حساب علي كباكا على تيكتوك
لقطة من فيديو يجمع علي كباكا مع إبراهيم سمبل، 9 يناير 2025

باشا البلد.. كيف أكل إبراهيم سمبل تفاحة تيكتوك المحظورة؟

منشور الخميس 27 فبراير 2025

إن كنت لا تعرف إبراهيم سمبل وعلي كباكا؛ فقد يبدو الأمر وكأنني أحاول انتزاع الضحك منك عنوة بخلق مفارقةٍ تتبدى أول ما تتبدى في العنوان الذي اخترته ليبدو جادًا في صياغته ساخرًا في انطباعاته. أما إن كنت من مستخدمي تيكتوك؛ فأنت بالطبع قد شاهدت عددًا لا بأس به من فيديوهات باشا البلد وتعرف شيئًا من قصته.

إبراهيم سمبل أو باشا البلد هو أحد المصابين بمتلازمة داون، وهي المتلازمة الجينية المعروفة بما تنتجه من تغيّرات خلقية ظاهرة على الجسد والوجه تحديدًا مثل شكل العينين وقِصر الرقبة وغيرها، وتغيرات ذهنية وعقلية مثل تأخر النمو العقلي.

يخطو سمبل ذات يومٍ صدفةً إلى محلّ علي كباكا، بائع إكسسوارات الموبايلات، صاحب نبرة الصوت القوية التي سيُسمَع صداها في الأرجاء الافتراضية والواقعية على حدٍ سواء، حين يقول بلهجته المميزة التي يختلط فيها اللسان القروي بالحضري "باشا البلد، باشا البلد وصل، المعلم إبراهيم سمبل".

تيكتوك ضد القبح

بعد بضع سنواتٍ من إنشاء تطبيق تيكتوك، الذي روّج له مبتكروه على أنه المنصة الأمثل لكل الراغبين في التحرر من الكمال والتواقين لوصولٍ سريع غير معقد للآخرين والفارين من المعايير العالمية للتأثير والشهرة، نشر موقع مؤسسة The Intercept، وهي مؤسسة غير ربحية تعني بتقصّي الحقائق على مستوى الأفراد والمؤسسات، عدة وثائق تُثبت عدول القائمين على تيكتوك عن تلك الفلسفة البِكر، والتضحية بالفقراء والقبيحين في سبيل تقديم تجربة جمالية للمستخدمين.

يكمن سحر تيكتوك في إتاحته إنتاج مقاطع فيديو دون توقف. منذ اللحظة الأولى لفتح التطبيق، قبل أن تنشئ حسابًا، وقبل أن تُفضل محتوى بعينه، وقبل أن تتابع أحدًا، وقبل أن تشارك أي شيء، يعرض التطبيق لك خليطًا من المحتوى، حيث تشترك مقاطع الفيديو المتنوعة في أمر واحد تقريبًا، وهو البعد الجمالي والتقني للشخوص والأماكن والخلفيات وأساليب التصوير.

تُشير الوثائق المسربة إلى إيعاز المسؤولين عن التطبيق للمشرفين بإبقاء أشكال جسدية وأنماط حياتية بعينها خارج تلك العجلة الدوارة، التي يمثل الظهور فيها فرصةً ذهبيةً أشبه بامتطاء صاروخٍ صاعدٍ إلى النجوم. من بين الصفات الجسدية لأولئك المطرودين من جنة تيكتوك غياب التناسق الجسدي الواضح كأصحاب الكروش المترهلة وأضدادهم شديدي النحافة.

ويسري الأمر أيضًا على أولئك الذي يحملون ملامح قبيحة بالتوصيف الذي تدرجه إدارة تيكتوك؛ كأصحاب العيوب الخلقية أو التشوهات الواضحة، أو حتى أولئك الذين فقدوا أسنانهم والعجائز أصحاب التجاعيد.

تلك علامة القبح، أما علامة الفقر فترصدها الخوارزميات فيما وراء الوجه من خلفيات، كالبيوت الرثّة في الحواري القذرة أو الغرف ذات الحوائط المتشققة والجدران البالية. والسبب وراء ذلك أن تلك الفوضوية التي يخلِّفها القبح والفقر، حسبما يرى القائمون على استراتيجية التسويق في التطبيق، قد تُفزع المستخدمين الجدد وتحدّ من إقبالهم عليه.

طنطا تتحدى العالم

يتوافق إبراهيم سمبل بل يكاد يتطابق كليًا مع تلك الفئة التي أُقصيت سلفًا، فالرجل سمين وقصير القامة، بلا رقبة تقريبًا، وإذا تكلم لا يبين إلا عن أصوات غير مفهومة، وإذا ابتسم لا يفضي فمه إلى شيء. وكذلك الحال بالنسبة لكباكا نفسه ومحله الكائن في شارع المحطة بمحلة مرحوم في طنطا. لكنهما رغم ذلك يهزمان خوارزميات تيكتوك التي تبرأ منها وقتما نُشرت تلك الوثائق.

وفق مسؤولين في التطبيق ذي الانتشار الواسع، فإن استراتيجيات مكافحة القبح قديمة ولم يعد معمولًا بها، مما يعني أنها كانت سارية بالفعل ولو لبعض الوقت. وأغلب الظن أن تراجع تلك الفلسفة النفعية التي لا مانع لديها من دهس الفقراء والقبيحين لضمان الوصول إلى عدد أكبر من المستخدمين واستبقاء الموجودين بالفعل يرجع إلى الحضور الطاغي غير المتوقع لشخصيات عادية على الأغلب وربما أقل من العادية ممن ينطبق عليها توصيفات القبح والفقر على واجهة هذا التطبيق.

