلى منطقتها مطلقة ومعها طفلة ومن دون حجاب!
تضطر سارة للمشي مسافات طويلة عندما تعود في ساعة متأخرة "مفيش أي توكتوك بيرضى يوصلني المسافة دي، باخدها مشي تحت رجم طوب من العيال، وتف، وتلسين بكلام مؤذي.. فكرت إن الحل هو تغيير المسار وألف لفة كبيرة عشان أتفادى الشوارع المليانة بالصبيان والأذى".
ممنوع بأمر الزوج السابق
تجمع هند مسعد(*) بطليقها علاقةٌ فيها كثير من الأريحية والمودة "كتير من صحباتي بيحسدوني على طليقي، بجد هو شخص كريم مع ابنه، بيتعامل معايا بكل احترام، وبيتناقش ويبدّي دايمًا مصلحة الولد"، لكن الأمر لا يسْلَم "حط شرط واحد قاله بهدوء وثبات: لو اتجوزتي هاخذ منك حضانة الولد".
في البداية لم تُلق هند، التي تعمل مُدرسة، بالًا لهذا الشرط إلى أن وقعت في حب زميلها في العمل، وبمجرد أن فاتحها في الخطوبة رفضته "حسيت إني ممنوعة من حقي في الحياة، أنا مش عارفة أتجوز وهو اتجوز وخلف وعاش حياته".
عدلت مسوّدة قانون الأحوال الشخصية الجديد الجزء الخاص بترتيب حضانة الأبناء، فبعدما كانت للأم، ثم أم الأم، ثم أم الأب، أصبح الأب في الترتيب الثاني بعد الأم مباشرة. ونصّت التعديلات على انتقال الحضانة تلقائيًا إلى الطرف التالي في الترتيب في حال زواج أي من الوالدين لتحقيق المساواة بين النساء والرجال، من باب المساواة في الظلم عدل.
كانت مؤسسة قضايا المرأة المصرية في إطار دعمها لمشروع قانون أسرة أكثر عدالة، أطلقت حملة عام 2018 تحت شعار جوازي ما يمنعش حضانتي لولادي، بهدف تغيير الوضع القانوني والقضائي الحالي من إسقاط حضانة المرأة لأطفالها عند زواجها من آخر، الأمر الذي يجبر العديد من النساء على التخلي عن فكرة الزواج مرة ثانية خوفًا من إبعاد أولادهن عنهن، كما حدث مع هند.
فبينما كانت تحكي لي عن تجربتها، تساءلتُ هل من الممكن أن أجد نفسي مثلها يومًا؟ هل من الممكن أن أُحرم من حقي في الزواج مرة أخرى؟ صحيح أنه ليس من أولوياتي الآن، ولكن ربما يومًا ما تتغير المعطيات.
وضعت هند حقها في الزواج جانبًا حتى لا تخسر ابنها، ولكن دورها كأم يجعلها وحيدة، تشعر أنها مُعاقبة بطريقة "شيك" من طليقها، المحترم الكريم في عيون الآخرين.
بينما تجاوزت نورهان التعليقات على صور حفل زفافها، واستطاعت تأسيس حياة جديدة وأصبح لديها وظيفة وطفلة جميلة وسيارة، تحاول سارة الادخار من أجل شراء سكوتر يعينها على الانتقالات في منطقتها إلى أن تتمكن من مغادرتها.
أما أنا فمستعدة لخوض أي معركة يرغب في خوضها المجتمع معي من أجل تحقيق حلمي في ارتداء فستان جميل في حفل زفاف بسيط، كما سأضع وردات بيضاء في شعري ومكياجًا خفيفًا.
(*) اسم مستعار بناء على طلب المصدر.