لا تشبه تلك التجربة معظم التجارب التي تُسلِّع فيها الأسرة أحد أفرادها وتستغل إعاقته في حصد الأموال والشهرة

وأدق مثالٍ على ذلك خابي لام الشاب السنغالي الأسود شديد النحافة الذي لاقت مقاطع الفيديو الخاصة به قبولًا غير عادي، جعله صاحب الحساب الأكثر متابعة على التطبيق بـ162.5 مليون متابع. نجاحات كالتي حققها لام والشاب التركي ياسين جنكيز الذي اشتهر بسبب كِرشه العظيم الذي كان يهزه إراديًا على أنغام أغنية "دوم دوم يس يس" في الحقول التي يعمل بها بوجهٍ وملابس معفّرة بالتراب، قبل أن يصبح كرشه مطلوبًا للرقص أمام كبرى المحلات والمطاعم والمعالم السياحية، فتحت الطريق أمام تعريفٍ جديدٍ للواجهة التي تضمن الانتشار.

ولا يمكن هنا إنكار الدور الذي لعبه التغير الضخم الذي لحق بالذوق العالمي العام، الذي صار يحتّم ابتكار منافذ لا نهائية للمتعة حتى لو كان ذلك على حساب التابوهات القديمة مثل الدين والإعاقات والفقر والحروب والأوبئة.

لقطة من فيديو نشره البلوجر التركي ياسين جنكيز، على حسابه بتيك توك، 5 أغسطس 2023

تكتسب تجربة باشا البلد بعدًا خاصًا من شخوصها إبراهيم سمبل وعلي كباكا، وإن كانت في جوهرها ومآلاتها تسير في طريق تجارب عدّة، كُتب لبعضها النجاح كتجربة السويسي وأشباه اللاعبين، ودُفن بعضها الآخر بعد وقت قصير كتجربة كريم عادل شبيه محمد صلاح، بالإضافة إلى تجربة تامر الجيار المذبذبة صعودًا وهبوطًا بين الاثنين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

لا تشبه تلك التجربة معظم التجارب المشابهة التي تُسلِّع فيها الأسرة أحد أفرادها وتستغل إعاقته المصحوبة بظُرفٍ وقبولٍ في حصد الأموال وتحقيق الشهرة. ودلائل ذلك في طبيعة المحتوى نفسه، فصورة سمبل هي الأساس، لكنها لم تكن لتخلق أي معنى دون صوت كباكا.

وحميمية العلاقة التي لا يمكن تزييفها بين كباكا وسمبل، بل بين كباكا وعائلة "البلد" كلها: فلانتينو البلد ونجم البلد وست البلد، تلقي بظلالٍ وارفة على تلك الحالة وتمنحها بعدًا إنسانيًا أكبر، خصوصًا إذا وضعنا في الحسبان الدراسات السلوكية لعائلة البلد، أي أولئك المصابين بمتلازمة داون، التي تُظهر رغبة كبيرة في الانخراط الاجتماعي وإظهار اللطف والمودة للآخرين، غير أن صعوبات التواصل والتفاهم تقوّض تلك الرغبة وتكبتها، وهو ما يتيح لنا فهم حقيقة الدور النبيل الذي يلعبه كباكا وكأنه المغناطيس الذي يجذب إليه كل المنتمين لتلك العائلة.

العملية قصر الكبابجي

لا يمكن التعاطي مع أي من تلك الظواهر وتفكيكها بمعزلٍ عن الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تلقي بظلالها القاتمة على الجميع. لكن العزوف عن الانغماس في الواقع وخاصة الأجيال المتأخرة كجيلي زد وألفا؛ تطلب شغلَ تلك الهوة الواسعة بشكلٍ ما.

ولما كان المثقفون والفنانون ينقطعون لأداء ذلك الدور في مراحل زمنية مختلفة، فقد ظهرت في العصر الحالي طبقة من الأفراد المنقطعين للقيام بتلك المهمة، ولكن هذه المرة من خلال السوشيال ميديا وخاصة إنستجرام وتيكتوك.

صحيح أن اللامركزية التقنية قد ألغت اقتصار وسائل تواصل اجتماعي بعينها على نموذج ثقافي واجتماعي ومادي واحد، لكن تيكتوك خلق جسرًا بين تلك الطبقات لم تقدر الثورات ولا الانقلابات على مدّه.  فتجد شبيه مبابي القاطن في حي المرج الشعبي يداعب الكرة على مرأى ومسمع وإعجابٍ من فتيات منطقة التجمع ذات الطابع النخبوي، وتجد أشباه اللاعبين يتحلقون حول مائدة قصر الكبابجي في ترحيبٍ وإكبار، وهم الذين لو أنفقوا ما في جيوبهم، قبل عبور الجسر، ومثله معه ما ضمن لهم ذلك عشاءً من صنفين في مكانٍ كهذا.

لم يجلس باشا البلد بعد على الكرسي الكبير لقصر الكبابجي، ولم يظهر حتى الآن كصنفٍ من أصناف محل الحلويات الشهير والمثير للجدل "بلبن"، لكن ذلك الجسر جعل باشا البلد ابن محلة مرحوم في طنطا يضع يده في يد فتاةٍ ثريةٍ، لو رأته في الشارع في سياق آخر لأشاحت بوجهها عنه، يلاعبها الريست وينغلب لها. وهو الذي سيجعله عما قريبٍ واجهة لإعلانٍ تجاري حقيقي لا يستغل إعاقته لحضّ الناس على التبرع لإنشاء مستشفى لمن هم في حالته، المهم أن يصير ذلك قبل أن تفرض الحكومة ضريبة على أرباحه.